تتعاقب أجيال العرب، ومن نوابغهم دبلوماسيون وأدباء مرتحلون ومهاجرون، تحملوا أمانة الكلمة، وصاروا سفراء لها، سواء بعملهم الرسمي المكلفين به، أو من خلال الإبداع الذي أفنوا فيه ذواتهم، تعبيراً عن كينونتهم، وهويتهم العربية، وانشغالاتهم الذاتية، وقضاياهم الوطنية والإنسانية.
ولا تخفى على متابع للحراك الثقافي، العربي والعالمي، قوى التأثير التي أحدثتها وشكلتها ارتحالات القامات العربية، الثقافية والدبلوماسية، إلى العالم الغربي، خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة، على مدى أجيال وقرون خلت، منذ بداية ظهور ما سُمّي (أدب المهجر)، في بشائره الأولى، حتى لحظتنا الراهنة، الأمر الذي انعكس إيجابياً في كثير من الأحوال لصالح القضايا العربية، وصورة العرب لدى الغرب.
وعلى امتداد خريطة العالم العربي، من محيطه لخليجه، ثمة نخبة من النابهين، الذين تمكنوا من الجمع بين التفجر الإبداعي، وبين العمل الدبلوماسي، في آنٍ، فاستحق هؤلاء القابضون على جمر الحروف وفنون القول أن يكونوا بجدارة دبلوماسيين وسفراء لأوطانهم على الصعيد السياسي، وسفراء للعرب كلهم وللإنسانية جمعاء على صعيد الإبداع، والفاعلية الثقافية والحضارية.
ويلاحظ أن هؤلاء المبدعين العرب، جلهم، تتفجر في كتاباتهم روح الثورية والتمرد على المألوف، ومن ثم، استطاعوا إشعال حرائق فنية واجتماعية بحروفهم المضيئة رغم طبيعة عملهم الدبلوماسي، الذي يتطلب الحكمة وضبط النفس والتريث.
لكن، في الوقت ذاته، فإن الدبلوماسية، ليست بعيدة عن فنون القول المختلفة، حيث يمكن وصفها بأنها فن تمثيل الحكومة ومصالح البلاد لدى الحكومات في البلاد الأجنبية، ومن شأن (فن الدبلوماسية) العمل على ألا تُنتهك حقوق ومصالح وهيبة الوطن في الخارج، فضلاً عن إدارة الأمور الدولية وتولي أو متابعة المفاوضات السياسية. فالدبلوماسية إذن علم وفن في الوقت ذاته، أو فهي: (علم يجب تعلم قواعده، وفن يتعين الوقوف على أسراره)، بحد مختصّين. ومن هذا المنطلق، فإن الدبلوماسية ليست مقطوعة الصلة بالفن، ولا بالقول بطبيعة الحال، وليس بالمستغرب أن يكون كثير من الدبلوماسيين العرب هم في الأصل من المبدعين.
وعلى رأس هؤلاء العرب، المغردين في الخارج، الذين جمعوا بين القول الأدبي والقول الدبلوماسي، يقف الشاعر السفير السعودي الدكتور غازي القصيبي (2 مارس 1940 - 15 أغسطس 2010)، الاسم الشامخ في العصر الحديث، والعلامة الفارقة. وقد تقلد العديد من المناصب القيادية بجامعة الملك سعود والسكة الحديد ووزارة الصناعة والكهرباء ووزارة الصحة، وعمل سفيراً للسعودية في البحرين، ثم سفيراً في بريطانيا حتى عام 2002، وبعدها عاد إلى السعودية للعمل وزيراً للمياه.
وتمثل تلك الروح المتقدة، بل الانفجارية، لدى القصيبي مفتاحاً لفهم شخصيته، فالرجل قد تضعه كلماته الإبداعية في مأزق، حينما تتعارض قصائده مع مقتضيات الدبلوماسية من حكمة وضبط للنفس. وكان القصيبي قبل استدعائه من عمله سفيراً للسعودية في بريطانيا قد كتب قصيدة أثنى فيها على الشهيدة الفلسطينية آيات الأخرس، التي نفذت عملية استشهادية في أحد الأسواق بالقدس الغربية، مما أثار بعض الأوساط الغربية والصهيونية. يقول القصيبي في هذه القصيدة التي كتبها في أبريل 2002: (يشهد الله أنكم شهداءُ.. يشهد الأنبياء والأولياءُ/ متّمُ كي تعز كلمة ربي.. في ربوع أعزها الإسراءُ/ قل لآيات: يا عروس العوالي.. كل حسن لمقلتيك الفداءُ).
وبالنظر إلى شخصية الدكتور القصيبي، تبدو عاطفته الشعرية متغلبة عادة على متطلبات وواجبات عمله الدبلوماسي أو السياسي، مما قد يسبب له الحرج. ويشار إلى أنه في عام 1983، بعث القصيبي رسالة مفتوحة إلى الملك فهد في صورة قصيدة على غرار قصيدة المتنبي التي عاتب فيها سيف الدولة، وتسببت قصيدة القصيبي آنذاك في تخفيض درجته من وزير للصحة إلى سفير في البحرين. وقد فسرت القصيدة على أنها نقد لبعض الأمراء، وفيها قال القصيبي مخاطباً الملك فهد: (بيني وبينك ألف واش ينعبُ.. فعلام أسهب في الغناء وأطنبُ؟/ صوتي يضيع ولا تحس برجعه.. ولقد عهدتك حين أنشد تطربُ).
لم يكن حضور الدكتور غازي القصيبي وتأثيره في المناخ الثقافي السعودي خاصة، وفي الوطن العربي والعالم الخارجي عامة، من خلال كتبه فقط؛ لكن، ولعل هذا الأكثر بروزاً وتأثيراً؛ كان أيضاً من خلال حيويته بوصفه مثقفاً عضوياً، فاعلاً، أسهم في خلق حالة من الحراك والتفاعل كانت السعودية بحاجة ماسة إليه في عقود سابقة، تحسست فيها سبيل التنوير. شهدت بداية السبعينات صدور ديوانه (معركة بلا راية)، ذلك الديوان الذي هوجم وقتها، وسعى البعض إلى مصادرته، ولعل عنوانه يمثل ما شكله القصيبي في الوعي الثقافي السعودي من أثر، فهو قائد معركة دائماً، لكنه أيضاً، ربما بحكم عمله الدبلوماسي؛ يتعامل مع المعارك بحساسية تكثر من أصدقائه، وتقلل من أعدائه، وتلك هي المعادلة الصعبة التي استطاع القصيبي حلها ببراعة.
**
ومن أبرز الشعراء العرب، الذين توهجوا في العالم الغربي وعملوا دبلوماسيين في مرحلة من حياتهم، وجمعوا بين القولين، الإبداعي والدبلوماسي، الشاعر السوري نزار قباني (1923 - 1998)، أحد أشهر الشعراء العرب في القرن العشرين، وأحد علامات الريادة في قصيدة الشعر الحر والقصيدة الفصيحة المغناة. ولد نزار قباني في دمشق، وتخرج في كلية الحقوق بالجامعة السورية في عام 1944. وعمل نزار في السلك الدبلوماسي بعد تخرجه، وشغل عدداً من المناصب الدبلوماسية في القاهرة وأنقرة ولندن ومدريد وبكين وبيروت.
كان نزار بعد إتمام الوحدة بين مصر وسوريا في عام 1959 قد تم تعيينه سكرتيراً ثانياً للجمهورية المتحدة في سفارتها بالصين. وبعد أن رأى نزار قباني أنه يريد أن يتفرغ تماماً للشعر وأن يسقط عن كاهله قيود (الدبلوماسية) استقال من العمل الدبلوماسي في ربيع عام 1966 وأسس بعدها داراً للنشر في بيروت تحمل اسمه. وكان رجال الدين في سوريا قد طالبوا بطرده من الخارجية وفصله من العمل الدبلوماسي في منتصف الخمسينات في القرن الماضي بعد نشر قصيدته الشهيرة (خبز وحشيش وقمر)، وقد أحدثت هذه القصيدة ثورة ضده وصلت إلى البرلمان السوري.
عن تلك الواقعة يقول نزار نفسه: (ضربتني دمشق بالحجارة والبندورة والبيض الفاسد حين نشرتُ في عام 1954 قصيدتي (خبز وحشيش وقمر)، وكانت هذه القصيدة أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني وبين الخرافة). وقد اتسم شعر نزار السياسي بالنبرة التهكمية اللاذعة، وكان من الصعب أن يقول مثل هذا الشعر وهو في منصبه الدبلوماسي. يقول في (متى يعلنون وفاة العرب): (أحاول بالشعْرِ أن أُمسِكَ المستحيلْ/ وأزرعَ نخلا/ ولكنهم في بلادي، يقُصّون شَعْر النخيلْ/ أحاول أن أجعلَ الخيلَ أعلى صهيلا/ ولكنّ أهلَ المدينةِ يحتقرون الصهيلْ).
ويأتي تأثير نزار قباني واسع النطاق، داخليّاً وخارجيّاً، انعكاساً لإيمانه بقيمة العمل، الذي يقول عنه: (إذا كان نصف أدباء العالم قد تخرج من أكاديمية المقاهي، فإنني لم أكن من متخرّجيها. لقد كنت أؤمن بأن العمل الأدبي عمل من أعمال العبادة، له طقوسه ومراسمه وطهارته، وكان من الصعب عليَّ أن أفهم كيف يمكن أن يخرج الأدب الجادّ من نرابيش النراجيل وطقطقة أحجار النرد). لقد طلق نزار قباني إذن الدبلوماسية في مرحلة مبكرة من حياته، لكنه لم يطلق العمل، وهذا الأهم.
***
ومن المرتحلين العرب كذلك، الذين ذاع صيتهم شعراء كباراً، فضلاً عن النجاح في العمل الدبلوماسي؛ الشاعر السوداني محمد الفيتوري (1936 - 2015)، الذي حمل أيضاً الجنسية الليبية، وعمل في سفارة ليبيا. ولد الفيتوري في عام 1930، وتلقى تعليمه في الإسكندرية، ثم تخرج من كلية العلوم بجامعة الأزهر، وعمل محرراً وكاتباً بالصحف المصرية والسودانية، كما عين خبيراً إعلاميّاً بالجامعة العربية ما بين عامي 1968 و1970، وبعدها عمل مستشاراً ثقافيّاً بسفارة ليبيا في إيطاليا، ثم مستشاراً وسفيراً بسفارة ليبيا في بيروت، ثم مستشاراً سياسيّاً وإعلاميّاً بسفارة ليبيا بالمغرب.. وغيرها من الدول.
ويعد الفيتوري من رواد الحركة الشعرية الحديثة في السودان والوطن العربي، ومن أبرز دواوينه: أغاني أفريقيا 1955، عاشق من أفريقيا 1964، اذكريني يا أفريقيا 1965، أحزان أفريقيا 1966، معزوفة لدرويش متجول 1969، سولارا (مسرحية شعرية) 1970، البطل والثورة والمشنقة 1972، أقوال شاهد إثبات 1973، ابتسمي حتى تمر الخيل 1975، عصفورة الدم 1983م.. وغيرها. وقد حصل على جائزة الوسام الرفيع (وسام الفاتح) في عام 1988، وعلى جائزة الوسام الذهبي للعلوم والفنون والآداب في السودان عام 1990.
تتجلى في أشعار الفيتوري قضايا إنسانية تنال اهتمام العالم أجمع، من قبيل العنصرية وسوء معاملة الزنوج، وقد خصص الشاعر لأفريقيا دواوين كاملة، فضلاً عن اهتمامه بقضايا العروبة والقومية العربية. وقد دفعته طبيعة عمله السياسي والدبلوماسي إلى تخصيص كل قصائده لصالح أمته وهويته الأفريقية والعربية، وفي هذا الصدد يقول الفيتوري: (لم أكتب عن طفولتي وأمراضي النفسية، بل سخرت كل شعري لأمتي). ومما قاله الفيتوري في المسألة الأفريقية: (جبهة العبد ونعل السيد.. وأنين الأسود المضطهدِ/ تلك مأساة قرون غبرت.. لم أعد أقبلها لم أعدِ/ كيف يستعبد أرضي أبيض.. كيف يستعبد أمسي وغدي؟/ أنا فلاح ولي الأرض التي.. شربت تربتها من جسدي).
كذلك، لم تغب القضايا العربية والإسلامية عن الحضور بقوة في قصائد الفيتوري، الذي يمثل دولتين عربيتين في آن واحد، هما السودان وليبيا. فالرجل الدبلوماسي المحنك، والشاعر الثائر، أعلن أن ما حدث في حرب العراق (هجمة شرسة على الحضارة العربية الإسلامية وقيمها)، وربت على كتف الشهيد العراقي والعربي قائلاً له: (دعونا نعلق على مشجب الشمس أكفاننا/ ونهزّ بيارقنا/ أو دعونا نصلي/ فقد تُخْصِبُ الصلواتُ التي يبِستْ في حناجرنا/ ثم سالتْ نُعوشاً عراقيةً/ ومدائنَ مكسوةً بالحرائقِ، مزدانةً بالدماءْ/ دعونا نُغَنِّي لمن يستحق الغناءْ/ ونبكي لمن يستحِقُّ البكاءْ).
***
ومن أجيال العرب المرتحلين إلى خارج أوطانهم، الشاعر السعودي السفير الدكتور عبدالعزيز محيي الدين خوجة، المولود في مكة المكرمة في عام 1942. وقد حصل على الدكتوراه في الكيمياء العضوية من بريطانيا في عام 1970. وتدرج الدكتور خوجة في العمل الدبلوماسي حتى شغل منصب سفير السعودية في كل من تركيا وأوكرانيا وروسيا والمغرب. وقد صدرت للدكتور عبدالعزيز خوجة مجموعة من الدواوين الشعرية المهمة، من بينها: (الصهيل الحزين)، (في حضرة النور)، (الوصية)، (حلم الفراشة).. وغيرها.
من جملة آراء الدكتور خوجة، التي أدلى بها في حوارات صحفية سابقة بشأن العلاقة بين الشعر والدبلوماسية أنه (من الخطأ تصنيف الشعر في خانة المهن، فأن تكون شاعراً لا يعني أنك موظف في بلاط الشعر، فالإنسان قد يولد شاعراً، لكنه قطعيّاً لا يولد سفيراً. والشعر قد يقودك للسفارة، لكن السفارة لن تصنع منك شاعراً). كما يرى الدكتور خوجة أن العمل الدبلوماسي يتيح للشاعر اقتحام حدود جغرافية وآفاق حضارية، ويجعله يعايش عن كثب تجارب ثقافية وإنسانية مختلفة. كما يفتح أمامه أبواباً وفرصاً للالتقاء برموز سياسية وفكرية وثقافية كبيرة، ومعايشة أحداث تاريخية مهمة، وهذا كله يسهم في إثراء مخزونه الثقافي وتجربته الحياتية.
***
ومن أبرز المرتحلين سفراء للكلمة العربية كذلك، الشاعر السعودي السفير حسن عبدالله القرشي (1934 - 2004)، وتعد (البساطة) مفتاح شخصية القرشي الشاعر والإنسان والسفير، فهو يؤمن بأن البساطة تخلص بصاحبها من الظنون وتنجو به من الإسراف وتنأى به عن المشكلات، وتجعله من ثم قريباً من قلوب البشر، حميماً في علاقاته مع الآخرين.
ولد حسن عبدالله القرشي في مكة، ودرس بها في المرحلتين الابتدائية والثانوية، ثم حصل على ليسانس الآداب قسم التاريخ من جامعة الرياض. وشغل وظائف متعددة، منها عمله بوزارة المالية، وفي الإذاعة رئيساً للمذيعين، كما انتدب في الإذاعة المصرية. وعمل وزيراً مفوضاً بوزارة الخارجية السعودية، وسفيراً بالديوان العام، وسفيراً فوق العادة بالسودان وموريتانيا، كما شغل غير ذلك من المناصب الراقية، فضلاً عن عضويته بالمجامع العربية اللغوية في كل من القاهرة وعمان ودمشق.
وللشاعر القرشي حصيلة من الدواوين الشعرية، منها: الأمس الضائع، سوزان، ألحان منتحرة، النغم الأزرق، لن يضيع الغد، زحام الأشواق، رحيل القوافل الضالة، عندما يترجل الفرسان.. وغيرها. ومن كتبه النثرية: فارس بني عبس، تجربتي الشعرية، أنا والناس، أصداء من الماضي.. وكتب أخرى. كما أن لحسن عبد الله القرشي باعاً طويلاً في تمثيل بلاده في المهرجانات والمؤتمرات والمحافل الدولية والعربية، وله عدد ضخم من المحاضرات والبحوث، وحصد كلمات الثناء من أقلام نقاد ومبدعين كبار أمثال: طه حسين، أحمد حسن الزيات، محمد الفيتوري، عبدالوهاب البياتي، محمود تيمور، أحمد رامي، عبدالقادر القط.. وغيرهم، وترجمت أعماله لأكثر من لغة كالإنجليزية والفرنسية واليونانية والإيطالية والإسبانية.
تمكن القرشي من التعبير بشعره عن مكنوناته الداخلية وعذابات ذاته، فضلاً عن الهموم والقضايا القومية والعربية المشتركة، وكان يرى نفسه بالقرب من شاطئ الأحزان في معظم الأحوال، يقول في إحدى قصائده: (إني نهلت من عصارة الألم/ نهلت حتى عفني الندم/ ثملت حتى لم أعد.. أستشعر الوجود/ ولفني في ركبه الفراغ والعدم/ وجف في قيثارتي اللحن والنشيد). وتعد تجربة القرشي، على حد ما يراه الناقد عيد الحجيلي، نافذة مبكرة أطل منها الإبداع السعودي الحديث ممثلاً في الشعر على القارئ في العالم العربي، حيث إن ديوانه الأول (البسمات الملونة) من أوائل الدواوين الشعرية المطبوعة، فقد صدر في عام 1947 متزامناً مع المد التجديدي الجذري الذي طال الشعر العربي الحديث في تلك الفترة.
وقد قدم الدكتور طه حسين ديوان (الأمس الضائع) للقرشي في عام 1957 قائلاً: (هذه نسمات من الحجاز تبلغنا في مصر بعد أن طال العهد بنسيم الحجار الأدبي، واشتد الفقد له، وملك الظمأ إليه نفوسنا التي كاد يحرقها الصدى. لقد سكت الشعر الحجازي فأطال السكوت، وأسرف فيه على نفسه وعلينا، وهو الآن يؤوب بعد غيبة طويلة، وينشط بعد هدوء أوشك أن يكون خموداً).
ويشغل الشعر الوجداني الحيز الأكبر من إنتاج الشاعر القرشي، بالإضافة إلى اهتمامه الواضح بما يدور في محيطه الوطني والقومي، فالشاعر لا ينسى أنه سفير ودبلوماسي. وعن معنى الالتزام يقول الشاعر القرشي في كتابه (تجربتي الشعرية): (إنني شاعر أعيش -ما أتيح لي- هموم النفس البشرية، كما أنني شاعر أحب -ما استطعت- هموم قومي في هذا العالم المتناقض المضطرب والمغلف بالضباب، الرازح تحت كابوس الذل والنفاق والجريمة، والواقع تحت سيطرة الاستعمار والظلم والاستبداد. وما من ديوان من دواويني إلا وفيه نبض لهذه الهموم القومية المتفاقمة، ومحاولة لتحريك الطاقات الإنسانية نحو عالم أفضل، ونحو مثل عليا، كما أن ثلاثة من دواويني تكاد تكون شعراً قوميّاً محضاً).
***
ومن أجيال العرب، الذين شكلت إبداعاتهم وكلماتهم تأثيراً لافتاً في أثناء ارتحاله إلى العالم الغربي، الشاعر السوداني السفير سيد أحمد الحردلو (1940 - 2012)، وهو أيضاً أحد الدبلوماسيين البارزين. هو شاعر بدرجة ثائر، ودبلوماسي بدرجة سفير. مثّل بلاده من خلال عمله الرسمي لسنوات طويلة، بدأت بعمله في القسم الإعلامي للسفارة السودانية بلندن، واختتمت ببلوغه التقاعد وهو سفير السودان في دولة اليمن في أواخر الثمانينات من القرن العشرين.
خاض الحردلو في الحياة أكثر من معترك، وشهد أكثر من انقلاب، وذاق مرارة الاعتقال والطرد من الوظيفة أكثر من مرة، ونال حق اللجوء السياسي في فترة من الفترات. وهو يرى أن أهدأ سنوات عمره وأخصبها هي السنوات الأخيرة من حياته، حيث صار أكثر حريةً وتفرغاً للأدب، وسقطت من على كاهله أعباء الوظيفة وتبعات العمل السياسي وقيوده.
وكثير من قصائد الحردلو سياسية في طابعها، وعادة ما تأتي متفجرة بمشاعر الغضب، فهو إذا خاطب الزعماء العرب مثلاً قبيل انعقاد قمة عربية ينسى أنه دبلوماسي، فيقول: (ماذا إذن تنتظرون؟/ فإسرائيل في مجلسكم هذا على مرمى حجر/ وإسرائيل من قمتكم هذي على مرمى قرار/ فقرروا وأعلنوا ونفذوا القرار!).
ويتصور الشاعر والدبلوماسي سيد أحمد الحردلو أن الشعر يصل إلى درجة عالية من النبل والمسؤولية حينما يعبر عن قضية كبرى أو يلفت الأنظار إلى مهمة جسيمة، فالشاعر العربي مثلاً قد ينجح في إيجاد صيغة لرأي عام عربي مشترك أو كلمة عربية واحدة في لحظة تاريخية بعينها، وقد لا تنجح خطب الزعماء العرب مجتمعة في ذلك، فالكلمة الإبداعية قد تكون أبسط وأكثر تلقائية وحرية من الكلمة السياسية، وقد تكون أكثر ثورية وحدة بما لا يتسق مع طبيعة الحنكة السياسية التي تقوم على ضبط النفس ووزن العبارات.