وبموازاة الأسطورة الشفوية ثمة المكتوبة وهي إغريقية تدور حول شخصية «أنتي» ،ابن «بوسيدون» و «غايا» والذي كان يحرص على مهاجمة المسافرين وقتلهم،وبالتالي إنشاء معبد من جماجمهم أهداه لأبيه، ليخلد اسم مملكته في الإسم «طنجة».والملاحظ أن الثابت في هذه المرويات اسم طنجة بفتح الطاء حينا وكسرها أخرى. ومثلما جسدت المرويات الاسم، فإن الأغنية الشعبية خلدته بالإشارة إلى الصعود والعلو كما ورد في أغنية الفنان المغربي الشعبي الراحل :
« الحسين السلاوي» الذي غناها بقوله: «طنجة يا العالية..عالية وبسواريها أو ليلها».
مدينة من ليل
و ينبغي على زائر مدينة طنجة أو عروس الشمال كما دأب المغاربة نعتها،أن يدرك ـ وهو بالمناسبة مما لا تشير إليه دلائل السياحة ـ أن طنجة لا تعرف زمنا هو النهار وإنما هي مدينة قدت من ليل.فدبيب الحياة يشتعل مساء بعد السابعة، حيث تصحو المحال التجارية على تنوع مشاربها:المقاهي، المطاعم، باعةالألبسة، المجوهرات، أكشاك الصحف، الجرائد والمجلات، باعة الوجبات السريعة ومفترشو الأرصفة. وأما الفنادق فتلفظ ساكنيها إلى الخارج حيث « البوليفار»(تقاطع شارع محمد الخامس وباستور)، أو إلى شارع محمد السادس على لسان الكورنيش. وثم تغازل العين امتداد الزرقة اللامتناهي، وتحلم برؤية الأندلس السليبة، أو برحلة كتلك التي أقدم عليها «ابن بطوطة» من هنا بالذات.
ويمتد ليل طنجة إلى الهزيع الأخيرفتسارع الأيدي لإدارة المفاتيح في أقفال المحال لتصحو المدينة على بياض نسج من فراغ وصمت،وكأني بساكينها هاجروها نحو مدن أو فضاءات أخرى.والواقع أنها ليست بالهجرة،وإنما استعادة الجسد لإيقاعات الحياة،وبالضبط لتوقيعات لحن»الباسيو»(الذهاب والإياب ليلا) على أرصفة «البوليفار»، أو»الكورنيش»،حيث تخطئ الأقدام سهوا الأرض التي عليها أن تطأها..
أسوار، أسواق وساحات
ويمكن القول بأن مدينة طنجة الدولية، هي مدينة مفتوحة على التعدد. والواقع أن مرجعية التعدد تعود من ناحية إلى العراقة التاريخية، ومن أخرى إلى التوسع المتمثل في امتدادات الوعاء العقاري.من ثم يمكن الحديث تاريخيا عن مجموعة من الأسوار والأبواب تؤرخ للمرحلة البرتغالية، والتي استدعت ترميمها وصيانتها.ويحق ذكر: القصبة، دار البارود، جنان قبطاني.. وأما الأبواب فمنهها: باب مرشان وباب البحر.
وتشير مجموعة من الدراسات التاريخية والمعمارية، إلى أن الأسوار بنيت بشكل متدرج وتحقق ذلك على أنقاض الآثار الرومانية القديمة.
ومثلما تتعدد الأسوار، نجد الأسواق على السواء. والأصل في تعددها تنوع البضائع والمنتجات المستوردة عن الأسواق الأجنبية ك: أسبانيا، إيطاليا وفرنسا، والتي تتضارب أثمنتها بين سوق وثان. واللافت أن العديد من السكان المغاربة يحجون شمالا لشراء البضائع والمنتجات النادرة. ونجد من بين هذه الأسواق:السوق الداخلي، كاسبراطا والسوق البراني. ونشير إلى أن الروائي والقاص « محمد شكري» خص السوق الداخلي بنص روائي نشر في:1985، بالموازاة وسيرته الذاتية ثلاثية « الخبز الحافي»، وضمنه يرصد حياة شخصية تجول السوق مستقرئة تفاصيله ودقائق الأشياء الموجودة فيه..
وأما الساحات والفضاءات الواسعة، فمن الخاصات التي تتفرد بها مدينة طنجة عن بقية المدن المغربية الأخرى، حيث تتيح إمكانات»الباسيو»( المشي)، إلى كونها فسحات للتجمع بين الأهالي بغاية تبادل الرأي والنقاش وتبديد قلق البيوت والعمارات.ويحق أن نستحضر منها: ساحة سوق المعاكيز، ويقال بأنها كانت مقرا للحاكم الدولي لطنجة، ساحة فرنسا، ساحة الثيران(بلاصا طورو) وساحة بني دارم.
إن التنوع السابق يجسد نموذج مدينة بمواصفات دولية جد دقيقة،برغم مظاهر الفقروالتسول.
معالم ومآثر
وتحتضن مدينة طنجة مجموعة من المعالم والمآثر،أرى أن أبرزها من حيث الجانب التاريخي، إلى ترددات السياح عليها ثلاثة معالم دالة تتجسد في التالي:
أ ـ مغارة هرقل.
ب ـ مسرح سرفانتس.
ت ـ مقهى الحافة.
فمغارة هرقل عبارة عن كهف شبه مغروس في بطن الجبل يعود تاريخه إلى 2500 قبل الميلاد، وتحقق اكتشافه عام 1906.ويقال بخصوص تسميته أن شخصية هرقل كانت تقدم في ذات المكان على محاربة قراصنة البحر.ومن ثم اعتبر بوابة إفريقيا وأوروبا.ويحج السياح إليه بغاية التمتع بمنظر الغروب، وهو ذاته ما يحدث لمقهى الحافة.
وبالنسبة لمسرح سرفانتس، فيعتبر تحفة معمارية اسبانية بنيت في العام 1913، وتسع قرابة 1400 شخص..وتذكر العديد من الروايات بأنه عاش عصره الذهبي لما كان الوضع السياسي في طنجة دوليا، حيث إن قيمته الثقافية والفنية تعززت وتقوت بناء على اتفاق تم بين المغرب واسبانيا في العام 1925، الشيء الذي جعلهم يدعونه ب: مسرح سرفانتس الكبير.ولقد تردد على خشبته فنانون عالميون منهم: أنطونيو كاروزو، وياتي أدلين، إلى فرق موسيقى الفلامنكو.
ومن المؤسف أن تكون هذه المعلمة اليوم مهجورة، تعيش الإهمال التام والتداعي للسقوط دون أن يتم التفكير بجدية في إنقاذها وصيانة قيمتها الحضارية والثقافية الرفيعة.
وأما مقهى الحافة، فيمثل مكانا بسيطا جدا،سواء في تأثيثه أو الشكل الذي يستقبل به زوراه وزبناءه، وثم تأسيسه في 1921 على يد»أبا محمد»، حيث عد من زواره الروائي الأمريكي بول بولز مترجم « الخبز الحافي» سيرة الراحل محمد شكري الذاتية، وعلى السواء كان الأخير من المترددين عليه، إلى الممثل الأمريكي»شون كونري». ويحكى أن البريطاني «وانستون تشرشل» زاره وألقى نظرة على مضيق جبل طارق.
إن هذه المعالم والمآثر التي تتفرد بها مدينة طنجة، بمثابة فضاءات مفتوحة على السياحة الدائمة سواء الخارجية أو الداخلية، ولئن ألقت الأزمة الاقتصادية العالمية بظلالها على المدينة، حيث انتكست السياحة الخارجية نوعا ما..
إلى الخبز الحافي
وارتبط اسم مدينة طنجة بالروائي والقاص محمد شكري، الذي نزح إليها من قريته الريفية «بني شيكر» في فترة المجاعة.والأصل في اسمه نسبة إلى مكان ولادته»محمد شكيري»إلا أن الاسم أدبيا وفنيا قر على»محمد شكري».بيد أن الملاحظ في مدينة طنجة غياب أية معلمة أو أثر يذكر ويذكر باسم هذا الكاتب العالمي اللهم مطعم صغير يحمل عنوان»إلى الخبز الحافي»، ويقع بالقرب من فندق ومطعم «ريتز» الشهير الذي دأب محمد شكري التردد عليه ومجموعة من الأدباء والكتاب المغاربة والعرب.وتقول روايات مختلفة بأن الصراعات العائلية حالت دون تأسيس متحف يتضمن آثاره ومقتنياته ورسائله. واللافت أن ما تعرض له إرث محمد شكري،ذاته الذي سقط فيه الروائي والقاص محمد زفزاف،حيث لا يكاد يذكر إلا من خلال المركب الثقافي محمد زفزاف الموجود بمنطقة المعاريف بالدارالبيضاء(كازبلانكا)..
ومثلما ارتبط اسم محمد شكري بطنجة، ترددت عليها أسماء عالمية من حقلي الأدب والفن وأقامت روابط وعلاقات بشكري الذي دون تفاصيل من حياتها، على صيغة يوميات أو مذكرات، ونشير في هذا إلى يومياته عن جان جونيه ومذكراته عن بول بولز وتينسي وليامز.وهي أعمال تؤرخ بدقة للمرحلة التي أقام فيها هؤلاء بطنجة، مثلما تجسد نوعية القضايا والنقاشات الأدبية والفكرية التي شكلت محور لقاءات وتجمعات شخصية.ويمكن القول بأن الكاتب المسرحي الفرنسي جان جونيه،ومن كثرة تردده على شمال المغرب اختار أن يدفن بمدينة»العرائش»،وهي إحدى مدن الشمال المعروفة.
بيد أننا نجد من بين الأسماء القوية التي فتنها سحر طنجة، وبالتالي أضواؤها، الفنان العالمي « ماتيس»، والذي أقام ب» الفندق الكبير» مدة زمنية طويلة تمكن من خلالها إنجاز أعمال فنية رائدة تقول الروايات بأنها بلغت(12 لوحة)،وتحضر فيها ـ أساسا ـ موضوعة النافذة، لعامل أساس تمثل في كون مرحلة إقامته صادفت سقوط أمطار قوية أعاقته عن الخروج، فاعتكف على الإبداع الفني والجمالي.
ويحق ـ كما سلف ـ ذكر البريطاني وانستون تشرشل، الذي سحر أيضا بأضواء طنجة في تجربته الفنية، حيث زارها العام 1943، بعد نهاية أعمال»مؤتمر أنفا»..ولنا أن نذكر على السواء الكاتب الإسباني خوان كويتصولو الذي جمع بين إقامتين: مراكش وطنجة،إلى المغني الفرنسي الشهير شارل آزنافور.
ويمكن القول في الختام بأن الراحل محمد شكري، وكما نزح من قريته الريفية، فإنه عبر إلى موته دون أن تحتفي به هذه المدينة التي خلدها في أكثر من قطعة أدبية من كتاباته المثيرة.