في أحد الكتب القديمة، التي لا يذكر أحد المفكرين أين قرأها بل وفقد الكتاب المعنون بـ(روح المكان)، ذكر أن للأماكن أرواحاً، ولا أنكر أن لي علاقة شفافة بأماكن زرتها في الطفولة أو حلمت بها ورأيتها في الواقع أو امتزج فيها الخيال بالممكن، المهم أن هناك شعوراً متبادلاً بيننا أو بين أرواحنا وبين بعض الأماكن، وعليه فالزمان الذي هو قسيم المكان بالإمكان أن يكون له روح سواء في عصور سالفة نقلت إلينا أخبارها كمملكة سبأ وملك سليمان والبساط الذي يطير في الهواء والصرح الممرد من قوارير أو كأزمنة خاصة بنا امتزجت فيها رائحة الماء بالطين بحبوب الهال ودخان السمر، يسارق كثير من الناس الزمان ويفرحون بقطعه سواء أنجزوا فيه ما يملأ أرواحهم بهجة وجلالاً أم قطعوه في اللهو المباح القاتل لكل حياة والمنهك لكل طاقة، المهم هو أن يتسرب هذا الزمن من بين أيديهم إلى غير رجعة إنهم ضجرون في زمن ضجر ولا يقيمون للسلام الداخلي أي وزن والذي لا يتم إلا باكتساب القوة وتصريفها بهدوء في منافذ الزمن المشعة على عوالم أخرى، إننا وفي رحلتنا في هذه الحياة لا نشبع من عمر واحد بل نتطلع بشغف أكيد لنيل أكثر من فرصة وعيش أكثر من زمن ولذلك نقرأ التاريخ بل ونعيش في أجزاء معينة من التاريخ ولكل منا جزائره العامرة بالحقيقة والخيال، بالقلاع والحصون، بالأنهار والجسور والأشجار الكبيرة الملتفة بعضها على بعض والتي نراودها فينة بين أخرى لنبني فيها ونهدم ونصف كل ذلك بالذاكرة ونراقب الحاضر بصمت لنستشف من بين أحداثها ماذا سيكون عليه الحال وإلى أين نحن سائرون وما الذي يخفيه المستقبل.
إن أرواحاً كهذه لا يمكن بحال أن يملى عليها ما الطريقة المثلى لاستغلال الوقت وما هو البرنامج الذي ينظم لها أيامها وأسابيعها، بل هي صاحبة نظرة شمولية تلف الزمن، بحضور واع، وعقل منفتح على مكامن القوة فتفعلها إلى أقصى ما يمكن لتمتلئ طمأنينة وسكوناً في لحظات التأمل والتقييم والمحاسبة الشفافة للنفس. إنها منظمة بلا تنظيم ومرتبة بلا ترتيب، فقد غطت صورة الإطار الأكبر على كل التفاصيل، ولوضح الرؤية وبروز الأهداف الكبرى أثر بالغ في تسيير هذه الإستراتيجية بصلابة ومرونة متوازيين فهناك فرصة لتغيير الخطط الضمنية وتقديم عمل على آخر وشعور على آخر وخطة ألف وباء وجيم في تناغم فاعل.
الزمن قطعة من اللامتناهي تهصر الأرواح وتعصر الأجساد لتقطر عصاراتها على كر السنين كسائل أصفر متغير ولكن الذي يبدو على السطح أننا نخسر الكثير والكثير من طاقتنا الموزعة على مشارب عدة منها النفس والناس والأعمال وغيرها من الاحتكاكات والمتطلبات التي تستخلص منا العافية فبعضنا شمعة تحترق لتضيء غيرها وبعضنا شمعة تحترق وتحرق غيرها، والأحرى بالإنسان ككائن مكرم بالعقل والسواء المزاجي أن يكسر هذه الحلقة المفرغة التي تلتهم أجساد الناس وأرواحهم بلا هوادة فيستبصر في نفسه وفي من حوله وفي المعطيات التي بين يديه من بيئات وبشر ومقدرات فيسخرها لنموه ونمو من حوله ممن يتحمل مثل هذه الممارسة ويعرض عن من يأبى إلا العويل والشكوى والاعتذار والتبرير والرغبة الملحة في الضياع والخسار كالذباب الذي يطن فوق النار ولا يزال يطن حتى تحرقه كقربان لسلطان الزمن في مشهد وثني فهم منه هذا المسكين أنها هي الحياة وهكذا يجب أن نقضيها، وعليه فالاهتمام بشأن الطاقة ورفع منسوبها وتوزيعها التوزيع العادل على حسب المهام والأيام تعطينا قدراً لا بأس به من الحضور والتفاعل القوي والإفادة الكبرى من روح الزمن.
حساب الناس للزمن يختلف من شخص لآخر ومن بيئة لأخرى ومن جيل لجيل ولكثرة الأحداث وضراوتها أثر في شعورنا بتسارع الزمن وإلا فاليوم أربع وعشرون ساعة بشكل ثابت ولكن المتغير شيء يتصل بالأمزجة وشيء يتصل بروح الزمن فزمن النبي سليمان عليه السلام وغدو الريح المسخر له شهر ورواحها شهر ليس كشهورنا، وشهر أيام الدجال الذي يكون كأسبوع ليس كشهورنا، ومضي الساعة آخر الزمان كاحتراق السعفة ليس كساعتنا واليوم عند الله كألف سنة مما نعد، والرجل العجول يسابق الزمن ويعدو وهو يلهث ويردد أن الزمن قصير والرجل الكسول يتمدد ببطء ويضجر من طول الزمن فمن المؤهل للتعرف على روح الزمن ونحن نعيش في غاشية الشتات وعشوا العين وضعف البصائر فما هو زماننا وما هي روحه وكيف نعانقها؟
نحن نؤكد على ضرورة الانغماس في الزمن الحالي والإحساس به واسترواح ظلاله والتقاط إشاراته والتمازج معه لتحقيق كينونة حاضرة لا ماضوية ولا مطاردة فكثير من الناس يعشش في الذاكرة ودائماً لا ينتقي منها إلا المشروخ والمخدوش والمؤلم وبعضهم لا يرى للزمن الحالي إلا أنه قنطرة لما هو قادم من لوحة دونكيشوتية (بطولات وهمية) رسمها في مخيلته ولم يدر بخلده أن كل الصيد في جوف الفرى وأن لزمنه الذي يعيشه في هذه الساعة روح ومازال ولا يزال يتجاهلها أو لم يرها أصلاً لغبش بصيرته وضعف رؤيته فهي دعوة لتنفس روح الزمن بقلب مستوعب ورئة نشطة وعينين مفتوحتين لأنك الإنسان ومن ثم فأنت المركز.