حين كنت أقطن في إحدى شقق عمارات مدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، حين كان عملي هناك، قبل نحو 15 عاماً تقريباً، كنت أتردد على المسجد في الحارة لأداء صلاة الجمعة، وبجانبي يرتاد المسجد دائماً شخص ذو وقار يصلي على كرسي ثابت، ويحتل الصفوف الأولى من المسجد، نظراً لوضعه الصحي، وليس بسبب تقدمه بالسن، لأنه يتحلى بهيكل جسماني أنيق واستقامة باسقة ووقار مهاب ومهذب وهندامه يتسم بالأناقة، وذات يوم حين أقام الإمام الصلاة، واستوينا واصطفينا للصلاة قبل (وقوع الجائحة طبعاً)، وقف خلف الشخص المعني مدار البحث في هذا الموضوع، شاب عربي غير مهتم بهندامه، ويبدو أنه يعمل عملاً بسيطاً من خلال مشهده وملابسه، فقال للمصلي صاحب الكرسي، أبعد أكثر لأن كرسيك يضايقني، فرد عليه يا بني، أنا لا أستطيع الصلاة على الأرض من دون كرسي، فرد عليه: (تصطفل)، وهي كلمة شامية ويبدو أن الوزير امتعض وغضب منزعجاً لعدم احترام وتقدير الشاب لوضعه الصحي، وحذف الكرسي على طول يده خلف المصلين، وصلى مجبراً على الأرض رغم القسوة والوقع والضرر عليه، وعندما انتهينا من الصلاة، لفت انتباهي تصرفه، تمعنت جيداً بملامح وجهه وشكله، فعرفت أنه شخصية عربية مهمة معروفة، سبق وأن تسلم أكثر من حقيبة وزارية مرموقة في بلده العربي، وكان كثير الظهور في وسائل الإعلام، فقلت للشاب الذي اعترض على كرسي الصلاة، هذا معالي البروفيسور المعروف، عالم الذرة و وزير الصناعة، ووزير التعليم العالي، ووزير الإعلام في بلده المحتل الذي تدمر، وكان مهاباً، فرد بعذر أقبح من ذنبه، بقوله: (لا يهمني)!
أما الوزير فقال بصوت هادئ جداً، ما دام أنك عرفتني يا أخي، فهذا لا يهمه الأمر ولا يلام أبداً بتصرفه نحوي، ولكن نلوم الجندي الغازي الزنجي الأجنبي الذي كسر ظهري متعمداً، حين كان كل ساعتين في آخر الليل يأتيني بالمعتقل، ويقف ويجلس على ظهري متعمداً، وأنا أتألم من هول القسوة، وحين قلت له لماذا تعمل هكذا كل يوم ضدي، رد بأن قادته ومسؤوليه أمروه بذلك الأمر، وأنا منفذ لتلك التعليمات ضدك أيها الوزير، فرديت عليه فقلت ألا تخاف من الله، فقال أنا ملحد لا أعرف ما تعنيه وتعتقد به أنت، فقلت له أيضاً، ألا يؤنبك ضميرك وتشعر بالأذى، قال لا ليس لدي وازع ضمير تجاهك أبداً، ولو فيه ضمير لما احتلينا بلدك بالقوة واعتقلناك هنا، فأردفت له بالقول أيضاً، عندما ترجع لبلدك الذي اعتدى على وطني وغزاه ودمره واحتله، هل يسألك والداك ماذا كنت تعمل هناك؟ فرد بإجابة باردة لم أكن أتوقعها، ولقوة وقعها جعلتني أهتز من قمة رأسي إلى أخمص قدمي، بقوله: أنا لقيط، ليس لدي أم أو أب، فأدركت حينها أنها الكارثة الكبرى والمأساة الحقيقية المرة القاسية المؤلمة، حين يعتقلني ويكسر ظهري، جندي غاز محتل زنجي لقيط في عاصمة وطني العربي الذي احتل، فيا أخي لا تعتب على الشاب العربي هذا، الذي منعني من الصلاة على الكرسي، اتركه وشأنه، بل العتب على ذلك الجندي الأسود اللقيط، الذي كان يجلس على ظهري ليفتك بي الأذى الأكبر، لكي أصل إلى هذه الحالة المزرية، التي أتمنى أن لا تمر ولا يراها أو يعانيها حر أبي، كان يحمل أربع حقائب وزارية، خرجت منها نظيفاً، ولم أحصل على قيمة كرسي بلاستيكي أصلي عليه كل يوم جمعة!