مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

القيم من منظور فلسفي

كثيراً ما يختلط مفهوما القيم والأخلاق الحميدة في أذهان الكثير من الناس، إذ يطلقهما بعض المعنيين على مفهوم واحد، والحقيقة أن القيم شيء مختلف تماماً، وبعيد عن هذا الخلط بمسافة قريبة، لذا وجب علينا أن نقترب رويداً من تلك المشكلة الشائكة.
لنتعرف أولاً على معنى القيم:
القيم هي كل ما له قدر وثمن، بيد أن القدر هنا أعلى من الثمن، لأن الثمن بعض مال يُدفع ربما قل أو كَثُر، أما قدر الشيء فهو مكانته عند صاحبه، فمثلاً حين يهدي إليك شخص صاحب مكانة في نفسك وردة فلربما كان ثمنها زهيداً جداً، لكن هذا الشخص له مكانة كبيرة عندك فلا تستطيع التفريط في تلك الوردة بأي حال من الأحوال، ذلك لأن قيمتها تفوق المليارات عندك. كذلك لو أردنا التقريب لمن يخلطون بين القيم والأخلاق؛ نقول إنهم ليسوا على خطأ مطلق، فالأخلاق الكريمة عند أصحابها ذات قيمة كبيرة لا تقدر بثمن، وفي ذلك يقول الشاعر:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فالتقريب بين المعنيين بسيط لكنه يحتاج للحذر في تناولهما.
القيم من المنظور الفلسفي:
الفلسفة قديماً حسب التقسيم الكلاسيكي لها كانت تبحث في ثلاثة مناحٍ رئيسة:
أولها مبحث الوجود (الأنطولوجيا) الذي يبحث في الوجود كما هو موجود، مادي فيزيقي، وليس الميتافيزيقي.
وثانيها مبحث المعرفة (الإبستمولوجيا) أي البحث في المناهج المعرفية التي توصلنا لمعرفة ذلك الوجود المادي.
وثالث هذه المباحث هي القيم (الأكسيولوجيا)، فهي مبحث أصيل وليس فرعياً من مباحث الفلسفة. إنها تبحث فيما يجب أن يكون عليه كل ما هو قيّم ذو قدر وثمن -كما قلنا. وكان التركيز فيها على الأخلاق، لذلك نشأ الخلط عند البعض بين مفهومي القيم والأخلاق.
طبيعة القيم، هل هي نسبية أم مطلقة:
من هنا ثارت المشكلة الكبرى في عالم الفلسفة ما بين قائل بنسبية القيم وذاتيتها، وبين من قال إن القيم موضوعية ومطلقة. فانحاز السوفسطائيون أيام سقراط إلى نسبية القيم والحقيقة والفضائل، وقالوا إن كل ما هو خير خير بالنسبة لي وكل ما هو شر شر بالنسبة لي، ويعني ذلك أن أحدهم لو قام بالقتل ورأى أن ذلك خير له فذلك هو الخير ولو أعطى أحدهم فقيراً كسرة خبز ورأى ذلك شر فهو شر، وهذا يعني أنه لا خير مطلق نتفق عليه ولا شر مطلق نتفق عليه، الأمر الذي قد يؤدي لانهيار المجتمعات وأفول الحضارات. وقد انحاز إلى هذا المعنى في العصر الحديث (باروخ إسبينوزا) الذي عاش ما بين عامي 1623 و1677 حين رأى أن الأشياء ليس لها في نفسها قيمة بل نحن الذين نجعل لها قيمة، حين نرغب فيها، وذلك يعني نسبية القيم وذاتيتها باختلاف أذواق الناس في حكمهم على الأشياء حين يختارونها، فلربما أحب أحدنا الموسيقى، فحبه لها يجعلها ذات قيمة، وعدم حب آخر لها سيجعلها حينئذ دون قيمة بالنسبة له - حسب وجهة نظر إسبينوزا، كما وافقهم الرأي أيضاً (توماس هوبز) الذي عاش ما بين عامي 1588 إلى 1679، وقد ذهب هوبز لمثل ما ذهب إليه سابقوه، حيث رأى أن الخير للإنسان أو الشيء القيم للإنسان فقط ما هو موضوع لشهواته، أي ما أشتهيه فقط هو الخير والقيمة ذاتها، حتى لو أضرت شهواتي بغيري.
وعلى الجانب الآخر ظهر فريق من الفلاسفة يرفضون هذه النسبية للقيم، ورؤوا أنها موضوعية ومطلقة، وذلك يعني أن القيم لا تخضع للأهواء فهي محايدة وليست منحازة، وأنها مطلقة عامة عند الكل، ومن هؤلاء (سقراط) الذي تصدى لرأي السوفسطائيين بقوله: (إن الإنسان مقياس كل شيء)، ولكن عن طريق العقل، وأن الشيء قيمة في ذاته والعقل هو أداة اكتشافه. كما ذهب إلى ذلك أفلاطون الذي رأى أن للفضيلة مثالاً واحداً لا يتغير عند الكل، فالعدل والخير والحق والصدق.. وما إلى ذلك من الفضائل هي مسميات فقط لكن تنتمي لأصل واحد وهو الفضيلة. وقد شاركهم الدعوة في العصر الحديث (ماكس شيلر) الذي عاش ما بين عامي 1874 إلى 1921، إذ يرى أن القيم شيء يجب أن نكتشفه، لا أن نخترعه، أي أن القيم موجودة بالفعل عند الجميع، ونحن فقط نكتشفها بالبحث عنها، لا أن نخترعها، وهو يرى أيضاً أن القيمة قصدية، أي نفعلها بقصد فعلها، ليس من قبيل المصادفة. وشاركهم في هذا الرأي (جورج مور) الذي عاش ما بين عامي 1873 إلى 1953، ويرى أن القيمة كامنة في الفعل نفسه، وأنها تدرك بالحدس لأنها باطنية. وهو في ذلك ينحو منحى صوفياً يهدف لإدراك معنى القيم عن طريق حدوس البشر، سواء أكانت عقلية أم قلبية، وهو أمر قد يكون في وسع كافة البشر إن أرادوا التدرب عليه.
وإلى هنا لم تنتهِ مناقشات وجدليات الفلاسفة حول طبيعة القيم: أهي نسبية ذاتية تخص كل شخص بذاته، فهو المتحكم في توجيهها حين أراد وحسب أهوائه؛ أم هي ذات طبيعة موضوعية مطلقة تعم البشر جميعاً، ولها مدلول ثابت في نفوس الجميع؟
والحقيقة أن هذا الجدل حول طبيعة القيم لا يعني أن يلغي أي منها الآخر، فنحن نقول إن القيم ذاتية وموضوعية في الوقت نفسه، فكل منا يملك في نفسه قيماً لأشياء كثيرة، وذلك يعني ذاتيتها. وفي الوقت نفسه نقول إن كل البشر لديهم إحساس ومعانٍ مختلفة لتلك القيم، فهي بذلك موضوعية عامة.
وسيبقى الجدل حول ثنائية طبيعة القيم ما بقي الفكر الفلسفي المستنير.
ذو صلة