مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

العقل العربي بين التقليد والاستلاب

الهجرة أمر طبيعي في حياة البشر، فمنذ أقدم العصور تعددت الهجرات وتنوعت لأسباب عديدة، كالبحث عن الماء والكلأ، والفرار من ويلات الحروب، وآثار الصراع بين الشعوب.. وغير ذلك، وحتى الأنبياء اضطروا للخروج من ديارهم وأهليهم، باحثين عن مأمن لهم مما لحق بهم من ضيم وظلم، فالنبي يوسف -عليه السلام- كاد له إخوته وأبعدوه عن أبيه، فعاش في كنف عزيز مصر، والنبي موسى -عليه السلام- عاش في كنف فرعون مصر، ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- أجبر لمغادرة موطنه مكة المكرمة، للعيش في يثرب (المدينة المنورة) هرباً من ظلم قبيلته، ومحاولة بطشها به، وإخماد دعوته، وكل هؤلاء الأنبياء، فضلوا البقاء في الأماكن الجديدة التي هاجروا إليها بدلاً من مواطنهم الأصلية، حتى عندما تسنى لهم الرجوع.
وفي العصر الحديث توالت الهجرات العربية إلى الغرب، ولاسيما من قبل رواد النهضة في مصر ولبنان، الذين هاجروا إلى الدول الأوربية فتعلموا وعادوا إلى دولهم وأفادوا، وأسهموا في خروج بلدانهم وبعض البلدان العربية الأخرى من ظلام الاستعمار التركي الذي حجر عقول العرب، وجعلهم يعيشون في تخلف اجتماعي وثقافي، ما زالت آثاره جاثمة على العقل العربي إلى يومنا هذا.
وحينما تحررت الدول العربية من الاستعمار الغربي، بعد منتصف القرن العشرين، ونشأت الدويلات العربية الحديثة، التي حاولت اللحاق بركب الحضارة الغربية المبهرة، زادت هجرة العرب إلى الدول الغربية وإلى شتى مناحي الأرض، بحثاً عن التعليم، وسبل العيش الأفضل، ولا ننكر هنا أن الدول العربية استفادت بإرسال الطلاب للتحصيل العلمي في مختلف حقول المعرفة، فتكونت كوادر علمية في الجامعات والمستشفيات والمرافق الخدمية والتعليمية كافة، ولكن في الوقت ذاته هاجرت كثير من العقول العربية، وأفادت الدول المهاجرة إليها، ولم تفد بلدانها الأصلية، نتيجة لما وجدته من سبل العيش غير المتاحة في مواطنها.
وقد تنبهت الدول الغربية الاستعمارية الكبرى إلى استقرار الدول العربية، وسيرها في ركب الحضارة، وإن كان بصورة بطيئة، ورصدت تنامي الاقتصاد في بعض الدول العربية، فاصطنعت ما يسمى بالربيع العربي الذي حولت به كثيراً من الدول العربية، كتونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والعراق.. وغيرها إل براكين لا تخمد، الأمر الذي زاد في تشجيع الكوادر العلمية والعقول النيرة على الهجرة، والفرار من جحيم دولهم العربية، إلى جنة الغرب، حيث الاستقرار والنظام والقانون والحريات واحترام حقوق الإنسان والمغريات المالية والرفاهية، وغير ذلك.
وربما ينبغي ألا نعمم هنا، فهذا الكلام ينسحب على كثير من البلدان العربية الفقيرة، كمصر وتونس والمغرب، والمضطربة كليبيا والعراق وسوريا، ولكن هناك دول عربية استطاعت أن تنافس الدول الغربية في هجرة الناس إليها، وليس العكس، إي في استقطاب العقول والكوادر البشرية، لا هجرتها، كدول الخليج، ولاسيما الإمارات العربية المتحدة، التي صارت محط أنظار المشاهير من اللاعبين والفنانين من مختلف أنحاء العالم.
وإذا ما عرجنا على الحديث عن التأثر والتأثير لأجيال العرب في الغرب، لوجدناه سلبياً، فهو تأثر لا تأثير، فالإنسان العربي يتأثر بكل الثقافات التي حوله، ولا يؤثر فيمن حوله، كما أن من هاجر استعذب الحياة هناك، وتخلى عن عاداته وتقاليده، واندمج في حياة تلك المجتمعات وثقافاتها، وإن حافظ على شيء، فربما يحافظ على طقوس دينه، إن كان ملتزماً دينياً، فهو يتزوج من الأجنبية فينجب أطفالاً لا يجيدون حتى الحديث باللغة العربية، التي هي وعاء الثقافة، فهم عرب بالأصل والدم فقط، أما باللغة والعادات والتقاليد فهم غربيون، وإذا ما رجعوا إلى بلدانهم الأصلية وشاهدوا الفوارق الشاسعة في الحياة، فلن يترددوا في الرغبة بالعودة إلى المكان الذي جاؤوا منه، وعلى وجه السرعة، ولاسيما في هذه الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية القاهرة.
ويبدو أن التكوين الاجتماعي والثقافي للإنسان العربي هش، بحيث يجعله يتأثر بسرعة بما حوله، ولا يؤثر في غيره، فعندما تزور دبي مثلاً تجد كل الناس تتكلم الإنجليزية، حتى كأنها تحولت إلى دولة غربية، فلم يؤثر العربي في دبي فيمن هاجر إليه، بل تأثر به، فما بالك بالإنسان العربي الذي يهاجر إلى أوروبا مثلاً فهو سيتأثر بالحياة من حوله ولم يؤثر في تلك المجتمعات بنشر ثقافته، وكل هذا يضعنا أمام تساؤلات عديدة عن فكر الإنسان العربي وتكوينه العقلي والثقافي؟
ذو صلة