فاروق حسني للمجلة العربية: السعودية ثقافة متجددة
حوار/ داليا عاصم: مصر
رغم ابتعاده عن ميدان العمل السياسي؛ إذ أمضى الوزير المخضرم نحو ربع قرن من الزمان بين حقيبتي الثقافة والآثار؛ إلا أن فاروق حسني الفنان يعي سيرورة مجال الإنتاج الثقافي، وأن عطاء الفنان يستمر مرافقاً للأبدية عبر إبداعه. مؤثِراً أن يشارك الأجيال الجديدة رحلته مع الفن، واضعاً ما جمعه على مدار نصف قرن، من أعمال نادرة، تجسد محطات مهمة للفن التشكيلي المصري؛ وكتبٍ ومراجع موسيقية وأدبية وفكرية، لتكون جميعها متاحة لزوار المتحف ومريدي الفنون.
التقت (المجلة العربية) الفنان فاروق حسني (88 عاماً) في متحفه الشخصي بالزمالك عقب افتتاحه، ومع تتويجه بجائزة (جوي) للإنجاز مدى الحياة، وبالتزامن مع ترشيحه لنيل أرفع جائزة مصرية (النيل) للفنون. شاركنا تجربته في الفن والإدارة الثقافية، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي في ظل الظروف الجيوسياسية المتقلبة الضاغطة، ومستقبل متحفه الجديد ورؤيته للمتحف المصري الجديد ومتحف التحرير أقدم متاحف العالم، فإلى الحوار:
صف لنا شعورك بالتتويج بجائزة (جوي) لصناع الترفيه في العالم للإنجاز مدى الحياة؟
- أسعدني هذا التقدير كثيراً، وهو احتفاء صادق من المملكة العربية السعودية أقدّره من القلب. وقد وجدت فيه انعكاساً واضحاً للنهج الثقافي والفكري المنفتح الذي تتبناه القيادة السعودية الواعية، ممثلة في سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث باتت الثقافة والفنون أولوية حقيقية، ونموذجاً لنهضة تُدار برؤية طموحة وعقلية استثنائية.
وعندما تواصل معي معالي المستشار تركي آل الشيخ ليبلغني شخصياً بالتكريم، شعرت بصدق محبته لمصر ولرموزها، وهو إحساس يفوق في قيمته الجائزة ذاتها. وحين التقيت به عن قرب، وجدته إنساناً محباً للثقافة والفنون، يقدّرها بوعي وشغف، ويتمتع بحس إنساني وعاطفي مؤثر. وأتصور أن له دوراً كبيراً ومؤثراً في إحداث نهضة فنية في العالم العربي خلال المرحلة المقبلة.
كل مدينة تترك فينا مشاعر وذكريات ترتسم في أرواحنا، فما أثر الرياض فيك؟
- كنت أحب مدينة جدة، ووجدتها متوائمة مع روحي، ومنذ خمس سنوات تقريباً زرت الرياض؛ لكن غادرت سريعاً. هذه المرة انتابتني مشاعر غريبة جداً وجياشة، إذ عشت يومين رائعين؛ الرياض سكنتني ولم تغادرني.
وكيف ترى الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية؟
-ما تقدمه المملكة ثقافة متجددة، ومصر تملك ثقافة متجذرة. ومن واقع خبرتي بالعمل الثقافي؛ الثقافة معدية، وأرى الأثر الثقافي الذي أوقدته المملكة قد بدأ ينتشر في أنحاء العالم العربي، حينما تقوم دولة بنشاط ثقافي وفعاليات هذا أمر مهم وينتشر انتشاراً واسعاً. عموماً، هناك مناخ عام هو الذي يثري العمل الإبداعي أو يطمسه. الحروب والمناخ السياسي محبط، وبالتالي علينا أن نتمسك بالعمل وتشجيع الشباب لكي تحدث الاستدامة الثقافية، وبالتالي سنرى إبداعاً متوهجاً.
بعد 15 عاماً من ترك العمل الوزاري والتفرغ للفن وافتتاح متحفك الشخصي؛ ماذا في جعبة فاروق حسني؟
- منذ فترة كنت أعمل على تجهيز متحفي الشخصي ليكون محراباً لمحبي الفنون، انتظرت طويلاً لكي يخرج على هذه الصورة. وضعت جزءاً من أعمالي والبقية في المخازن، ووضعت ممتلكاتي الفنية التي جمعتها من جميع أنحاء العالم، وتبرعت به للمجتمع، إذ سوف ينضم لمتاحف الدولة بعد وفاتي. وأعمل على استكمال النشاط عقب الافتتاح المبشر، وأُعدّ أجندة لأنشطة المتحف. وحالياً هناك إقبال شديد من الشباب وسيدات المجتمع الراقي من كل أنحاء مصر، وهذا يضع مسؤولية كبيرة علي كي يستمر المتحف في رسالته. وأطلقت عليه (المتحف الصغير).
هل ممكن يتغير سيناريو العرض؟
- ربما، وهذا يتوقف على حنكة المسؤولين عن المتحف ومجلس أمناء المؤسسة.
لقد أذهلتنا فكرة المتحف الكبير لما فيها من بعد النظر والتفكير في الأجيال القادمة وصناعة الأثر الثقافي؛ كيف كان شعورك بعد كل هذه السنوات وقد تحقق حلمك؟
- فكرة المتحف الكبير جاءت بسياسة ورؤية وإحساس بالمسؤولية. كان متحف التحرير مكدساً، وقيمته الجمالية ضائعة بين المقتنيات المكدسة. كانت فكرة جريئة جداً، والرئيس مبارك كانت له يد كبيرة جداً؛ لأنه صدق في الفكرة، رغم معارضه الآثاريين المصريين وقتها والهجوم الشديد على الفكرة، قلت له: (أريد أن نبني أكبر متحف في العالم)، قال: من أين ستأتي بالمال؟ فقلت له: (يا ريس المشروعات الكبيرة تجد التمويل بسهولة)، فوافق، ومن هنا توالت الخطوات، ووجدنا تمويلاً من اليابان وإيطاليا. المجال الثقافي في مصر ممتد منذ الأزل، لكن الأهم هو كيف نستثمره ونطوره.
وكيف ترى مستقبل متحف التحرير أقدم متاحف العالم؟
- المتحف القديم قيمة كبيرة جداً، معمارياً وتاريخياً، ويجب أن يكون بؤرة عالمية لعلم المصريات، ومتحف متغير طوال الوقت. ولدينا حوالي 300 بعثة أثرية يمكنهم تقديم نشاط عظيم جداً في هذا المتحف، إذا تم استغلال موقعه وإمكاناته وقاعاته. مثلاً في متحف اللوفر هناك علم المصريات، وسأظل أنادي بهذه المبادرات حتى آخر لحظة في عمري.
شهدنا حالة من الزهو بالحضارة المصرية والتراث الثقافي عقب افتتاح المتحف الكبير، وهذه الحالة نلمسها في كافة الدول العربية بالعودة للموروثات الشعبية والتمسك بالهوية؛ هل تعتقد أننا عربياً يمكن أن نغزو الآخر ثقافياً عقب انحسار تيار العولمة؟
- لا نحاول الغزو، ولكن الأعمال الفنية والإبداعية إذا كانت جيدة ستذهب وتخلق لنفسها مساراً وجماهيرية وتأثيراً في الآخر. الإبداع الحقيقي يعزز الحضور الثقافي عبر الزمن.
بالعودة لمتحفك الصغير، وما يحيط بنا من قطع منتقاة بعناية فائقة؛ هل هناك قطعة ما في المتحف تحمل ذكرى محببة؟
- غالبية التماثيل من إهداء تلاميذي. أما اللوحة التي لها ذكرى محببة لي، وأتفاءل بها دائماً؛ هي لوحة سكندرية رسمتها قبل سفري لباريس، حينها طلب مني ترشيح 3 فنانين للمشاركة بمهرجان (كاركاسون) في قلعة ضخمة جداً بجنوب فرنسا، كان في سنة 1970، والوضع في مصر ليس جيداً؛ وكنت محرجاً جداً أمام المسؤول عن المهرجان، وفكرت بترشيح جورج بهجوري وآدم حنين وبهجت عثمان، وأصروا أن أعرض معهم، فقلت لهم لوحاتي في الإسكندرية، فسافروا وأحضروا معهم لوحتين لي، وفوجئت بأنني فزت بالجائزة. وهنا عرفت أن لدي شيئاً مهماً لأقدمه، وفي العام التالي رشحت لأكون عضو هيئة تحكيم ذلك المهرجان، وشعرت بأن لدي دافعاً للاستمرارية والجدية والبحث في مجال التجريد لأرى أين أنا من فناني العالم؟ ومن هنا استمرت رحلتي مع التجريد.
كيف استقبلت ترشيح جامعة القاهرة لك لجائزة النيل الرفيعة؟
- على مدار عملي الرسمي لم أنتظر جائزة من قبل، بل بالعكس الجوائز تضع مسؤوليات أكبر على عاتق الفنان. ولكن طبعاً سعيد جداً وفخور بكل الجوائز. وأشكر كل من فكر في هذا الترشيح، وإن كان تأخر كثيراً. أعطاني النبأ سعادة غامرة، والتقدير الاجتماعي والفني لأعمالي هذا جعلني أشعر بالجائزة الحقيقية.
رغم أن الغالبية العظمي من لوحاتك تنتمي للفن التجريدي؛ إلا أنها صنعت ذاكرة فنية خاصة بها!
- المضمون في الفن التجريدي عموماً يخاطب وجدان المتلقي، لا يحتاج لتفكير لكنه تفاعل، لذا يترسخ في ذاكرة المتلقي. ما تحمله لوحاتي مشاعر حقيقية، وتحمل بين الخطوط والمساحات اللونية فلسفة الضوء والحكمة اللونية التي تظهر على مسطح اللوحة في صورة إيقاعات تنطبع في ذاكرة المتلقي، وتترك بصمة الفنان الخاصة به.
حدثنا عن دور مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون.
- دورها ثابت ومحدد ومستقر، لدعم كل الشباب المبدع في الفروع الخمسة: التصوير الزيتي والتصوير الفوتوغرافي والنحت والعمارة والنقد الفني، لذلك طول الوقت نسعى لاستقطاب الشباب والفنانين المتميزين. وبالفعل وجدنا مبدعين ونشجعهم، مثلاً في مجال العمارة نشجع جداً على الإبداع فيها.
الذكاء الاصطناعي والتحولات التي فرضها؛ برأيك هل سيؤثر على الفن التشكيلي؟
- سوف يساعد، لكن لا شيء يغلب الجانب الحسي أو الإبداع القائم على الإحساس الإنساني. سوف يضيف جودة بشكل أو بآخر، ولكن لا يمكن أن يحل محل العمل الذي يتولد مع لحظة ما يمر بها الفنان. عن نفسي، لا يمكن أن أجعل آلة تفكر لي أو تقدم لي إحساساً مصطنعاً. فنياً أقدم ما تمليه علي روحي ومشاعري.
هل تنوي إقامة معارض فنية جديدة؟
- لا أستطيع عمل لوحات ضخمة حالياً، ولكن لوحات صغيرة واسكتشات كلما أمكن. وإذا لم يكن لي جديد لن أقيم معارض. آخر معرض لي كان في البحرين، وحقق نجاحاً كبيراً. ولكن أضع أملي في الشباب، الطاقة لم تعد موجودة، كنت متفجراً جداً في العمل الفني، وهذا التوهج والتفجر خفت، وأشعر أنني أنهيت دوري.
برأيك؛ لماذا نشعر بحالة كمون إبداعي، ليس في عالمنا العربي فقط بل في العالم عموماً؟
- الآلة الثقافية لا تنتعش إلا بحالة اجتماعية متكاملة، والدولة تقود وترسم ملامح الشعوب وصورتها بين الدول. التقاعس ينعكس بشكل كبير على حالة المجتمع عموماً. التوقد يقل لكن الجذوة موجودة والأحداث أقوى من المشاعر. فالثقافة هي إبداع وجداني بحت وتتأثر جداً بكل الأحداث والظروف.
احترفت الدبلوماسية الثقافية منذ بدايات عملك في المجال الثقافي، ما الذي ينقص العمل الثقافي في مصر حالياً؟ وهل تفكر في كتابة سيرتك الذاتية؟
- العمل الثقافي حرفة تحتاج لمحترف يعرف كيف يغلفها ويقدمها للمجتمعات الأخرى. الآثار والمتاحف هي ثوابت تحل محل الإبداع الوجداني، حتى تنتهي الشدة الحسية الموجودة في المنطقة ونعود لوضع أفضل.
ما نشر عن حياتي بعض مقتطفات من العمل الثقافي والفني، لكن حياتي كانت حافلة بالكثير وتحتاج لتوثيق، وبالفعل تلقيت عرضاً من دار نشر مصرية، ولكن آثرت بدلاً من أن أكتب مذكراتي، فكرت أن أعرضها في أفلام قصيرة حوالي 50 فيلماً تضع زائر المتحف أمام مسيرتي في (غرفة العرض).
لكن يمكن أن ألخصها بأنها: حياة طويلة وعنيفة وثرية بالمعارك الثقافية، ولم أعرف الاستسلام للأحداث، وكنت أضع الأشياء دائماً في نصابها، والنجاح يأتي من الفهم والإدراك.
سر تكوين شخصيتك: براند «فاروق حسني»؟
- حصيلة ما قمت به في سن مبكرة جداً، القراءة والإنصات، وكنت أنتقي الكتب المعقدة والعناوين الضخمة: شعر وفنون ومسرح وروايات وفكر فلسفي، وكنت أنقل المعترك الثقافي لأصدقائي ونتناقش، وكان الهدف الأساسي أن أبهر المريدين، وأقرأ أعتى الأشياء وأغربها، فكونت مجتمعاً خاصاً بي، وصداقات محيطة بي، لكي أتمكن من العيش.
هل ما زلت تحلم بمتحف للآثار الغارقة فوق مدينة كليوباترا بالإسكندرية؟
- كانت فكرة عظيمة، وخصصنا لها مؤتمراً دولياً بحضور خبراء من مختلف أنحاء العالم، في عام 2008. وقتها كانت التكلفة مليار دولار، وفكرة خيالية، لكنها كانت ستحقق واقعاً جباراً: مساحة رائعة كلها آثار ومراكز علمية وبحثية. للأسف ذلك المشروع لم يخرج للنور، ولكن طبعاً أتمنى، إلا أن حالة الإسكندرية الحالية أصبحت مؤسفة.
كيف تقضي وقتك حالياً؟
- ما بين لقاءات أعضاء المؤسسة والأصدقاء بين القاهرة والإسكندرية، في منزلي بـ(سيدي كرير) المصمم على طراز عمارة البحر المتوسط، وسط تبة عالية. أحب الهدوء والاستمتاع بالبحر. حالياً لا أتابع ولا أقرأ الجرائد، وأعتني بالسينما والأفلام وبعض القنوات المهمة كروافد، وبعض المجلات الدولية والعربية فيها بعض الموضوعات التي أحبها.
نصيحة تقدمها للشباب المقبل على مشروعات ثقافية وفنية.
- الصدق والأمانة أساس أي عمل، وإلا يكون مجهوداً يضيع هباء. والأصدقاء هم الكنز الحقيقي.