الفوضى قبل أن تكون حالة بين حالتين، هي معركة ولها نقع يُثار فوق العالم الرحب، والمعاصر، شبيه بذاك النقع لدى الشاعر المخضرم، المُفلق بشار بن برد فيما قال:
كأن مثار النقع فوق رؤوسهم
وأسيافنا، ليل تهاوى كواكبه
عالمنا اليوم يمر بفوضى، هذا مؤكد، ونحن جزء منه يطالنا ما يطاله، ونألم مثلما يألم، ونفرح كما يفرح. والفوضى بصفتها حالة، قد تكون إشارة على ولادة جديدة، من يعلم؟ فلربما تحمل خيراً خاصاً للبعض أو عميماً للناس كافة، أو تكون نذيراً. الفاصل في المسألة كيفية تدبّر الحاضر الذي نحن فيه، وحسن الظن بالآتي.
في العصور السالفة، الفوضى اعتبرت امتحاناً عسيراً للرجال، إذ تضعهم في مواقف تكشف عما إذا كانوا يمتلكون الرؤية والإرادة الصلبة ليفيدوا من الحالة القائمة، أم تبين عنهم مسرعة إلى الغياب ولا يدركونها، في هذا المفصل قد تندرج أسماء بعض أولئك الرجال في قائمة الحكماء أو القادة الأفذاذ.
وللفوضى إشارات تسبقها، وأسباب تدفع إليها، لكن في الغالب هي حالة تأتي بين حالتين: حالة قديمة تلملم أطرافها استعداداً للرحيل لتصبح عما قليل ماضياً وتاريخاً، وحالة جديدة - حديثة تنهض وتستوي على أقدامها لتصبح حاضراً ينزاح إلى المستقبل. وبين الحالتين القديمة والحديثة، تنتهي أحلام وأمور وبرامج وشعارات ويغيب فيها أشخاص، لتحل محلها أحلام جديدة وأمور أخرى ويلمع فيها أشخاص آخرون، وتتبدل البرامج والشعارات بغيرها.
في الفوضى، التشاؤم ليس مطلوباً، فالحكمة تقتضي، في المسافات البينية الفاصلة بين حالتين أو فضائين، إعمال العقل، والتدقيق في الحسابات التي يكون فيها لبنك التجارب الحياتية المتراكمة دور كبير ومحوري. على أن الإفراط في السعادة ليس مفضلاً هو الآخر في مثل هذه المساحات الرجراجة، وحده التفاؤل، مع قليل من الصبر والإرادة، هو الدواء للإنسان، يجعله متوازناً في استدعاء حكمته وجراءته.
قلة هم الذين يلتقطون الإشارات ويقرؤون الإيماءات التي تأتي بها زوبعة الفوضى، فعلى الرغم من كثافة النقع المثار فوق الجميع، حائلاً بين العين المجردة والتفاصيل، ثمة من يغدو نسراً فيرى ما لم يستطع رؤيته غيره في حالة الصفاء، يصبح رائياً قادراً على وضع خطته، وتحريك بيدقه بثقة وحسم لكسب ميادين إضافية، طالباً العمل في ما بعد الفوضى، في تلك المساحة التي تعقبها مباشرة، تاركاً للآخرين التبعثر والارتباك قيوداً تصادر فيهم الهمم..
لو كان يضمن نصر قبل موعده
لكان أرخص ما في الأنفس الهمم
رحم الله الجواهري في المبدعين.
الفوضى، هي علامة إخبار على انقضاء مرحلة بكل ما فيها، وتم تجريبها، وبدء مرحلة أخرى حديثة، صنعت من ركام الأولى عتبات للصعود، تحتوي كل جديد، ويجرب لأول مرة.
ليس كل فوضى سلبية، ثمة فوضى إيجابية تمثل علامة على ولادة أمر جلل في الطريق إلينا، يحمل الكثير مما تخيلنا، ومما لم نتخيله، فحسن الظن بالآتي الجديد يهدئ الروح، ويمنح القلب شعوراً يشبه الإيمان بالجنة.
إن لم تستفد من حالة الفوضى، فثمة شك أنك سوف تخفق بالعيش في ما بعدها، حتى لو دفعت كرهاً من غير اختيار إلى الصمود في الفترة الجديدة التي تعقب الفوضى، فسوف تظل هشاً ومرتعشاً لا تقوى على التماسك والبناء، قد يكون سبب ذلك إصرارك على أن تحيا في الماضي، رغم علمك أنه ذهب ولن يعود، وأن الجلباب الذي ترتديه عليك نزعه والتخلص منه، وإلا فإنه سوف يحرمك المشاركة في الزمن الجديد بفضاءاته الواسعة، وأهله المتوثبين نحو الشمس.
لا تعبث بقبور الماضي بغية إحيائه، كله أو جزء منه، ولا تلقي السمع إلى رميم المجرات، فلا محيي له سوى الله (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم).