مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

عرب فرنسا بين الانتماء والانبتات

بعد أكثر من نصف قرن من حركة الهجرة بين بلدان الحوض المتوسطي، وبخاصة منها دول المغرب العربي وفرنسا، يبدو جلياً أن هناك تحولاً على مستوى الهوية. لئن كانت الهوية مجموعة من السمات والخصائص التي توحد بين أفراد مجموعة معينة، فتغلب مؤشرات التماهي على مؤشرات الاختلاف، وبذلك يتولد الشعور بالانتماء متعدد الأبعاد؛ فإن الجالية العربية في أوروبا وفرنسا خاصة؛ تطرح مشكلة الهوية بين الانتماء والانبتات في علاقة اتصال وانفصال بين البلد الأصل والبلد البديل. مرت الهجرة العربية في فرنسا بمراحل مختلفة، حيث كان الأمر في بداياته مقتصراً على الرجل الذي يفد على فرنسا طلباً للرزق، ولا يطرح بحال من الأحوال أية تداعيات في مفهوم الانتماء، فهو يحمل هويته معه، ولا يتخيل عنها بديلاً. جيل كامل من المهاجرين العزاب كما يسمونهم في فرنسا، كانت إقامتهم اقتصادية بالأساس، وبالتالي لا تشكل خطراً على البلد المستضيف، كما لا تشكل قلقاً للبلد الأصلي. مع تطور السياسة الأسرية، واحتياج فرنسا لنمو ديموغرافي لتشبيب مجتمع تعد نسبة الكهول فيه كبيرة في مقابل تراجع الولادات، بحكم خروج المرأة إلى العمل؛ تحولت الهجرة من هجرة الرجال العزاب إلى هجرة عائلية انتفاعاً بسياسة الإلحاق العائلي التي أقرتها حكومة الرئيس الأسبق فاليري جيسكار دي ستان في أواخر سبعينات القرن الماضي. أحدثت هذه السياسة تحولاً ديموغرافياً في فرنسا، حيث تغيرت معطيات اقتصادية واجتماعية، لعل أبرزها ظهور الأحياء الشعبية ذات العمارات الشاهقة، حيث يتكدس العرب في رقعة جغرافية محددة على مشارف المدن الكبرى. أما في البلدان الأصلية فقد ظهرت دواوين العاملين بالخارج، التي ستعمل على تحسين الخدمات لهذه الفئة التي أصبح وزنها الاقتصادي يفرض على الدولة الأم أخذ احتياجاتها بعين الاعتبار. هكذا تحولت بنية الأسرة العربية في فرنسا، وأصبحت مكونة من: جيل الأبوين الذي يحمل هويته دونما نقصان، بحيث ظل شعوره بالانتماء مقتصراً على وطنه الأصلي، وبه نفسر حركة السفر الموسمي صيفاً وقضاء عطلة الصيف، وهي أطول العطل المدرسية في أحضان الوطن الأم والأسرة الموسعة؛ وجيل جديد يحمل انتماء والديه، يتكلم العربية، وهو واع بوضعه مهاجراً تابعاً للأبوين المهاجرين. هذا الجيل لم يكن ليطرح قضية الانتماء لولا أحداث أكتوبر 1983، حيث انطلقت حركة الاحتجاج الأولى من نوعها تحت مسمى (مسيرة العدالة ضد الميز العنصري). في هذه الفترة وعى جيل كامل هشاشة هذه الهوية، جيل يحمل هوية رسمية تصله بالبلد الأصلي وهوية ثقافية تفصله عنه وتربطه بالبلد المضيف، وكان من نتائجها جيل متشظٍ ضاع أغلبه في مسارب الجريمة، ونجحت أقلية منه في السير على منوال الوالدين كعمال. إذ كان المستوى التعليمي متدنياً، بحيث لا يسمح بنيل شهادات عليا. مع بوارق الجيل الثاني تغيرت مرة أخرى بنية الأسرة العربية بدخول العنصر الفرنسي بفعل الزواج المختلط، الذي واجه رفضاً من الجهتين في بدايات الثمانينات، قبل أن يصبح حقيقة لا مفر منها، ويثمر عن جيل جديد من أبناء المهاجرين. هذا الجيل الجديد سيكون بمثابة المحرك لمسألة الهوية اتصالاً وانفصالاً، جيل تتقلص معه مقومات الانتماء إلى البلد الأصلي، فلم يعد التاريخ ولا اللغة ولا الوطن من عوامل الهوية والانتماء، ويُطلق عليه في البلدان الأصلية تعريف (الزميقري، عرب فرنسا، جماعة سافيريان ça fait rien)، ولم يكتسب بعد كل مقومات الانتماء إلى الوطن البديل بخلاف اللغة والانتماء للجغرافيا. هذا الجيل أفرز وعياً جديداً وسمات جديدة، وخلق هوية ثالثة بين الأصلي والمكتسب. كانت عوامل كثيرة تفصلهم عن البلدين، وكان الانتماء منقوصاً للبلد الأصل الذي لم يعد إلا فكرة مقدسة يحييها الآباء والأجداد أحياناً، وبقي البلد البديل يوتوبيا يقبلهم إلى حد ما، ويرفضهم في الوقت نفسه، ذلك أنهم وإن حمل أغلبهم الجنسية الفرنسية التي تكتسب بمجرد الولادة على التراب الفرنسي إلا أن شعور الانتماء ظل هشاً، وبقي عرب فرنسا كبارهم وصغارهم منغلقين على ذواتهم، محتفظين بهوية الأجداد، ولم يندمجوا اندماجاً كاملاً في البلد البديل، كما حصل مع المهاجرين الوافدين من إيطاليا والبرتغال.. وغيرها من الدول الأوروبية. هذا الجيل خلق لغته الخاصة به، ومشاغله الخاصة أيضاً. وكانت حركته الاحتجاجية تطالب بمزيد من الاعتراف بهم كقوة فاعلة في المجتمع الفرنسي الذي لم يكن يخفي ضبابية في التعامل مع هؤلاء الذين يختلفون عن الفرنسي الأصل في الهوية العرقية، ولكنه يشبهه في اللغة ويتقاسم معه التراب والأوراق الرسمية.
بدأت بوادر الأزمة الهوياتية تتعمق، فهذا الجيل لا ينتمي إلى بلد الآباء والأجداد لغة وتاريخاً، وهو في الوقت نفسه لا يشعر بالقبول والانتماء للوطن البديل. هذا الجيل طرح قضية التحولات الجذرية على مستوى الهوية، فانقسم إلى شقين: شق انطوى على نفسه واستبدل الهوية بهوية دينية يعبرون عنها بلباس معين وسلوك معين؛ وشق منهم لا يواري تحيزه لانتمائه للبلد البديل. ومن هنا صار مصطلح البلد البديل يتقلص ويحل محله البلد الأم واللغة الأم، كيف لا، وقد ولدوا في فرنسا.
اليوم، وبعد أجيال من الوجود العربي في فرنسا؛ يصبح العرب والمسلمون قوة اقتصادية واجتماعية ثقافية هائلة في فرنسا، إذ يمثلون قرابة ربع السكان حسب الإحصاءات في السنوات الأخيرة، أسهموا في تغيير سياسة الدولة الفرنسية، وفرضوا وجودهم في مجالات حيوية عدة، وارتقى بعضهم إلى مناصب القيادة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، مما أسهم بالمقابل في تطور سياسة اليمين المتطرف الذي تحركه عوامل خوف من المد العربي في فرنسا. وكذلك ساهموا في بث الوعي في البلدان التي إليها ينتمي الآباء والأجداد. أما على مستوى السياسىة الفرنسية الخارجية فتأثير الجالية العربية عليها يبقى هامشياً على عكس اللوبي اليهودي مثلاً، إذ يشكل بترابطه وتنظيماته وأهدافه المدروسة قوة تمارس ضغطاً على سياسة فرنسا الخارجية. ويعود ذلك إلى تفتت أواصر الترابط بين أعضاء الجالية وأبنائها، وغياب إستراتيجية سياسية وثقافية تجعل منهم كتلة ذات وزن على سياسة فرنسا الخارجية. إذ انشغل البعض في تكريس الهوية الدينية رفضاً للهوية الفرنسية وللهوية الأصلية في ذات الوقت، وهي نتيجة حتمية للتعويض عن فقر الانتماء لهوية وطنية قائمة على التاريخ واللغة والرقعة الجغرافية مما لا يجدونه مع الوطن الأصلي ولا البديل، وبعضهم انشغل بتكريس الهوية الفرنسية تحقيقاً لمصالحة مع الذات، تقر بأن ما يجمع الجيل الأول بالوطن الأم هو ما يجمع الجيل الثالث مع البلد البديل. علماً أن نسبة نجاح الشق الثاني أكبر بكثير من الشق الأول، لأن هؤلاء سيكونون محركاً ذا وزن على السياسة المستقبلية لفرنسا. عرب فرنسا يدخلون مرحلة وعي جديد بذواتهم بعد أن تعلقوا بحبال هوية وهمية بين الأصلي والمكتسب، كانت عائقاً في سبيل تطورهم ذاتياً واجتماعياً، أصبح السواد الأعظم منهم نحو منحى الجاليات الإيطالية والبرتغالية واليهودية في تحقيق الاندماج؛ لأنه لا خيار.
ذو صلة