مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

رعب الماتريكس

الرعب أو الخوف كما يحلو لنا تسميته هو إحساس ينبع من داخل الذات البشرية جراء عدة عوامل. قد يشعر الإنسان بالخوف من الظلام مثلاً، أو من رؤية الدم. وهناك من يعانون من رعب الأماكن المرتفعة ورؤية الآلات الحادة خاصة منها المخيفة كآلة (المنجل) مثلاً.
أهوال الرعب لا حدود لها وقد تختلف من شخص إلى آخر، وليس ثمة من مبرر لحالات الهلع التي تنتاب الإنسان عند إقباله على مشاهد الرعب فتجعله يعيش حالة من الانتشاء فتزيد رغبته لاستهلاكه، لا مبرر حسب اعتقادي غير وجود شروخ عميقة واهتزازات نفسية بدأت تتشكل في الذات البشرية منذ الطفولة ربما. ومن أهم النقاط التي تستوقفنا في هذا الجانب تلك الحكايات التي رويت على مسامعنا من طرف الجدات والأمهات، حكايات شعبية وجدت فيها الجدات منافذ عائلة لتصريف طاقة التخييل عندهن.
وإذا تمعنا جيداً فإن عامل الرعب أو الفزع هو المحرك الأساسي لتلك الأقاصيص. وسواء تخيلنا عوالم غير مرئية أو رمزن بها إلى وجوه من تصاريف واقعهن المعيش فإن ذلك ما استقرت عليه ذاكرتهن الشعبية من موروث قصصي مدهش يجعل الآذان تتشربها بنهم وتترك القلوب معلقة في الهواء.
لطالما تساءلت عن الالتفات القوي وتغلغل الرعب في الحكايات القديمة حتى أننا لا نكاد نسمع قصة من القصص إلا وكان ضرباً من المراوغة بين أرواح وأشباح تأتينا من عوالم أخرى، حتى باتت مسرحاً للغول والأرواح التي تستيقظ ليلاً من المقابر وتسمع أصواتهم التي تفوح منها رائحة الرعب. وأولئك الذين يقتلون وتظل أرواحهم معلقة بالمكان تتعذب. والعبابيث التي تظهر ليلاً في الطرقات المظلمة على شكل حيوانات أو فتيات جميلات، و يتكثف الرعب مع الطير الذي يختطف الأطفال (النعوشة).
إنه لأمر محير أن ينصت الإنسان منا لهذا الكم الهائل من الرعب المسلط عليه خصوصاً إذا تحدثنا عن فئة معينة وهؤلاء هم الأطفال.
التساؤل هنا إذا كان الخوف أمراً طبيعياً في النفس البشرية فهل كان علينا أن نزيد من تكريسه أم الأجدر بنا أن نعالج ذلك؟
يبدو الأمر أشبه بثقافة متوارثة جيلاً بعد جيل، فإذا تتبعنا مسار الرعب منذ القديم وصولاً إلى عصرنا الراهن فسنلاحظ أنه عبارة عن موجة عنف تسلط على الأذهان بالقوة ومازالت تضرب في قاع المجتمع.
لطالما تساءلت عن المتعة التي يحصلها الأطفال وحتى المراهقون وأحياناً فئات عمرية أخرى عن مدى الولع بالاستمتاع أو مشاهدة مقاطع الرعب التي تبثها وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا نطرح، مصدراً جديداً للاستهلاك، ففي السنوات الأخيرة انتشرت العديد من الألعاب تمارس إلكترونياً، وقد لقيت رواجاً واستهلاكاً رهيباً من قبل شرائح عمرية مختلفة دون استثناء مثل لعبة (الحوت الأزرق)، حيث أظهرت الإحصائيات أنها قد تسببت في انتحار ما يفوق 100 شخص منذ ظهوره. كذلك ما يعرف بلعبة (مريم) التي انتشرت بسرعة فائقة لما تتميز به من إثارة وغموض عن طريق المؤشرات الصوتية والمرئية التي تشكل طبيعة اللعبة. إضافة إلى عدة ألعاب أخرى مثل (تحدي شاركي، جنية النار، لعبة البوكيمون غو).. كلها تسببت في حالات انتحار في صفوف الأطفال والمراهقين.
أمر كهذا يذكرني أحياناً كان يراودني شعور بمشاهدة فيلم رعب فيما مضى ولكن أتذكر فعلياً أن هذا قد حصل معي في سنوات متقدمة من عمري أي لم يكن في فترة الطفولة، فمن حسن ظني أنني تربيت على قصص الأطفال (سندريلا، زينة ونحول، بياض الثلج، الأقزام السبعة، بائعة الكبريت..) ولا أخفيكم أنني فعلت ذلك، فرغبتي باكتشاف عالم الرعب ساقتني إلى عالم أجهله وأجهل خباياه. أردت أن أنظر في جانب آخر غير الذي تعودت عليه، وكان الأمر بمثابة تجربة أخوضها لغرض الاكتشاف وليس للترفيه أو المتعة. وهو ما يجعلني في الحقيقة أتساءل عن المتعة التي يحصلها الطفل أو المراهق أو حتى الكهل أمام ساعة من الرعب وحبس الأنفاس. ولم تكن كل مشاهد الرعب تشدني، إذ كثيراً ما كنت أبحث عن حكايات تستحوذ التحليل وفيها نوع من التأثير الإيجابي.
أقول هذا لأن العديد من الأفلام هي عبارة عن أوعية لبث الرعب لا غير وكأنها مشاهد تنشر القتل والدم وتفرغ أكياساً من قذارة الرعب في نفوس الأشخاص لا غير، وقد أصل في هذه النقطة إلى أن جل ما تسنى لي مشاهدته قد يقترب من المفاجأة بأكثر من الرعب ذاته. ولا أخفيكم أن هذا الأمر كان فعلاً ضرباً من الاكتشاف لا غير. وهو ما جعلني أتساءل عن السبب الذي يدعو الأطفال والمراهقين خاصة إلى مشاهدة الرعب واستهلاكه بصفة تكاد تكون يومياً من خلال ممارستهم للألعاب الإلكترونية كنوع من الإثارة، بل أكثر من ذلك، إذ كثيراً ما تسيطر هذه البرامج على عقول البشر وتدفع بهم إلى خوض تجارب شخصياتهم وتقمص أدوارهم وسط نوع من التحدي في إثبات الذات ربما. لعل ما دفعني لإضاءة هذا الحيز الشخصي تجاه فكرة الرعب هو الرعب في حد ذاته من هول انتشار هذه الألعاب التي تسعى إلى صناعة عقول مرعبة لا تفكر سوى بالقتل والانتقام وبث الشر وسيطرة قوى الظلام.
السؤال اليوم: هل نحن قادرون على مواجهة هذا الرعب خصوصاً في ظل ما تشهده التكنولوجيا من سرعة مرعبة في التصور، فعلاوة على الألعاب الإلكترونية نحب مقاطع الفيديو التي تتداول على مواقع التواصل الاجتماعي وهي عبارة عن أوعية لمشاهدة من القتل والممارسات العنيفة والمخيفة، أليست هذه دعوة ضمنية للرعب المروع والوحشي؟
الذي أعرفه وأؤمن به أن المحرك الأول للإنسان يجب أن يكون نابعاً من داخله وعليه فإن القدرة التمييزية التي يجب أن يمتلكها الطفل والمراهق تتأسس من داخل الأسرة باعتبارها الوعاء التوعوي الأول. ففي ظل الانتشار الرهيب للألعاب الخطيرة التي تعمل على تكريس ثقافة الرعب والخوف والقتل في صفوف الأطفال والمراهقين يجب تطهير ذلك من خلال زرع ثقافة بديلة تعمل وتعلم الإنسان تحقيق أهدافه بعيداً عن ثقافة الرعب. وإذا كانت ثقافة الرعب شراً لا بد منه فالأجدر أن نعود إلى الذاكرة الشعبية، فإن كانت تحفظ لنا حكايات وأسراراً مرعبة عن الغول والسحرة والعبابيث ففي نهايتها يتبدد الشر ويحل السلام وتنتصر قوى الخير.


ذو صلة