مجلة شهرية - العدد (587)  | أغسطس 2025 م- صفر 1447 هـ

رحيل رائد الصحافة العربية الساخرة المصري أحمد رجب

كثيرة هي الأقلام، لكن قلة منها فقط هي التي تصبح مؤثرة، والموت حق والحياة فسحة يعيشها المرء تاركاً ما جنت يداه وما خلفه للآخرين كي يحكموا عليه، لكن لماذا أصبح الموت في عصرنا فاجعة؟!، ربما لأن الذين يموتون من الرواد والمتميزين لا يعوضون، بصماتهم لا تقلد وكتاباتهم تبقى في قوتها ومزاياها مرئية من مسافات بعيدة كالقمر في حلكة السماء، كان آخر هؤلاء الرواد الكاتب المصري الكبير أحمد رجب، فقدت الأسرة الصحفية في مصر والوطن العربي فجر الجمعة 12 سبتمبر 2014 صاحب (نص كلمة) الموجزة التي كانت تحمل تلخيصاً لآلام ومشاكل البسطاء، وصاحب فكرة كاريكاتير (كفر الهنادوة) الذي لطالما سخر من خلاله بتصريحات وقرارات الحكومة المصرية.
ولد أحمد رجب معوض في 20 نوفمبر 1928 بمدينة الإسكندرية، درس في كلية الحقوق وأثناء الدراسة أصدر مع آخرين مجلة سميت أخبار الجامعة، وكانت طريقه للتعرف على الكاتبين الراحلين مصطفى وعلي أمين، عمل في مكتب أخبار اليوم في الإسكندرية، ثم انتقل إلى القاهرة، وتولى سكرتارية التحرير في (أخبار اليوم)، واكتشف علي ومصطفى أمين مواهبه وعبقريته في الكتابة، كان للكاتب الراحل مقالة قصيرة ومختصرة، ثابتة يومياً في صورة رسالة ساخرة في جريدة الأخبار بعنوان (نصف كلمة)، تعد (نصف كلمة) من أشهر الكتابات الساخرة في تاريخ الصحافة العربية، واستمر في كتابتها لأكثر من نص قرن، كانت آخر (نص كلمة) للكاتب الساخر الراحل أحمد رجب، في عدد جريدة الأخبار بتاريخ 18 يوليو 2014: (تسع سنوات استمر الموبايل في الخدمة حتى أدركته الشيخوخة، واشتروا لي تليفوناً مليئاً بالأزرار، هذا زر للقاموس، وهذا زر للعمليات الحسابية، وهذا زر لتكييف الهواء، وهذا زر لخرط الملوخية، وهذا زر دورة المياه، وهذا للسيفون، وأعداد لا تنتهي من الأزرار، أما الكلام في التليفون فهو مشكلة المشاكل، الصوت بعيد جداً من يريد الاتصال بي لابد أن يتوافر عنده صبر أيوب).
شارك أحمد رجب مع رسام الكاريكاتير الراحل الفنان مصطفى حسين في كاريكاتير الأخبار وأخبار اليوم يومياً من أفكاره، وألف شخصيات كاريكاتيرية منها: فلاح كفر الهنادوة، والكحيت، وعزيز بك الاليت، وعبده المشتاق، وعلي الكوماندا، وعباس العرسه، ومطرب الأخبار، وكعبورة وغيرها الكثير، ومن أقوال الراحل مصطفى حسين عن الكاتب الراحل أحمد رجب: (لا يمكن لأحد أن يزعم أنه يعرف أحمد رجب، قليلون هم الذين اقتربوا منه، فقد عرف أحمد رجب كيف يحترم وقت القارئ وترجم ذلك في الكتابة باختصار وتركيز شديدين، حيث لا وقت عند القارئ).
للكاتب الراحل العديد من المؤلفات، من بينها: الحب وسنينه، كلام فارغ، نهارك سعيد، صور مقلوبة، وغيرهم الكثير، أما آخر كتاب له فهو (يخرب بيت الحب).
 أحمد رجب كان يحلم منذ طفولته أن يصبح مطرباً مشهوراً، ولكن لم يحالفه الحظ، فاتجه إلى الصحافة وألف كتابه (مطرب الأخبار)، بريشة مصطفى حسين.
النموذج الذي قدمه أحمد رجب يجسد لنا أهم ما نفتقده هذه الأيام بالذات في الصحافة العربية، إذ إنه بارتفاعه فوق نمط الكتابة الساخرة التقليدية، وتخلصه من كثير من قيود السلطة وابتعاده عن المحاباة والمجاملات مع أهل الحكم، استطاع أن يهجو الحكومة في صحفها الرسمية.
لقي أحمد رجب في مماته، رثاء يوازي عطاءه؛ إذ تدفق سيل من عبارات التأبين والعزاء التي عصرتها مشاعر الحزن لفقده، ليشارك كثير من محبيه في استذكار كتاباته وإسهاماته الصحفية، وغرقت مواقع التواصل الاجتماعي باقتباسات من (نص كلمة) وصور للكاريكاتير المشهور (كفر الهنادوة). 
ومن الأشياء التي تثير العجب، أن يرحل الناقد والمنتقد في يوم واحد، يرحل صاحب فكرة فلاح كفر الهنادوة (أحمد رجب) ويرحل رئيس الوزراء (عاطف عبيد) الذي شارك الفلاح في كثير من حلقات الكاريكاتير الساخر (كفر الهنادوة)، فصلت بين وفاة الأول والثاني ساعات قليلة، وقبلهما بأقل من 20 يوماً رحل الفنان الذي رسم الفلاح ذات يوم (مصطفى حسين).
pantoprazol 60mg oforsendelse.site pantoprazol iv
ذو صلة