المسرح منذ نشأته كان وما يزال عصا الثقافة والتطور للأفراد والجماعات، من خلال تأثيره على المجتمع وإحالة الأفكار إلى أشياء دون تكليف. فهو فضاء مفتوح على التجريب، وهو حيّ في كل مكان وعلى مر الأزمان. خضع للتحوير والتشكيل، سواء كان ذلك في شكل خشبته، أم في شكل العروض التي تمثل داخله. بل إن دُور التمثيل نفسها كانت موضعاً للتغيير والتبديل، فقدم الأدب المسرحي في الميادين وخارج المعابد، وداخل الكنائس، ومرّ بمراحل كثيرة متعددة ومتطورة.
وإذا وقفنا على النواة الأولى لبدء فكرة المسرحية أو الدراما وهو الرقص، فإن التاريخ لم يجلب الكثير عن المسارح ذاتها، حيث كانت تقام الاحتفالات في الطرقات وفي الدروب، ويلتف العامة حول مقدمي تلك العروض الراقصة. وهؤلاء العامة من يمكن أن نطلق عليهم الجوقة، والراقصون من يمكن أن نطلق عليهم الممثلين.
ولأن الممثل هو العرض، ودونه لا وجود لمسرحية، فعليه بداية الوصول إلى ثقافة مسرحية واسعة، كي تؤدي إلى مسرح عظيم في النهاية، فالممثل يجب أن يتعرف بعمق على تاريخ المسرح، منذ أن نشأ قبل العصور التاريخية حتى اليوم. وتاريخ المسرح يشمل نشأة التمثيل، منذ أن كان رقصاً بدائياً، وإنشاداً دينياً، ثم تطوره بعد ذلك مع تطور الأغنية الإنشادية الراقصة، ومصاحبة الموسيقى ودق الطبول لها، حتى ظهرت المسرحية، من نواة هذه الأغنية، التي كان البدائيون يتعبدون بها لخالق الكون المحيط بكل شيء. فالمسرح في وقتها كان يتسم بالعفوية والتلقائية والاحتفالية الشعبية ضمن مرحلة الظواهر الفردية، لينتقل بعد ذلك إلى مرحلة الحفظ والتنظيم مع مرحلة تأسيس المسرح، وإخضاعه لسلطة التأليف والتشخيص والإخراج والسينوغرافيا. ففي البدء كان المسرح ارتجالاً! فالارتجال هو إبداع نص مسرحي بدون الرجوع إلى النّص برمته أو التقيد بكل مدوناته، أي يتحول خيال الممثل إلى منبع للوجدان الطبيعي، ومصدر للأفكار التي تقدم على الخشبة بطريقة تلقائية عفوية. فيسمح الممثل لخياله بأن يجنح في الآفاق، وبالتالي، يطلق عنان ذاكرته ومخيلته الإبداعية فتنساب الأفكار المضمرة في الشعور واللاشعور وتنصهر التجارب الذاتية والموضوعية في قالب فني درامي إبداعي عفوي وفوري.
ويقوم الارتجال عملياً على التأليف الفوري، بل يمتد إلى الإضافة، والتعديل، والتغيير، والتشطيب، والحذف، وإعادة كتابة النّص، والخروج عن النّص، والاسترسال، والاستطراد. فهو يرتكز في جوهره على إبداعية تستمد فرضيتها من تلقائية حدسية أو خيالية. لذا فهو ينشأ في الوقت معاً كقطيعة ورجوع، وكتخريب وحنين، وهذا شيء حقيقي إلى درجة أنه لا يمكن أن يوصف، أو يحلل إلا عبر مجموعة من أزواج الكلمات المتعارضة عبر مجموعة من المفارقات التي تحدد وتصف كل مرة فعل الارتجال المسرحي في علاقته مع مرجعين متضادين: يكون من المفروض أن يخرب الأول ويزعزعه، بينما يعمل على كشف الثاني وإحيائه.
إن مستلزمات المسرح الارتجالي لا تعتمد على البهرجة والبذخ وكثرة الديكورات والأدوات الأخرى غالية الأثمان، بل على العكس تماماً؛ فهو يعتمد على البساطة، وعلى مبدأ ما قل ودل في كل شيء. وهذا يعني بأنه غير مكلف وباستطاعة المدارس والجامعات والمجتمع المحلي توفير هذه المستلزمات مما يتوافر لديها من إمكانات وتوظيفها في خدمة العمل المسرحي، فلا عجب إذاً في تسميته المسرح الفقير، لكنه غني جداً بمضمونه وأهدافه. كما أن المسرح الارتجالي ليس من السهولة، كما قد يتبادر لأذهان البعض؛ بل إنه يحتاج إلى خبراء في هذا المجال، حيث لا تترك الأمور على عشوائيتها، ولا تفتح الأبواب على الغارب لكل من هب ودب وبمسمياتهم المختلفة وادعاء البعض منهم بأنه يتبنى المسرح التجريبي والارتجالي على وجه الخصوص، فعملية الارتجال كما أسلفنا لا تقتصر على النّصوص بل تتخطاها إلى كل مفردات المسرح، وهي تمر في عمليات مخاض عسيرة وتجريب وبناء حسب قوانين وخطوات مدروسة.
عندما نذكر الارتجال لا نعني التشويه للحوار أو للحركة (الممثل)، أو بروز حركات وحوارات عشوائية تؤثر على القيمة الجمالية والذائقة الفنية للعرض المسرحي، أي أن كلاً من الحوار أو الحركة لهما مفهومهما ودلالتهما ومبرراتهما، والأفعال التي يقوم بها الممثل على الخشبة لها علاقة بالعرض المسرحي ومكوناته، لكن شرط ألا يدخل في المشاهد المباشرة في أثناء العرض.
وينطلق الارتجال من فكرة أو موضوع غالباً ما يكون مثاراً في المجتمع أو يشكل رأياً عاماً، حتى يمكن للمتفرجين الاستجابة مع ما يطرحه. ويتم التناقش حول الفكرة بين المرتجل ونفسه (حالة الارتجال الفردي)، أو بين المرتجلين بعضهم بعضاً، ومن هنا تتعمق الفكرة عن طريق الإضافات النقاشية للمرتجلين المشاركين في التمثيل. ويكتسب الارتجال أهميته من كونه: أولاً وسيلة اتصال فنية شعبية سريعة التأثير في المتفرج، إلى جانب دورها النقدي أو الانتقادي، وهي تقوم على أداء لا نص له في الأساس، وإنما قد يكتب النّص أو يجمع من أفواه المرتجلين وصور حركاتهم التعبيرية والتشخيصية.
وأن ترتجل في البروفة، يعني أن تتخذ مساراً بحثياً مؤسساً على فكرة المسرحية والدور، ذاهباً لاكتشاف شكل أدائي ضمن الرؤية الفنية للعرض. يقول فيولا سبولين في كتابه الارتجال للمسرح: (غالباً ما تعطي الارتجالات العامة الممثلين رؤية أعمق لما وراء كلماتهم، وذلك بمساعدتهم على أن يروا الكلمة ويحققوا واقعاً للمشهد)، فتصبح لدى الممثل رؤية خاصة حول العمل الفني، بعيداً عن رؤية المخرج والمؤلف. فالارتجال أثناء البروفة هو بمثابة تكوين وبناء الأدوات الأساسية للممثل الذي يلتقط حركات وأفعال غير متوقعة أو متهيئة، ومن ثم يأخذ منحى دراسياً تحليلياً تطبيقياً، متعاملاً مع الجو أو الفضاء المسرحي ليشكل لغة خاصة أثناء العرض المسرحي.
أما بالنسبة للارتجال أثناء العرض المسرحي، فيختلف من حيث ضوابط العمل المسرحي ومعاييره الثابتة أو السائدة في قانون العرض المسرحي بكل تفاصيله، المؤسس على رؤية المخرج التي غالباً ما تتخذ مذهباً أو مدرسةً أو شكلاً فنياً متبعاً وأسلوباً خاصاً، بحيث يتولد لدى الممثل في أغلب الأحيان علاقة مع المخرج تسمح للارتجال ضمن دائرة المحاولات التي تؤدي إلى اكتشاف تفاصيل دقيقة تتعلق بجسد وصوت الممثل، فتتجمع الأفكار لبناء الدور ضمن شبكة العلاقات في العرض المسرحي واقعياً، عبر مكونات العرض بجمالياته وأفكاره لقول أو فعل شيء يرتجل أثناء العرض المسرحي.
والممثل في الارتجال يتصرف من تلقاء نفسه في إطار خط عام متفق عليه مسبقاً مع زملائه في العرض؛ بعكس الممثل الملتزم بالنّص والمجسد له. كذلك في الارتجال مجموعة الممثلين المشاركين في الارتجالية هم الذين يتحدثون وليس هناك مؤلف ما، فالممثل أو مجموعة الممثلين المشاركين من خلال ورشة مسرحية على الارتجال هو المؤلف أو بالمعنى الدقيق أحد مؤلفي التجربة الارتجالية للعرض المسرحي المرتجل، وهو أحد مخرجيه وأحد مصممي أزيائه ومؤثراته الصوتية وموسيقاه وإضاءته أيضاً، بل ملصقاته الإعلانية. وفي الارتجال تكون عملية الأداء مفتوحة بمعنى أن العرض قابل للإضافة وقابل للحذف بوساطة التنسيق الجماعي لمجموعة المؤدين الارتجاليين وتناغمهم. ففي الارتجال الممثل مثله مثل الكاتب المسرحي يمكنه أن يحذف كل التفاصيل غير الضرورية وكل الدقائق الدخيلة التي تؤخر وتضعف الفكرة وتبعد أداءه عن تشويق المتفرج.
ومعلوم أنه فيما بين الممثلين والمتفرجين توجد اتفاقية ضمنية مستترة بأن الممثلين سيسمح لهم بأن يستحضروا في أذهانهم وفي مخيلاتهم هذا العالم الخيالي الروائي.. وهذه الاتفاقية تذيّل أدوات العرض وأجهزته، وتمكن النظارة من فهم المسرحية، ويمكن وصف هذه الأعراف والعادات بأنها بلاغية. وهي تمثل الوسيلة التي بها يمكن إقناع المشاهدين بقبول الشخصيات والمواقف التي ترتبط بالمسرح لكنه ارتباط سريع الزوال.
الممثل المرتجل يستطيع أن يكون كل شيء، ومختلف الشخصيات أمام الجمهور دون سابق إعداد أو تمهيد. ففيما كان مجال التمثيل وعلومه يفصل ما بين الممثل وفقاً لنظام ستانسلافسكي النفسي ومنهج بريشت التغريبي، حيث لم يكن هناك غير الممثل لستانسلافسكي فحسب والبريشتي فحسب فلا يجمع بين الاثنين؛ أما اليوم فقد أصبح مثل هذا الجمع وارداً، حيث قامت علاقة جديدة بين الممثل وبين المعرفة، ولم يعد الممثل يكتفي بتقديم دوره وعيناه مغمضتان وفكره معطل، لذلك فهو يدرك أن من الواجب أن يتدخل في كل شيء، ليس فحسب في الشخصية المطلوب أداء دورها، وإنما كذلك في مجموع العرض وما وراء ذلك أيضاً، فالممثل في الارتجال يضطر أحياناً إلى أن يتخذ أداؤه مسار الحوار بينه وبين المتفرجين عبر فترة عرض ارتجالية، وما لم يكن مسلحاً بالاكتمال الثقافي والمعرفي فلن ينجح في مواصلة أدائه الارتجالي. فالتمثيل الارتجالي ليس أداء فحسب، وليس تمثيلاً فحسب؛ لكنه طريقة لعرض المحصلة المعرفية للممثل، ليس حول فكرة بعينها أو قضية واحدة أو موضوع، ولكنها المعرفة التجميعية الانتقائية الشاملة التي حصل عليها ويعمل على تجديدها دائماً وباستمرار، والإضافة إليها وغربلتها، وإتقان عرضها على المتفرجين، بما يمتعهم وبتفاعل مع معارفهم، ويضيف إليها بقدر ما يكتب منها في حالة تبادل ارتجالي جدلي حاضر.