قلما نجد أعمالاً سينمائية تجمع بين إعجاب النقاد والجمهور، ونادراً أيضاً أن يكون الفضاء مصدراً لهذا الإعجاب. فيلم الجاذبية يجعلك تواجهه بالسؤال التالي: كيف حقق فريق العمل هذا الإنتاج العظيم، وهنا أقول فريق العمل، لأن الفيلم اقتضى وجود العديد من التقنيين أمام الحواسيب لمدة طويلة، وإذا ربطنا النجاح بالمخرج فقط فسنبخس الباقين حقهم. لقد تم تصوير بعض المشاهد ضمن منطقة الجاذبية الصغرى، بالتنسيق مع وكالة ناسا، وهذه المشاهد هي التي أضفت لمحة الواقعية على باقي أحداث الفيلم ومشاهده، ولا بد من الإشادة هنا بمدير التصوير امانويين لوبيزكي، الذي قدم صوراً رائعة والتقاطات مدهشة مختلفة للبطلين وللفضاء، وقد سبق له أن اشتغل في فيلم (شجرة الحياة) لكن نَفَسَه الفني في فيلم الجاذبية كان أوضح وأميز.
الفيلم يحكي عن قيام الدكتورة (رايان ستون/ ساندرا بيلوك) بأول مهمة فضائية لها برفقة رائد الفضاء (مات كوالسكي/جورج كلوني) الذي يقوم بآخر مهمة له قبل التقاعد، وفي أثناء قيامهما بعملية الصيانة، سيتعرضان لحملة كبيرة من الشظايا الناتجة عن انفجار صاروخ، فتتيه رايان في الفضاء، ثم يأتي كوالسكي لإنقاذها، ويواجهان معاً حتمية الموت في ظل عدم وجود فرصة للنجاة خصوصاً عندما لا يتلقيان استجابة استغاثة، عندها سيقرر كوالسكي التوجه إلى المحطة الفضائية الدولية، لكن لم تكن فرصتهما للنزول على المحطة جيدة، فيضحي كوالسكي بحياته مفضلاً أن تحظى رايان بالنجاة أفضل من أن يموتا معاً، وموقف كوالسكي هذا الذي زاد من حدة العاطفة والتشويق للقصة هو استكمال لجرعات الدعم التي كان يقدمها لزميلته التي كانت تعاني من نظرة رمادية للحياة بعد فقدانها لابنتها، وهنا يؤكد لها أنها تستطيع النجاة لأن الحياة لا تزال مستمرة أمامها، أما هو فقد حظي بما يكفي منها، ستناضل رايان وستدخل إلى المحطة بعد معاناة كبيرة وستستطيع النزول سالمة إلى الأرض. حقيقة يصعب أن نجد فيلماً عن الفضاء يثير فينا هذا الكم الهائل من المشاعر والعواطف، ربما يمكننا أن نتذكر هنا فيلم أرماغدون، ولكنه يقدم هذه العواطف في فترة قصيرة في نهايته، أما أن يكون كل الفيلم مكتظاً عاطفياً بهذا الشكل فليس هناك أبلغ من الجاذبية، لأن المخرج نجح في جعل التشويق سمة مميزة لكل الأحداث.
هذا العمل هو الفيلم الأول للمخرج المكسيكي كوران بعد سبع سنوات من الصمت، لم يقدم أي شيء منذ (children of man وharry potter and the prisoner of azkaban)، انزوى عن الأضواء بشكل نهائي، وابتعاده كان لإنتاج هذا العمل الضخم الذي تطلب منه سنوات من الإعداد، ووضع الرؤية التقنية اللازمة، والبحث عن الممثلين المناسبين فرغم أنه منذ البداية قد رشح جورج كلوني وساندرا بيلوك للدورين، وقبلهما رشح أنجيلنا جولي، وروبرت داوني جونيور اللذان رفضا الدورين معاً، كما أشرك ابنه جوناس في كتابة نص الفيلم، فبعد هذه السنوات يأتي هذا العمل الذي يعتبره البعض أحد أجمل الأفلام في تاريخ السينما، طبعاً هو قد يكون أحد الأفلام الأفضل في صنفه ولكنه يزاحم حتى الأفلام التي تختلف عنه من حيث التيمة. والحقيقة أن اختيار المخرج (لجورج كلوني) و(ساندرا بيلوك) كان أكثر من دقيق، بل من الجيد أن ساندرا عوضت أنجلينا جولي التي تحب الحركة أكثر من الدراما، وهو ما كانت ستحرم منه هنا، أما روبرت داوني فلا أعتقد أنه كان سيقدم أفضل مما قدمه جورج كلوني، فاستقرار المخرج على بطليه هو في غاية الاحترافية، لننظر إلى كل الممثلين المعروفين ونضع أنفسنا مكان المخرج فلمن سنقدم الدورين؟ كنت في الحقيقة سأحار بين (توم لي جونز) و(جورج كلوني) لكن لجورج كلوني سحر خاص فهو دائماً يتميز بصوته ونبرته وملامحه التي تخفي الارتباك والحزن، وهو الأمر الذي يحتاج إليه المخرج فهو في حاجة فقط لوجه الممثل الذي يظهر من كل جسده المختفي في بذلة الفضاء، أما (ساندرا بيلوك) فلا أعتقد أن هناك من هي أنسب منها للقيام بهذا الدور، طبعاً مراهنة المخرج على البطلين لم تكن من باب جودة الأداء فقط، بل لحضورهما التاريخي الكبير وشعبيتهما الكبيرة في العالم. والقصة كانت في حاجة إلى الإعلان عنها بممثلين مشهورين مثلهما.
إن المدخل الأساس الذي يجب أن نلج من خلاله إلى تحليل هذا العمل هو المدخل التقني، فالفيلم عُرض بتقنية IMAX وهي تقنية تتوافر على مزايا كبرى كحجم الشاشة الذي يفوق حجم الشاشة العادية بأضعاف، ثم جودة الصوت إلى حدود غير قابلة للوصف، بالإضافة إلى تقنية 3D، واجتماع كل هذه العناصر ساهم في جعل الفيلم نقلة نوعية في صناعة الأفلام وعرضها، ونؤكد هنا على مسألة جوهرية فطريقة العرض هاته ليست مجاراة للوسائل التقنية التي تشهدها العروض السينمائية، بل الأمر يتعلق بنظرة تقنية بُني عليها الفيلم، وكانت حاضرة في كل فترات التفكير فيه وإنتاجه، أي أن نفس هذه التقنيات في فيلم سينمائي آخر قد لا تحقق نفس المتعة بالضرورة، فهناك فرق بين الفيلم الذي يجعل تقنية العرض بنية أساسية في الفيلم وهناك من يبحث بها عن مسايرة المستجدات فقط، فالتقنية هنا ليست ترفاً، (وقد سبق لجيمس كامرون أن فعل نفس الشيء في فيلم أفاتار عندما أبهر العالم بتقنية 3D، لكن مشاهدة أفاتار بهذه التقنية مختلفة عن مشاهدة أي فيلم آخر بها). ففيلم الجاذبية جعل المزج كبير بين هذه التقنية وبين قصة الفيلم وفضائه الساكن والصامت، فلا وجود لصوت سوى صوت الممثل ولا وجود لصور تواجهك سوى صور الفضاء والأرض التي تبدو أسفل. وقبل أن يبدأ التصوير الفعلي فطاقم العمل كان قد أعد فعلاً جزءاً كبيراً في الفيلم من خلال تصاميم الفضاء وصور الأرض وحتى بعض المشاهد التي تسبح فيها أجسام بديلة لأجسام الممثلين. لقد أبدع المخرج ومعه مدير تصويره إمانويل لوبيزكي وصانع المؤثرات تيم ويبر، في جعل الفيلم وكأنه صوِّر دون قطع، فحركة الكاميرا كانت في غاية الانسيابية، والتقاطاتها للممثل ومحيطه جعلتنا نلج بحواسنا إلى عمق القصة، فجمالية الفيلم تعود في الأخير إلى نظرة المخرج لأنه تصور بهذا الشكل العمل قبل إنتاجه، والدليل على ذلك رفضه لكل محاولات شركة ورنر برادرز التدخل في عمله، وأصر على تطبيق مخططه بعيداً عن رؤيتها الاقتصادية المتسرعة.
دائماً أحب وجود مخرج غير أمريكي وراء فيلم خيالي، والأمر هنا ينطبق على المكسيكي الفونسو كوارون، لأنه يتميز في تيمة تبقى حكراً على الأمريكيين وحدهم من حيث البراعة فيها، ومن لمسات المخرج هنا صناعته لعنصر التشويق الذي كان أساسياً في نجاح الفيلم فقد كان ذكياً في الإيقاع بالمشاهد، فمنذ البداية تكون أول اللقطات في الفضاء وليس هناك من أشياء كلاسيكية كصعود المكوك من الأرض، أو اتصالات مع الأرض..، فالمخرج جعل الفكرة مكشوفة إذا سارع بإقحام أول عقدة عن طريق فشل مهمة الصيانة وتوهان البطلة في الفضاء، ثم أكمل العمل بأحاديث كوالسكي وقصة رايان مع ابنتها ليستمر التشويق في الصراع من أجل البقاء، إضافة إلى أنه أدخل إمكانيات وصعوبات عديدة في القصة لم تحدث في تاريخ غزو الفضاء، ما جعل الصراع من أجل البقاء مشوقاً خصوصاً عندما تنعدم وسائل المساعدة والانقطاع مع العالم.
من الطبيعي أن نشاهد في المستقبل أفلاماً تتفوق تقنياً على فيلم الجاذبية، لأن التقنية في تطور مستمر، ولكن حتماً لن نشاهد عملاً يروض أفكاراً علمية ويمزجها بمشاعر واقعية، ولن نشاهد عملاً عن الفضاء يوحد ذوق الجمهور ولغته مثل ما فعل فيلم الجاذبية.