مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

أربع أساطير برتغالية

تعد الأساطير جزءاً لا يتجزأ من حياة الشعوب، فهي مرتبطة أساساً بالمنتوج الثقافي لأي شعب في العالم، والسمة المهيمنة على الأسطورة هي الغرائبية والعجائبية. إذن ماذا نعني بالأسطورة؟ نجد تعريفاً يعرف الأسطورة كالآتي: (حكاية تستمد شخصيات تتجسد على شكل قوى طبيعية) وهناك تعريف آخر للباحث أحمد عثمان يعرف الأسطورة على أنها (تمثل أب موضوعات الإبداع الأدبي- شعراً أو نثراً عند الإغريق ومن ثم كان الإلمام بالأساطير أمراً ضرورياً وحيوياً بالنسبة لأي مؤلف)، يتبين لنا من خلال التعريف أن الأسطورة تعتمد على الإبداع، وترجع أصل الحوادث الطبيعية إلى الغيبيات.
فعندما نتحدث عن بلد البرتغال وشعبها فهو بلد مليء بالعديد من الأساطير والحكايات الشعبية البرتغالية، التي يتداولها الشعب البرتغالي إلى يومنا هذا. باعتباري باحثاً في الثقافة البرتغالية ارتأيت أن أترجم هذه الأساطير من مصادر ومراجع برتغالية. إذن فما هي هذه الأساطير؟
أسطورة أوليس عوليس ulisses
كما هو معروف فإن عوليس هو أحد أبطال حرب طروادة التي جمعت بين الطرواديين واليونانيين، تم ذكره في ملحمة الأوديسة للشاعر الكبير هوميروس. فغيابه عن أهله، تسبب في قلقهم عليه. ترك زوجته بينلوب رفقة ابنه، فكانت محط أطماع الرجال، كل يريدها لنفسه. لكن الزوجة ظلت وفية لزوجها، فصمدت إلى أن عاد إليها منتصراً سليماً، في ختام مغامراته البحرية الكبرى التي قادته إلى كل الجزر المتناثرة في البحار.
ويعتقد البرتغاليون أن عوليس وصل أثناء طوافه إلى أرض البرتغال، وبالضبط إلى نهر تيجوTEJO الذي وقف عنده وتأمله كثيراً. فتم مناداته بمدينة عوليس أوليسOlissipo، أي مدينة عوليس الذي أطلق عليها العرب اسم أولشبونة الذي أصبح لشبونة lisboa. لذلك يمجد البرتغاليون اسم عوليس ويعدونه رمزاً واسماً لامعاً وبطلاً قومياً مغواراً، ورمز عاصمتهم لشبونة، فهو المؤسس الحقيقي لعاصمتهم التي تستمد اسمها من اسمه.
أسطورة قمم النجمة
يحكى أن أحد الملوك بلغه أن أحد الرعاة كان يسكن في قمة جبل عال، كان يتحدث إلى نجمة في السماء. هذا الخبر أرق الملك، فطلب من حراسه أن يأتوه بالراعي ليستفسره عن الأمر. ولما مثل الراعي بين يدي الملك، سأله الملك عن علاقته بالنجمة، فحكى له الراعي كل شيء معها، حديثه اليومي، وكيف أنه يراها لوحدها مشعة بين جميع النجوم في السماء.
بعد سماع الملك جواب الراعي، اقترح عليه أن يصرف نظره عن النجمة، وألا يتحدث معها، ووعده بأن يعطيه مقابل ذلك مكافأة كبيرة، بل ثروة تغنيه، شريطة تنفيذه الاقتراح. إلا أن الراعي رفض طلب الملك، واختار الفقر بدل الغنى، فعاد إلى قمة الجبل، وفاء لنجمته وتعلقاً بها.
سمع الراعي أغنية جميلة تتردد في الفضاء، فإذا بالنجمة تتراءى له، وكانت على علم بلقاء الراعي والملك. لكن الراعي كان فخوراً بنفسه وبلقائه الملك وثباته على موقفه، ورفضه إغراءات الثروة وتشبثه بعلاقته بنجمته وتضحيته بالمال والجاه مقابل ما يحب ويعشق، واصل الراعي حياته البسيطة في الجبال سعيداً بعلاقته مع نجمته التي أغنته عن كل ثروة وجاه. وتخليداً لذكرى الراعي المخلص وعلاقة الوفاء التي ربطته بالنجمة، أطلق الناس اسم النجمة على المنطقة التي شهدت قصتهما، وهي سلسلة جبلية في البرتغال، تيمناً بروح الأسطورة.
أسطورة (القديسة إيزابيلا) صاحبة الورود
أما الأسطورة الثالثة فهي تتحدث عن الملكة القديسة إيزابيلا، والسؤال المطروح هنا من هي القديسة إيزابيلا؟
القديسة إيزابيلا (1271 - 1336) هي زوجة الملك دو دينيش ملك البرتغال، ارتبطت بها أسطورة طريفة من نوعها. إيزابيلا كانت ملكة طيبة جداً تساعد الفقراء والمحتاجين السائلين الصدقات، فكانت تمنحهم كل ما تجود به يداها، رغبة في إسعادهم وإدخال الفرح والبهجة على قلوبهم، فكانت تبحث دائماً عن الفقراء، أينما كانوا، أما حين تلقاهم صدفة فإنها تغدق عليهم المال، وتطعمهم الخبز.
علم الملك دون دينيش بما تفعله زوجته، فأمرها أن تكف عن التصدق وإمداد الفقراء بالخبز، لأن المال يكفي بالكاد لتلبية حاجاته. إلا أن الملكة أصرت على مواصلة سيرها في طريق الإحسان، واستأنفت تصدقها على الفقراء بالمال والطعام، تمسكاً بالكرم والجود وإرضاء لضميرها وروحها الطيبة التي كانت تجد متعة في رسم البسمة على وجوه الفقراء والمتسولين.
في أحد الأيام خرجت الملكة إيزابيلا إلى الشارع، مرتدية فستاناً فضفاضاً تخفي فيه الخبز من أجل توزيعه على الفقراء، وحين شرعت في توزيع الخبز، فإذا بالملك دون دينيش يمر بجوارها، ويتذكر منعه إياها من التصدق، فأمرها أن تكشف عن طية فستانها، لأن يديها كانتا تأخذان تلابيب الفستان، ظناً منه أن الفستان سيكون به الخبز.
فسألها: ماذا يوجد في فستانك أيتها الملكة؟
أجابته: ورود يا سيدي الملك.
فقال لها: إن الورود لا تزهر في شهر يناير، ثم أمرها أن تطلق يديها ليرى الورود المزعومة.
وحين أطلقت الملكة إيزابيلا يديها الممسكتين بتلابيب الفستان تساقطت الورود، انبهر الملك دون دينيش مما رأته عيناه، وكذلك الفقراء المتحلقون حولها، فوجئوا جميعاً وجثوا على ركبانهم منبهرين بما رأوه وتحقق أمامهم.
ردت على زوجها: إنها الورود، وليس الخبز.
مجد البرتغاليون الملكة إيزابيلا، فقدسوها، وخلدوا أسطورتها للأجيال المقبلة، ولعل أهم تكريم حظيت به هو تحنيط جثمانها بعد وفاتها، ووضعه في تابوت جهز بمرآة تتيح لزوار ضريحها مشاهدة جثمانها.
أسطورة سبع مدن
في زمن قديم، يحكى أن مملكة كان تتمتع بثروات هائلة، كان يحكمها ملك قوي، له فتاة غاية في الجمال اسمها أنتيليا، ذات عينين خضراوين، ووجه أبيض جميل وفم متفتح كوردة في فصل الربيع.
في أحد الأيام قرر الملك أن يتفسح رفقة ابنته في المدينة، أثناء مسيرهما التقت عينا الفتاة بعيني فتى طويل القامة، أبيض الوجه أزرق العينين. كان جالساً يعزف على الناي. فنظر إليها ونظرت هي فوقع في حبها منذ الوهلة الأولى، فكان عزفه رقيقاً معرباً عن إحساس رقيق مرهف.
بعد أيام شاءت الأقدار أن تجمعهما في لقاء ثان، كان إيذاناً بلقاءات أخرى ستتكرر، فقرر الفتى أن يطلب يدها للزواج. فوافقت، إلا أنها لما أخبرت والدها بالأمر، امتنع الوالد وأمرها بالكف عن لقاء الفتى. حزنت الفتاة، ولكنها أصرت على لقاء حبيبها، ضداً على رغبة والدها وتحدياً لقيود الحراسة الشديدة التي فرضها عليها، وقد حققت مرادها والتقت حبيبها فأخبرته بموقف والدها ورفضه اقترانهما.
وتستطرد الأسطورة، فتحكي أن العشيقين معاً حزنا وبكيا، فانهمرت دموعهما كثيرة بقدر ألمهما، والدموع التي سالت من عين الفتاة الخضراء أنشأت بحيرة خضراء، أما الفتى ذو العيون الزرقاء، فإن دموعه شكلت بحيرة زرقاء مثل لون عينيه.
إن الحب عاطفة واحدة، يشترك فيها الناس كلهم بغض النظر عن انتمائهم الطبقي، والآلام الناشئة عن الفراق تجمع كل العاشقين وتترجم مشاعرهم الصادقة سواء كانوا أمراء وسادة أو فقراء وعبيداً.
يمكننا أن نستخلص أربع نقاط أساسية وهي:
1 - أن البرتغال بلد أوروبي وريث الحضارة اليونانية وأساطيرها، (أسطورة عوليس).
2 - بلد يتميز سكانه بالتشبث بالعقيدة المسيحية الكاثوليكية والإيمان التقليدي، هو سلاحهم في مواجهة جبروت السلطة التي تداولت الحكم في هذا البلد، (أسطورة إيزابيلا).
3 - بلد بتميز بتقاليد قديمة في مجال تربية الماشية ويعد الرعي أهم المهن الشعبية وأكثرها انتشاراً، وللرعي البرتغالي دلالات وتاريخ وتقاليد، (أسطورة النجمة).
4 - هناك مشترك ثقافي إنساني متوسطي يجمع الثقافة البرتغالية بالثقافات المتوسطية الأخرى جنوب الضفة، (أسطورة المدن السبع، ومقارنتها مع أسطورة إملشيل بالراشدية).
ذو صلة