مع تدفق المهاجرين إلى أوروبا والغرب عموماً بأعداد كبيرة في العقود الأخيرة أصبحت قضيتهم تحتل الصدارة في أجندة السياسيين في معظم الدول الأوروبية. واقترن ذلك التدفق المكثف بشعور ساد شريحة كبيرة من السكان الذين يرفضون وجود مهاجرين بينهم بل تطور ذلك الشعور إلى حالة عداء تستهدف في المقام الأول المهاجرين القادمين من دول فقيرة أو مهاجرين ينتمون إلى مجموعات عرقية تختلف عن أهل البلد.
وعلى الرغم من كبر حجم الهجرات التي توالت على الدول الأوروبية وتحديداً فرنسا وألمانيا وبريطانيا عبر السنين، فقد تنوعت المجموعات العرقية المهاجرة، فإلى فرنسا وبريطانيا نزح المهاجرون من المستعمرات السابقة، بينما جاءت الهجرات إلى ألمانيا من جنوب أوروبا وتركيا. نستنتج من ذلك أن معظم الهجرات العربية اتجهت إلى فرنسا وبريطانيا فضلاً عن تدفق اللاجئين الهاربين من أتون الحرب في العراق وسوريا مؤخراً إلى دول أوروبية أخرى مثل الدول الإسكندنافية وإن كانت أعدادهم أقل.
تبنت الدول الأوروبية سياسات مختلفة فيما يتعلق بدمج المهاجرين تراوحت بين احتفاء بريطاني بالتنوع العرقي والثقافي وإنكار فرنسي لذلك التعدد، في الأماكن العامة تحديداً، بلغ حد حظر ارتداء الحجاب وبعض المظاهر الإسلامية الأخرى. وفي مقابل هذين البلدين اللذين منحا المهاجرين الجنسية الكاملة، فإن ألمانيا لم تمنح الجنسية للمهاجرين وأبنائهم من أصول غير ألمانية إلا مؤخراً بعد أن تبين لها أن المهاجرين إنما جاؤوا ليستقروا فيها وليس لفترة مؤقتة. أما بقية الدول الأوروبية التي استقبلت مهاجرين فقد عكفت على دراسة أفضل النماذج التي يمكن الاسترشاد بها في تطبيق برامج دمج المهاجرين وأبنائهم.
الجيل الثاني
يستخدم هذا المصطلح عموماً للإشارة إلى كل شخص ولد أبواه خارج البلاد، بيد أن المصطلح لا يحدد إن كان الأبوان مهاجرين، أو أحدهما على الأقل. وقد اهتمت البحوث والدراسات التي أجريت في بريطانيا بالتقصي عن مدى التحسن الذي يحققه أطفال المهاجرين مقارنة مع أقرانهم من أطفال المواطنين ومع جيل الآباء. وأظهرت هذه الدراسات أن فرص أبناء المهاجرين في التوظيف أقل من فرص أقرانهم من البيض. أما في مجال التحصيل العلمي يتفوق البريطانيون البيض على أقرانهم أبناء المهاجرين خصوصاً في مراحل التعليم الابتدائي من عمر خمس سنوات مثلاً. ويعزو بعض الباحثين تلك الفجوة إلى اللغة الأم التي يتكلمها أبناء المهاجرين في المنزل ويرون أنها تشكل عائقاً أمام مواكبة أقرانهم البيض. غير أن هذه الفجوة التعليمية بدأت تتقلص في مرحلتي التعليم الابتدائي والثانوي مؤخراً بل بدأنا نشهد تفوقاً واضحاً لأبناء المهاجرين على أقرانهم البريطانيين خصوصاً في مادتي الرياضيات واللغة الإنجليزية.
يتحدث كثير من السياسيين والمسؤولين عن ضرورة اندماج المهاجرين في مجتمع المهجر. وبينما يقبل معظم المهاجرين هذا المبدأ إلا أن آليات ذلك الاندماج تثير بعض المخاوف لدى الآباء والأمهات ويطفو على السطح سؤال كبير عن الهوية: هل مطلوب مني كمهاجر أن أتعايش مع هذا المجتمع أم أذوب فيه؟ ومهاجر آخر يروي كيف أن ابنه ذا الثلاثة أعوام يتعلم أناشيد خاصة عند التحضير للاحتفال بعيد الكريسماس تحمل مضامين ودلالات دينية ووطنية لكي يكون جزءاً من المجتمع ونسيجه.
ولعل مما يلاحظ على أبناء المهاجرين عموماً تشوقاً كبيراً للتعرف على بلاد الآباء والأجداد، إلا أن انشغالهم بالدراسة وتطوير أنفسهم أكاديمياً ومهنياً يحول دون ذلك. ومن ضمن أشواقهم إتقان اللغة العربية وعلومها وثقافتها وتعلم الدين والعبادات والاهتمام بتقاليد البلد الأم وتاريخه ودراسة تاريخ الإسلام. وقد يتحول ذلك الشوق إلى إحباط كبير سببه عدم توفر المصادر المناسبة والجهة التي تقدم المعلومة المطلوبة في شكل مبسط. أضف إلى ذلك عجز الوالدين أحياناً عن تقديم الإجابة الشافية عن أسئلة الأبناء وعدم توفر الوقت الكافي أمام أولئك الأبناء للبحث والاستقصاء.
الزواج
الزواج هو الهم الأكبر لدى الآباء، فمعظمهم يحبذ أن يتزوج الأبناء من البلد الأم فيتجه كثير من أبناء المهاجرين إلى البلد الأم وهناك يواجهون عدة مشاكل أهمها قلة القواسم المشتركة مثل اختلاف الثقافة بين البلدين واللغة والتخوف عند بعض الفتيات من أن يكون دافع الرجل للزواج هو الهجرة والحصول على جواز سفر بلد المهجر. وفي حالات كثيرة بعد الزواج يجد الزوج صعوبة في التكيف السريع مع البيئة الجديدة فيحتاج لإعادة تأهيل.
ولعل ما يميز أبناء المهاجرين عن أبناء الوطن الأم الاستقرار، مثل: توفر السكن، والتعليم، والعلاج، والضمان الاجتماعي... وغيرها من الخدمات التي يفتقر إليها الوطن الأم. أضف إلى ذلك الفرص الواسعة في سوق العمل للخريجين مع توفر كل عوامل الإبداع وتطوير الذات، وهامش الحريات الواسع وممارسة مبادئ مثل التعايش بين مختلف الأجناس والثقافات والأديان سواء في المدرسة أو مكان العمل أو حتى في الشارع.
هؤلاء هم أبناء الجيل الثاني من المهاجرين وعما قريب سيكون هناك جيل ثالث ورابع من المهاجرين لذا فهذا التصنيف يصبح مع مرور الزمن أقل أهمية. وعوضاً عن هذا التصنيف، علينا أن نفكر فيما يمكن أن يقدمه المهاجر للمجتمع. أما الآباء والأمهات فتتنازعهم رغبة قوية في ربط أبنائهم بالوطن الأم، بينما تتنازع الأبناء مشكلة الولاء والانتماء ومعضلة التعايش مع مجتمع الغربة أم الذوبان فيه.