القرب أو مزمار القرب Pampipe آلات نفخ تراثية قديمة وجميلة من فصيلة المزامير ذات الريشة المزدوجة التي تسمى أحياناً (البلبل) أو (القشاية)، وهي عبارة عن شريحتين صغيرتين من الغاب الرقيق مربوطتين معاً ومثبتتين في الفتحة الضيقة من جسم الآلة الخشبي العلوي من خلال قطعة مستديرة من العاج أو البلاستيك يسندها العازف على شفته بحيث تكون الريشة داخل وسط الفم حرة التذبذب ينفخ فيها عن طريق أنبوب خشبي يتصل بقربة أو حقيبة من القماش لكن الصوت يصدر عندما يخرج الهواء من القربة إلى الأنابيب الخشبية الأربعة التي تتصل بالقربة من جهات أخرى كما في القربة الأسكتلندية، وعلى أحد هذه الأنابيب يوجد ثقب للتحكم في النغمات.
عرفت القربة وسيلةً للعزف منذ أقدم العصور وبخاصة في المنطقة العربية قبل أن تنتقل إلى أوروبا وتنتشر فيها ويصبح لكل دولة نوع معين ومختلف عن باقي القرب الموجودة في الدول الأخرى. وهي عبارة عن زق (جراب) من الجلد يستخدم مخزناً للهواء ينفخ فيه العازف بقصبة أو مزمار لملئه بالهواء وتربط بالقربة عدة مزامير تصدر أصواتاً متصلة ومرافقة للمزمار، منها ما له ثمانية ثقوب غالباً ما تعطي الألحان الأساسية المراد أدائها، ويعود تاريخ الآلة لأكثر من ألفي عام، عرفت مثيلاتها في آسيا وشمال أفريقيا وانتشرت في أوروبا خاصة فرنسا منذ القرنين 18،17م كما غدت الآلة الشعبية المفضلة في أسكتلندا، ولقد أطلق (ابن زيلة) على ما يشابه قربة الزمر في كتابه (الكافي في الموسيقى) اسم مزمار القرب (حسني الحريري- الموسوعة العربية السورية- المجلد الثالث- ص 162). والقربة تعتبر تطويراً لآلة المزمار البلدي والمزامير الشرقية ذات الريشة المزدوجة عامة، لكن ترجع أهميتها إلى كونها تطوراً مهماً لفكرة تخزين وتجميع الهواء ثم دفعه عند الحاجة بالكمية المطلوبة من خلال النفخ فيها وملئها باستمرار قبل نفاذه منها ليتم دفعه إلى المزامير بالضغط عليها بالأذرع وهي تحت الإبط الأيسر للعازف.
القربة الفرعونية
ابتكر قدماء المصريين خلال الدولة الحديثة آلة لها خزان أو مستودع خارجي يمكن للعازف أن ينفخ فيها من حين لآخر لاحتجاز الهواء داخلها كما أن لها ناياً ذا ثقوب مثبت في هذه القربة يلعب عليه العازف بأصابعه، صنعت من جلود الحيوانات المرنة ويضعها العازف تحت إبطه ويضغط عليها حسب رغبته، وقد نقل الإغريق هذه الآلة الشعبية إلى بلادهم ومن بعدهم الرومان حيث وصلت أسكتلندا بعد غزو الرومان لها في عصر يوليوس قيصر (د/سمير يحيى الجمال- تاريخ الموسيقى المصرية- الهيئة المصرية العامة- 2006م- ص 55). اسمها الشعبي المصري القديم (الزقرة) أو (الذكارة) وجمعها (ذكارات) من التذكير، وهناك تسميات عديدة ومختلفة فهي في شمال أفريقيا (الذكارة) وفي العراق (العنيز) نسبة إلى جلد الماعز الذي يصنع منه كيس الهواء الذي يغذي النفخ في المزمار المقرن إليه، والمزمار بالقربة المملوءة بالهواء قد يكون مزدوجاً من مزمارين ينتهيان بما يشبه البوق فيسمع له حينئذ صوت ذاهب في السمع (غطاس عبدالملك الخشبة- آلات الموسيقى الشرقية- الهيئة المصرية العامة- 2009م- ص124). كانت القرب المصرية القديمة بسيطة الصناعة، انتشرت بكثرة حتى القرن 18م، على مستوى الممارسات الشعبية المصرية الآن قل استخدامها كثيراً فكادت تختفي، لكنها عادت في السنوات الأخيرة كموضة جديدة وبخاصة في بعض حفلات الزفاف بالقرب، بينما ظلت تعرف وتستخدم باسم (الزقرة) بمرسى مطروح والسلوم والواحات والوادي الجديد كآلة شعبية بدوية لمصاحبة الرقصات والاحتفاليات والمناسبات الاجتماعية.
واستخدمت القرب في أوائل الإسلام كصنف من (الذكارات) أضيف إليه قربة صغيرة تساعد العازف على الزمر إذا شعر بإجهاد لذا سميت (مزمار القرب)، ثم رؤي الاستفادة من تخزين الهواء على هذا النحو ضماناً لاستمرار العزف وقت الحاجة فركبت على الكيس مزامير مفردة أو مزاوجة أكمل نغماً وجعل لها في نهاياتها أبواق لينتهي الأمر بتركيبه على كيس الزمر الكبير فصارت أكثر كمالاً واستخداماً في أحوال كثيرة وسهولة استخدامها عملياً بالتبديل بالأصابع على ثقوب المزمار المساعد له إذا لزم الأمر (غطاس عبدالملك- ص125).
فن القربة البحرينية
والقربة من الفنون الوافدة للخليج العربي ومسمياتها في البحرين (الجربة)، وفي الإمارات والكويت (الهبان)، وهو فن وفد مع هجرة القبائل العربية التي كانت تقطن الساحل الشرقي للخليج العربي حيث أن هناك عدداً من القبائل العربية التي نزحت من شبه الجزيرة العربية وقطنت هناك لفترة ثم عادت إلى الخليج العربي وبخاصة الساحل الغربي حيث استقرت وانتشرت وخرجت بأنماطها الغنائية التي لم يبق منها إلا فن (الهبان) أو (الجربة) حيث استطاع تفاعل هذين الفنين بخفتهما وجمال إيقاعاتهما ورقصاتهما مع الوجدان العربي والفنون الشعبية ضمن الفنون الوافدة حتى أصبح بالفعل من صميم روحهم. يصدر صوت القربة من خلال مزمارين أو أكثر يوضعان في أطرافها يعملان بدلاً من فم العازف والنفخ مباشرة في المزمار المزدوج المصري أو الأرغول على أن لأحدهما عدة ثقوب تصدر الحركة اللحنية المطلوبة بينما تكون الثانية بدون ثقوب لتصدر الدرجة الصوتية الواحدة الثابتة باستمرار من أول المقطوعة إلى آخرها طالما يضغط عليها وتكون تلك الدرجة الثابتة في العادة هي درجة القرار أي الدرجة الأولى أو الخامسة أحياناً للسلم أو المقام الذي تبنى عليه المقطوعة الموسيقية وهو ما يعد بمثابة أرضية أسفل اللحن الأصلي وهو ما يصطلح عليه موسيقياً Pedal Note وبذلك يسمع من القربة الواحدة صوتان أو خطان لحنيان أحدهما ثابت مستمر والآخر الخط الميلودي المطلوب (د/فتحي الصنفاوي- ص104).
وترتبط آلة القربة بالجفطي أو الجفتي (المزمار المزدوج) الشائعة بالعراق وسوريا وتركيا ومناطق أخرى بالشرق الأوسط كما يرتبط بالصحراء والبدو فيعزف في السعودية بمصاحبة إيقاع الخبيتي حيث يردد من خلاله التهليل وأغاني الزار كإيقاع عربي معروف، وتوجد ثلاثة تنويعات إيقاعية رئيسة لموسيقاها معروفة بأنماطها الإيقاعية التي يعتمدها المؤدون هي (الخيالي والخميري واللوتي) وهناك العديد من إيقاعات فن القربة كتفريعات للإيقاعات الأساسية وتبنى موسيقاها على الألحان دائماً، ويكرر العازف اللحن الأساسي مرات عدة كما تذكرنا بفن الليوة وآلة الصرناي غير أنها لا تتطلب مشاركة لفظية فعالة كما تؤدى موسيقاها في الهواء الطلق، يحضرها عادة مجموعة ترقص على إيقاع وأنغام الربابة لكنها لا تغني، ولا يغني العازفون أيضا عدا إصدار صيحات عرضية عالية النبرات يصدرها ضابطو الإيقاع مع بعض الحركات الاستعراضية من عازف القربة.
أشهر عازفي القربة بالبحرين المبدع الراحل درويش حسن والفنان خليل إبراهيم حسن (1952) الملقب بالمشخص لاحترافيته صناعة وعزفاً، ومن العازفين المشهورين: علي زايد- حسن مقيم- محمد عبد الرازق- صالح مبارك- محمد عبد الرحيم- كما أن هناك العديد من فرق القربة كفرقة: محمد القطان- حسين الحسيني- عبد الله المير- جاسم جمشير (خالد عبد الله خليفة- فن الجربة- مجلة الثقافة الشعبية- العدد 15- البحرين- ص 133-134 بتصرف).
القربة الأسكتلندية
تنتشر الآلة تقريباً بمعظم أنحاء العالم عدا المناطق المتخلفة كوسط أفريقيا ووسط أمريكا اللاتينية، وغالباً ما تضبط الآلة خماسياً، وهي الآلة الشعبية الأولى بأسكتلندا طبقاً للدكتورة أميرة غريب، ولا تخلو فرق الموسيقات العسكرية بالقوات المسلحة والشرطة في أي مكان من العالم من فرقة خاصة بالقرب Bagpipes، ولقد اكتسبت القربة الأسكتلندية خاصة شهرة كبيرة كصورة مصغرة من القرب التراثية القديمة، يعزف عليها الأسكتلنديون والأوربيون بالشوارع والمتنزهات والأماكن العامة بعد أن يوحي لهم صوتها بالمرح والنشاط والحيوية.