للعرب حضور لافت في الغرب يتعاظم يوماً بعد يوم، مشكلاً تحدياً خطراً يهدد الهوية الأوروبية بالأسلمة أو (العربنة) arabisation. وهما هاجسان كان لهما الشأن الأبرز في نشأة ما سمي بـ(الإسلاموفوبيا) و(العربوفوبيا)، نسبة إلى الخوف من الإسلام والخوف من العرب. وهما مصطلحان لا يمكن الفصل بينهما من حيث بنيتهما العميقة المشتركة وأسباب ظهورهما، علاوة على أن أغلب المسلمين هم من العرب.
ورغم أن المجتمعات الغربية توصف بالانفتاح على الآخر المختلف لغة وديناً ولوناً في الظاهر، باعتبار إفادتها من مبادئ الحداثة التي أرست معالم مجتمع مفتوح يؤمن بالحرية والديمقراطية، ويؤسس للاختلاف والتنوع، ويرفض التمييز على أساس العرق والدين واللغة.. وغيرها من العناصر المشكلة للهوية؛ رغم أن المجتمعات الغربية كذلك؛ فإن الوجود العربي مثل تحدياً حقيقياً من نواح عدة، أهمها صعوبة اندماج الجاليات -والعرب أبرزها- في المجتمع الأوروبي، لأن العرب يبقون في الغالب على اتصال منتظم ومتصل ببيئة المنشأ، وهو ما يعسر عملية تبني القيم الغربية بالكامل، ويجعلهم أكثر تشبثاً بخصوصياتهم الثقافية والدينية.
فما الأسباب التي تجعل الجاليات العربية أكثر انكفاء على الذات وأشد تشبثاً بقيمها ومكوناتها؟ وما أفق/آفاق هذا الانكفاء العربي على الذات في الغرب؟ إلى أي مدى يمكن أن ينجح الغرب في دمج هذه الجالية في المجتمع الأوروبي؟ وما مدى استعداد هذه الجالية لذلك؟
ينتمي العرب والمسلمون في اللحظة الراهنة في الغالب الأعم إلى بلدان العالم الثالث الذي يعيش راهنه خارج دائرة الفعل الثقافي والسياسي والاجتماعي، مكتفياً بالاستهلاك، مقابل غرب فاعل معرفياً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ومسيطر على دوائر القرار، ومتحكم في سياساتها. هي مجتمعات متخلفة مهزوزة تعيش عقدة الاستعمار والهزيمة الحضارية والثقافية. وفي ظل العجز عن المقاومة حضارياً وعلمياً وتقنياً ومعرفياً فإنها تلجأ إلى مقاومة محرفة مغشوشة هي المقاومة هُوَوياً، وذلك من خلال مبدأين: أولهما الحط من شأن الآخر (الغرب)، وتتفيه منجزه، ونقد سلبياته والمآزق التي أوصل إليها البشرية، وثانيهما الانكفاء على الذات واعتبارها مركز التاريخ ومرجع الأخلاق والقيم والمعرفة، وتمجيدها حد اعتبارها أصلاً وأنموذجاً. يتخذ هذا التمجيد لحظتين زمنيتين لا وجود لهما الآن وهنا: الأولى واقعة في التاريخ (الأزمنة الغابرة) والثانية كائنة في مستقبل يستحيل تحققه على مدى قريب، وبين اللحظتين راهن مستحيل يجد فيه العربي نفسه على هامش التاريخ لا شيء يقدمه، وهو السبب في ظاهرة الهروب بامتطاء أحد ذينك الحدين: الماضي المجيد والمستقبل المأمول الواقع في نقطة لا أحد يعلم مدى جديتها وإمكان تحققها.
وأعتقد أن السبب النفسي الاجتماعي هو العامل الأقوى تأثيراً في ظاهرة الانكفاء على الذات التي تتجلى خصوصاً في تحويل الهوية إلى سلاح مقاومة والانحراف بها من مقوم وجود مستقل، وإثبات كينونة ذاتية؛ إلى أداة مقاومة. ويتجلى ذلك في مستويات عدة أهمها مستوى الشكل المنظور، أي كل ما يتعلق بالعادات والتقاليد والمأكل والملبس والمشرب والتدين الشكلي واللغة وغيرها من العناصر التي غالباً ما تنبع من دافع لا يصدر عن قناعات الذات بقدر ما يوجه إلى الآخر بوصفه أداة تحدٍ ووسيلة مقاومة. أما أخطر هذه المستويات فهو المستوى الوجداني الذي تمتلئ الذات بموجبه بجملة من الانفعالات إزاء ذاتها وإزاء الآخر من إحساس بالهزيمة والعبث واللاجدوى وانعدام الحيلة والعجز من ناحية، وكراهية الآخر والحقد عليه وتحميله مسؤولية التخلف الذي تعيشه الذات ووصفه بالتوحش والجبروت والطغيان وفرض نموذجه ليطغى على نماذج الآخرين الهشة. وقد وصفت المستوى الوجداني بأنه الأخطر، لأنه المرحلة التي تسبق كل أعمال العنف والتطرف والإرهاب بوصفها أعمالاً لا يمكن أن تنتج عن تفكير، وإنما هي ثمرة الكره الذي (لا يفكر) على حد عبارة المفكر الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني في كتابه الأخير (الهجرة إلى الإنسانية).
من جهة أخرى يتعامل الآخر (الغرب) مع العرب غالباً بوصفهم حداً مقابلاً للذات، أي بوصفهم الطرف النقيض في ثنائية الـ(نحن/هم) المقيتة التي تجلت واضحة في خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش غداة أحداث الحادي عشر من سبتمبر لما أعلنها صراحة: (إما أن تكون معنا أو أن تكون ضدنا)، كاشفاً عن إمكانيتي وجود لا ثالثة لهما. وهي ثنائية خانقة باتت جلية في المجتمعات الغربية طفت على الخطاب السياسي كما صارت واضحة في الخطاب الإعلامي الذي يتعامل مع العرب بوصفهم آخر لا يمكن له أن يندمج في المجتمعات الغربية لأسباب كثيرة ظاهرها اختلاف الثقافة والدين، ولكن باطنها قابع في قاع الوعي الغربي بالآخر الذي عادة ما يصور على أنه رمز للخشونة والبربرية والعنف والتخلف.
دينياً، تكشف حوارات كثيرة وتصريحات لرجال دين من مستوى عالٍ يؤكدون على أن هوية أوروبا هي المسيحية، وأن أوروبا إقليم مسيحي تكوّن أثناء مقارعته للإسلام. دافع عن هذه النظرية البابا السابق بنديكت السادس عشر بشراسة وعارض انضمام أوروبا ذات الأغلبية المسلمة إلى أوروبا للسبب ذاته. كما عبر رجال دين آخرين عن تخوفهم من تحول أوروبا عن المسيحية، واعتبروا ذلك مسألة وقت لا أكثر، بل إن تقارير عديدة دعمت هذا التوجس وأكدته بالأرقام معتبرة أن الأوروبيين سيصيرون في غضون عشر سنوات أو عشرين سنة أقلية في بلدانهم؛ لأن العرب والمسلمين في نظرهم لم يأتوا من أجل اعتناق المسيحية بل ليحولوا أوروبا عن دينها، ويحل الإسلام محل الكاثوليكية (تصريحات البابا السابق وغيره).
وقد ساهم هذا العامل في تنامي ظاهرتي الإسلاموفوبيا والعربوفوبيا، وتحولت قضية الأقليات العربية في الغرب إلى ملف سياسي تكونت على أساسه أحزاب وحركات سياسية أهمها حركة «بيغيدا» (وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب) الألمانية المعادية للإسلام. ثم إن الظاهرتين كونتا سردية غربية معاصرة معتمدة في الخطاب الإعلامي والسياسي، كما أن لها مفعولها في مستوى التعايش الاجتماعي بين العرب والغرب، لأسباب تتجاوز مجرد ارتباط اسم الإسلام بالإرهاب والتفجيرات وكل العمليات الإرهابية المتنوعة (التفجير، الدهس)؛ إلى أبعاد اقتصادية، لأن المهاجرين هم قوة عمل من شأنها الترفيع في الناتج المحلي للدول المحتضنة، كما أنهم عامل مرونة في سوق العمل. ثم إن دولاً غربية كثيرة تعاني من مشكلة التهرم السكاني، وتسجل نقصاً حاداً في اليد العاملة النشيطة مقابل تدني نسبة الولادات كما في ألمانيا مثلاً. ثم إن المهاجرين يساهمون بقوة في نمو الاقتصاد في بلدان غربية عديدة، ويمثلون عاملاً مهماً في اعتدال الضرائب كما في بريطانيا، حيث كشفت دراسة أعدها (المركز الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية)، أن خفض عدد المهاجرين ستكون له آثار سلبية أهمها ارتفاع الضرائب والانخفاض الكبير في النمو الاقتصادي على المدى البعيد.
تتضافر العوامل السابقة غالباً لتعزيز مبدإ الانكفاء على الذات والتقوقع على خصوصيات الجالية العربية في الغرب، خصوصاً تلك التي ولدت فيه وشبت وترعرعت بين أحضانه، فتراها واقفة في (منزلة بين المنزلتين)، لا هي عربية خالصة ولا هي تحقق اندماجاً تاماً. ومن ثم تنشأ هوية ثالثة تجمع بين هوية المنشأ والمولد وهوية مكتسبة في جزء منها من الغرب، هوية قلقة متأثرة بالغرب -قد يكون تأثراً إيجابياً بالأخذ منه أو تأثراً سلبياً إما برفضه أو مقاومته أو مهاجمته- لكنها تحتفظ في اللاوعي بعناصرها المكونة لها، عاجزة عن محو الذات والقطع معها من ناحية، وهي عن الاندماج في الهوية الجديدة أشد عجزاً للعوامل التي ذكرناها.
إنها هوية متوترة قلقة رافضة تتطلب غرباً أكثر انفتاحاً على الآخر وأكثر تسامحاً مع معتقداته وعاداته وتقاليده وطباعه وأحلامه وآماله، وهذا ما لا نرى له أثراً كبيراً، لأن الغرب مازال واقعاً تحت صدمة الرعب والخوف، ويتعامل مع العربي بوصفه مجرماً وإرهابياً محتملاً حتى يثبت العكس.