مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

أمن الحرم في صور شعرية

ينقل الكاتب روبرت بيانكي في مؤلفه (ضيوف الرحمن الحج والسياسة في العالم الإسلامي) عن عالم بريطاني اسمه فيكتور تيرنر إعجاباً وافتتاناً بتنظيم الحج، إذ يرى فيه أرقى مثال لتنظيم الاجتماع الإنساني، ويصفه بما يسميه البنية التشاركية.
والتنظيم الإداري وجه واحد في مثالات الحج التي تُحتذى ويُنسج على منوالها. ولا غرو فقد حبا الله هذه الشعيرة العظيمة بأن تكون مثالاً لكثير من مناشط الإنسان، وحسبنا ما نراه من أنموذج الرعاية الأمنية في الديار المقدسة.
والأمن في حرم الله مضرب المثل حتى قيل: (آمنُ من حمام الحرم). ولم يكن ذلك إلا لأن الله تعالى هو من تكفل بأمن الحرم، وهو القائل سبحانه: (أَوَلَم يَرَوا أَنَّا جَعَلنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِن حَولِهِم). وارتفع صون الأمن في الحرم إلى مرتبة الفرائض والواجبات.. (لا يُعضد شوكه ولا ينفَّر صيده ولا يلتقط إلا من عرفها ولا يُختلى خلاها) كما جاء في حديث الإمام مسلم.
والأمن أساس لاستقامة الحياة ولأداء العبادة في طمأنينة ويسر. يؤثر عن أبي حامد الغزالي قوله: إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، فنظام الدين بالمعرفة والعبادة لا يُتوصل إليهما إلا بصحة البدن، وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن. فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية، وإلا فمن كان في جميع أوقاته مستغرقاً بحراسة نفسه من سيوف الظلمة، وطلب قوته من وجوه الغلبة، متى يتفرغ للعلم والعمل، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة؟!
بهذا الحس الرفيع من التقديس يتعامل المسلمون مع شعائر الله فيعظمونها، ومع بيئة مكة، فيحافظون عليها. قرأنا في بعض الصحف كيف أن حاجاً ماليزياً أعاد حجراً صغيراً من بقايا الحصى التي رمى بها الجمرات، فقد اكتشف بعد وصوله إلى وطنه وجود هذا الحجر في حقيبته فاجتهد لإعادته مرة أخرى إلى مزدلفة، فأحضر علبة زجاج صغيرة ذات قيمة ونظَّف الحجر وعطَّره ووضعه داخل العلبة ثم كتب رسالة إلى مدير بريد العاصمة المقدسة وأرفقها بمبلغ عشرة ريالات وطلب من مدير البريد أن يدفعها لسائق سيارة أجرة لإعادة الحجر إلى مكانه. وقام مدير بريد العاصمة المقدسة بإيصال الأمانة (الحجر) إلى مزدلفة بنفسه، وكتب رسالة بذلك للحاج وأعاد إليه الريالات العشرة ومعها مصحف ومسبحة.
لقد حظي الحرم وما يتميز به من أمن وسلام باهتمام الشعراء، حتى إن الواحد منهم ليفاضل بين بلده وبين مكة فيجد البون شاسعاً والفرق واسعاً، فهذا عبدالرحيم البرعي اليماني يقول:
ما كان حجة من أَقام بِمَكَّة
أَن لا يحدثني حَديث سعاد
بعثت إِليَّ من الحجاز خَيالها
شتان بين بلادها وَبلادي
وصورة واضحة عند الزمخشري حين انتقل من مكة إلى بلده خوارزم، فتحسَّر على أيامه في مكة:
أأبتاع بالفوز الشقاوة خاسراً
وأستبدل الدنيا الدنية بالأخرى
إذا خطرت بالبال ذكرى إناختي
على حرم الله استفزتنيَ الذكرى
أكابد ليلاً كالليالي وحسرة
ودمعاً غزير المستقى غائر المجرى
وأدعو إلى السلوان قلباً جوابه
لداعِيه مهراق من المقلة العَبرى
وما عذر مطروح بمكة رحله
على غير بؤس لا يجوع ولا يعرى
يسافر عنها يبتغي بدلاً بها    
وحقِّك لا عذرا وربِّك لا عذرا
والقصيدة مطلعها:
هو النفس الصعَّاد من كبد حرَّى    
إلى أن أرى أم القرى مرة أخرى
وفيها أبيات نفيسات جداً:
سريت بشخصي لا بقلبي وهمتي
وهيهات ما للأخشبين وللمسرى
منيخان بالبطحاء ما ذرَّ شارق
مقيمان عند البيت ما ولَّت الشعرى
عكوفهما في عاكفي البيت واصبٌ
طوافهما بالطائفين بها يترى
وما جاوزت بي أرض مكة أينقي
وقد لجَّ بي جهد الصبابة واستشرى
ويحق للشاعر الزمخشري أن يتساءل متعجباً عن عذر من يغادر مكة حيث تأمنت أسباب حياته فيها، غذاؤه وكساؤه، فهو على غير بؤس لا يجوع ولا يعرى، أطعمه الله من جوع وآمنه من خوف.
مكة في عيون هؤلاء الشعراء مكان اعتدال الحياة، وهي واحة الأمن والسلام، حيث تُدثر السكينة شعابها وجبالها، أو كما يقول الشاعر السوداني مصطفى سند في قصيدته (حوارية حب لمكة المكرمة):
الآن تعتنق النفوسُ ربيعَها ويهوّم الإيمانْ
الآن يشرق في سلام الله
أمر الله بالمعروف والإحسانْ
الآن تحتشد العذوبة في دماءِ الكون
يرحل آخِر الأحزانْ
الآن تعتدل الحياة وينتمي لمصيره الإنسان
أما الشاعر السعودي محمد بن علي السنوسي فهو يصف السلام والأمن والطمأنينة التي يحوزها الحجاج والعمار في الحرم الشريف، فالمناسبة التي ينشد فيها شعره هي مناسبة الحج يوم عرفة، وهو:
حجٌ كما شاءت نفوس الورى
مبرأٌ من كل عيبٍ وذامْ
في كل شبر من رحاب الهدى
يرفرف الأمن ويجري النظامْ
إنه (اليوم الخالد) يوم عرفة وبه يسمي قصيدته التي ألقاها أمام الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله:
في مثل هذا اليوم من كل عامْ
يزدهي الحِجْرُ ويزهو المقامْ
مقام إبراهيم سامي الخطى
وحجر إسماعيل نعم الغلامْ
وتسبح الأرواح رفافة
أطيافُها مثل رفيف الحمامْ
وتلتقي الدنيا بأجناسها
في (وحدة) رائعة وانسجامْ
من كل فج أقبلوا حُسَّراً
شوقاً إلى البيت العتيق الحرامْ
كالسيل فاضوا وأفاضوا به
وانسكبوا بين الذرى والخيامْ
تستبق الخطو إلى ساحة
مشى (ابنُ عبدالله) فيها وقامْ
حيث اعتلى الهادي سَرَى ناقة
يمد آناً ويشدُّ الخطام
مُبلِّغاً عن ربه آية
جاء بها جبريل مسك الختامْ
(اليوم أكملت لكم دينكم)
وتمت النعمة فيكم تمام
وهذه صورة أخرى عن الشاعر الهندي محمد إقبال الذي عاش يحن إلى مكة، وهو الذي لم يحج ولم يعتمر ولم ير الديار المقدسة إلا بعين خياله الشعري، حتى إذا ما دنا الأجل تمنى أن يكون موته في الحجاز:
يا رحيماً بك للناس مفاز
كل ما أبغيه موتي بالحجاز
دار حبي ومليكي والسكن
أيها العشاق ذا نعم الوطن
كوكبي أطلِعْه بالسعد غدا
في ظلال الدار هب لي مرقدا
ليرى الراحة قلبي القلق
ويرى الهدأة هذا الزئبق
أيها الدهر انظرن هذا السلام
قد رأيت البدء فانظر ما الختام
إن الشاعر إقبال يتطلع للراحة والسكن والهدأة والسلام، ولا يجد قلبُه كل ذلك إلا في الحرم.
وإن يكن الشاعر إقبال قد حُرم من أمن الحرم، فإن ابن رشيد البغدادي قد نال أمان الله بالدخول إلى البيت الحرام:
ونِلنا أمان الله عند دخولِه
كذا أخبر القرآنُ فيما قرأناه
فيا منزلاً قد كان أبركَ منزلٍ
نزلناه في الدنيا وبيتاً حججناه
ترى حجةً أخرى إليه ودخلةً
وهذا على درب الورى نتمناه
فإخواننا ما كان أحلى دخولنا
إليه ولَبْثاً في ذراه لبثناه
وهناك من الشعراء من حرموا الوصول إلى البيت الحرام بسبب من انفراط الأمن في الطريق وانقطاع السبل، وكلما شطَّت الديار بالشعراء عن البلد الحرام، ازداد حنينهم وأنينهم، لذا كان أهل الأندلس والمغرب الأقصى أشد الشعراء شوقاً ولاسيما حينما انقطعت بهم السبل بسبب الحروب والاضطرابات. ولذلك صاغوا مواجيدهم في رسائل نثر وشعر يعبرون فيها عن حسرتهم ولهفتهم. وهذا لسان الدين بن الخطيب كتب عن السلطان أبي الحجاج يوسف بن نصر إلى سيد العالمين صلى الله عليه وسلم يعتذر عن السفر إلى الحج لوجود الجلالقة والروم في طريق الحج.
إذا فاتني ظلُّ الحمى ونعيمُه
فحسبُ فؤادي أن يَهُبَّ نسيمُه
ويقنعني أنِّي به متكنف
فزمزمُه دمعي، وجسمي حطيمُه
يعود فؤادي ذكر من سكن الغضا
فيُقْعِدُهُ فوق الغضا ويقيمه
ولَمْ أرَ شيْئاً كالنسيم إذا سرى
شفى سَقَمَ القلب المشوق سقيمهُ
نعللُ بالتذكار نفساً مشوقة
ندير عليها كأسَهُ ونُديمُهُ
عدتني بأقصى الغرب عن تربِك العِدا
جلالقة الثغر الغريب ورومه
يحكي ابن الجزري (ت 833هـ) في آخر منظومته المشهورة متن الدرة المضية في القراءات كيف أن لصوصاً تعرضوا له في الطريق إلى الحج وصدُّوه عن البيت الحرام، ويقول:
غريبة أوطان بنجد نظمتها
وعظم اشتغال البال وافٍ وكيف لا
صُددت عن البيت الحرام وزوريَ
المقام الشريف المصطفى أشرف الملا
وطوقني الأعراب بالليل غفلة
وما تركوا شيئاً وكدت لأقتلا
فأدركني اللطف الخفي وردني
عُنيزةَ حتى جاءني من تكفلا
بحملي وإيصالي لطيبة آمناً
فيا رب بلغني مرادي وسهلا
ومُنَّ بجمع الشمل واغفر ذنوبنا
وصلِّ على خير الأنام ومن تلا
وفي سنوات سبقت رفع لواء التوحيد ونشر لواء الأمن والاستقرار في هذه الديار على يد الملك عبدالعزيز بن سعود -يرحمه الله-، شهدت طرق الحج ما يعكر صفو الأمن والسلامة، بل إن الحرم نفسه شهد اضطرابات حتى ضجَّ الحجيج والزوار بما لاقوه من عنت وصعوبة. وكتب الشاعر المصري أحمد شوقي عام 1909م قصيدة تقول في مطلعها:
ضَجَّ الحِجازُ وضجَّ البيتُ والحَرمُ
واسْتصرَخَتْ ربَّها في مكَّةَ الأُمَمُ
قَدْ مسَّها في حماكَ الضُّر فاقضِ لها
خليفة اللّهِ أنتَ السيِّدُ الحَكَمُ
ومنها إشارة أحمد شوقي إلى انعدام الأمن في الطريق، إذ يخاطب الخليفة العثماني عبدالحميد المرهق بتفكُّك الدولة العثمانية بعد قرون من العزَّة والمنعة والقوَّة:
خليفةَ اللهِ شكوى المسلمين رَقَتْ
لسدَّة الله هلْ تَرْقَى لكَ الكَلِمُ
الحجُّ ركنٌ من الإسلام تُكْبرهُ
واليومَ يُوشكُ هذا الرُّكنُ يَنْهدِمُ
عزَّ السبيلُ إلى طَهَ وتُرْبتِهِ
فَمَنْ أرادَ سبيلاً فالطَّريقُ دَمُ
رجعنَ ثَكْلى أيَامَى بعد ما أخذتْ
مِنْ حَوْلهن النَّوى والأينُقُ الرُّسمُ
حُرِمنَ أنوار خيرِ الخلقِ مِن كَثَبٍ
فدمعهنَّ مِن الحِرمانِ مُنْسجمُ
أرى صغائرَ في الإسلامِ فاشية
تودي بأيسرها الدولاتُ والأُممُ
وتفيض القصيدة بعواطف متأججة إزاء مهوى أفئدة المسلمين وقبلتهم، فكأن الشاعر كان يستشرف الأفق لما هو قادم من حوادث الأيام، فلم تمض غير سنوات قليلة حتى قيَّض الله ملوك المملكة العربية السعودية ليكونوا في خدمة الحرمين الشريفين وتأمين السبل إليها وإشاعة الأمن والاستقرار في ربوعها.
ذو صلة