تأثر بحياة البحارة وتفاصيل مغامراتهم فدارت معظم رواياته وأقاصيصه حول البحر وأسراره، فكان يشبهه بهدوئه وهيجانه، حنانه وقسوته. تنقلت حياة الربان المغوار بين براثن الشقاء وحضن الكفاح المتفائل فكتب عن مختلف أنواع المعارك في الحياة وعن الطريق لنيل السعادة فلقب بـ(كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين).
في ماضيه الشقي احترف العمل في الميناء كحمّال، وعرف عالم البحار كبحّار. مسيرته الطويلة كانت مشياً بأقدام حافية في حقول من مسامير، دمه سال في مواقع خطواته، فاحتل أعلى درجات الأدب وأخذنا إلى أسمى صور الكلمات فكان كشراع امتد على سطح السفينة ليوجه القارئ إلى شواطئ اللغة العربية المطواعة الساحرة وهو الذي لم يدخل المدرسة الإعدادية قط وكان خريج جامعة الفقر الأسود كما وصف نفسه.
حنا مينا من مواليد سنة 1924 عاش أولى سنواته في إحدى قرى لواء الإسكندرون على الساحل السوري، وفي عام 1939 انسلخ اللواء عن سوريا وبدأ شقاء عائلته عندما تركوا منزلهم وهاجروا إلى مدينة اللاذقية التي أصبحت فيما بعد مصدر إلهامه.
بدايته الأدبية كانت متواضعة، متدرجاً من كتابة العرائض للحكومة إلى كتابة المقالات والأخبار الصغيرة للصحف في سوريا ولبنان.
أرسل قصصه الأولى إلى الصحف السورية في دمشق، وبعد الاستقلال عمل في جريدة الإنشاء الدمشقية وأصبح رئيس التحرير فيها.
بدأت حياته الأدبية بكتابة مسرحية (دونكيشوت) وللآسف ضاعت من مكتبته فتهيب من الكتابة للمسرح، كتب أكثر من 50 رواية أدبية طويلة وغيرها من القصص القصيرة.
سنة 1951 أسس حنا مينا مع لفيف من الكتاب اليساريين السوريين رابطة الكتاب السوريين، لينظموا عام 1954 المؤتمر الأول للكتاب العرب بحضور واسع لأهم المثقفين في سوريا والبلاد العربية.
هذا النجاح والتشجيع المبهر لوجود هكذا أرضية ثقافية في العالم العربي دفع مينا إلى حشد الجهود لتأسيس اتحاد الكتاب العرب الذي أبصر النور عام 1969.
في تلك الفترة كتب أول رواياته الطويلة (المصابيح الزرق) توالت أمواج إبداعاته بعدها والتي صُنع منها خمسة من أجمل الأفلام السينمائية وعدد من المسلسلات التلفزيونية السورية.
ويكتب بعد ذلك الياطر، الأبنوسة البيضاء، حكاية بحار، الثلج يأتي من النافذة، الشمس في يوم غائم، المستنقع الذي جسد فيه صورة الحي الذي قطنه في الإسكندرون، حمامة زرقاء في السحب، الولاعة، اضافة إلى هواجس في التجربة الروائية، كيف حملت القلم؟ وغيرها الكثير.
كان يقول من الصعب أن يكون الإنسان روائياً وإنه بفضل تنوع تجاربه الحياتية أصبح كاتباً بالخطأ وحارب الشقاء في قلب الشقاء وانتصر عليه فكان حنا مينا المنتقم المتألم.
حدق في الموت مراراً على سطح المراكب وفي أرض المعارك التي خاضها ضد الاحتلال الفرنسي على بلده عندما كان في الثانية عشرة من عمره، ورغم ذلك لم ينل منه عندما كان فتياً بل عاش طويلاً شامخاً إلى أن أتى يوم توقف فيه الموج ورست فيه سفن روحه ورحل زوربا العرب الذي عاش 94 عاماً راقصاً على أشواك معاناته وسط عائلته ومحبيه في المستشفى الفرنسي في دمشق صباح أول أيام العيد الثلاثاء 21/08/2018 ودفن صاحب الشراع في مدينته اللاذقية لترتاح نفسه بجانب البحر الذي لطالما كان صاحبه وخليل أحزانه وأفراحه بعد أن كرس كل كلماته للوصول لميناء نصرة الفقراء والبؤساء والمعذبين في الأرض.