من اللحظة الأولى ما بعد الموت، تومض بداية حياة أخرى في الذاكرة لا تنتهي إلا عند موت الذاكرة.
طالما هناك عزلة هناك حياة غير مرئية، فالعزلة ليس أن تفارق الأشياء أو الحياة!
العزلة أن تظل بمنأى عنها وأنت على قيد الشعور بها. أن تخوض غمار الحياة من وراء حصانة العزلة وسياج الصمت.
جميل أن ترى الأشياء في قاع العزلة، وترصدها بعين الذاكرة.
وأن تتضح لك الرؤية بالنظر إليها ثانية من نوافذ الذاكرة.
فتتعرف إلى المواقف والأمكنة والمشاعر عن كثب وبنضج حين تصادفها في المستقبل.
أن تكون الأشياء لك مرئية في الداخل وأنت في خضم الزحام.
طالما هناك ذاكرة تملأ العزلة، سنظل نرى كل ما غاب، ولن تموت الأشياء عند توقف حركة الحياة فيها.
سيرسم الحنين كل ما لم يعد مرئياً.
سيترك هناك في أقصى الذاكرة إطاراً فارغاً، بورتيرية لمشهد محتمل وغير متاح للرؤية في اللحظة الراهنة لتملأ تفاصيله المصادفة!
حين تضعك وجهاً لوجه مع طيف غائب، أو عطر راحل أو نظرة موادع، أو ضحكة عائد، سيجرك الحنين لتقف أمام الإطار، وتمسك جيداً بأطراف اللوعة، وتكشط ما وراء الرؤية، لتتضح اللحظات الغابرة، وتظرم فيها الحياة،
لكن حينها، ما كان حتى وإن بات مرئياً، فلن يكون حياً إلا في ذاكرة الشعور!
رؤية تفاصيل الفقد واضحة في ذاكرة النبض أشد موتاً من الموت.
رؤية تفاصيل الحياة نابضة في ذاكرة الشعور أكثر حياة من الحياة.
مؤسف أن يترك الحب تحت غبار اللااهتمام والمكابرة، لا ينفضه عنها إلا غبار الندم.
أن تصم الحواس عن نداءات المحبين حولنا، نمر بصمتهم ونتخطى عزلتهم، بلا مبالاة! دون انتباهة لتلويحة مبادرة أو إيماءة ممتنة، نتجاهل محاولاتهم المحدودة، لصنع فرحاً قد يبدو صغيراً غير مرئي! لكنه كان بالنسبة إليه واضحاً كثيراً فسيحاً كأنه كل الحياة.
كأن يبعث لك قبلة على هيئة علبة حلوى، فتتجاهل وضعها على مائدة فرحك! أو أن يقدم لك كتاب فتهرب حروف اهداءك وتنسكب على صفحات الاهمال أعذاراً واهية.. تنتظر وتنتظر هل تراه مرئياً؟!
توقي لردة فعل تنتظر حتى تذبل ابتسامة انتظرت فرحاً، فارتسمت خيبة! فتمضي اللحظة غير مرئية بصمت. لا تعاتب لا تخاصم. تظل تتقدم نحو ضوء المغفرة. لعل قلبها يُرى يوماً. ويمنح من الحياة كل الحياة. بل صدق الحياة.
سنظل نتجاهل الحقيقي اللامرئي حتى يبهت تحت سطوة الأضواء المتملقة.
وحين ينادي المنادي أن حان الرحيل! سنلتفت لذاك الضوء الخافت النابع من جذوة نبض صادق لنجدة ثقب عظيم من العزلة. حينها لا مزيد من الملامح لا مزيد من ستنطفئ الرؤية.
ولا شيء حينها سوى ذاكرة متلاشية على جدران العزلة. خلف أسوار الحياة!