الموسيقى وآلاتها إبداع جمعي يعبر عن روح وعقل ووجدان المجتمع. وإذا أردت أن تتعرف على مجتمع أو أمة من الأمم، فاستمع إلى موسيقاها، وآلات الطرب فيها. ومن آلات الطرب الشرقية، البسيطة في مظهرها، الشجية في أصواتها، العريقة في تاريخها: الناي الذي لا يخلو تخت موسيقي عربي أصيل منه إلى جانب آلات التخت الأخرى: الناي - العود - القانون - الدف - الطبلة - الرق. وظل التخت كذلك لفترة طويلة حتى دخلت الكمان بشكلها المعروف، وانتشر استعمالها لتصبح هي الأخرى من أهم آلاته. كما أدخل عليه حديثاً بعض الآلات من فصيلة الكمان مثل (التشيللو) و(الكونتراباص).
لكن يبقي الناي -وهو آله النفخ الوحيدة في هذا التخت- الأقرب للأذن والوجدان العربي/الشرقي، بل البشري. وهو لا يقل في إمكاناته الموسيقية عن أي آلة أخرى. لكن استخلاص النغمات ودرجتها من الصوت الخام في الطبيعة عملية مرهونة بالحاسة السمعية والتصور والإدراك السمعي للإنسان.
فمن منا لم يحب صوت الناي، ويشعر أنه يعبر عن خلجاته، وشجونه. ومن منا لم يتأثر به، صغيراً أو كبيراً. وها هي (فيروز)، تصدح بأشعار (جبران خليل جبران)، وتذكرنا بهذا المشوار النغمي الطويل لأقدم آلات النفخ (الطبيعية) التي اخترعها الإنسان:
أعطني الناي وغني
فالغنا سر الوجود
وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود
هل اتخذت الغاب مثلي منزلاً دون القصور
فتتبعت السواقي وتسـلقت الصخور
هل تحممت بعطر وتنشفت بنور
وشربت الفجر خمراً في كؤوس من أثير
هل جلست العصر مثلي بين جفنات العنب
والعناقيد تدلت كثريات الذهب
هل فرشت العشب ليلاً وتلحفت الفضاء
زاهداً فيما سيأتي ناسياً ما قد مضى
أعطني الناي وغني وانسى داء ودواء
إنما الناس سطورٌ كتبت لكن بماء
ويتم النسج على منوالها بالقول:
أعطني الناي وغني، فالناي جـزء مني
تهفو إليه نفســي، ولشجاه الناعم خذني
دعه ينحي الحزن عني، فقد شبت في فجر سني
فلم أكن قديماً أغني، آه.. ليتني كنت أغـني
ونسمع صدى الناي بين الجبال، وفي السهول والوديان. آلة الفلاح لما يستريح من عناء فلاحته، وتسلية للراعي حول غنمه. وهو أنيس حادي القافلة عبر الصحراء الشاسعة الممتدة. فبصوته الشجي يبدد العازف/العاشق صمت الطبيعة في سكونها الخاشع. وما زفيره المنبعث من صدره خلال فتحاته.. إلا آهات ونغمات وشجون تلامس مشاعر المستمع.. فيصغي إليه وإلى لغة الوجود.
وثمة صورة أخرى تنبض بالحياة.. ترى فيها الشمس وقت الغروب، مرسومة على صفحة النيل، وأشعتها تداعب النخيل. ونسيم عليل تتراقص معه الطبيعة فرحاً على نغمات ذلك الناي تلك التي رسمتها كلمات (بيرم التونسي)، وشدت بها كوكب الشرق (أم كلثوم):
شمس الأصيل ذهّبت خوص النخيل يا نيل
تحفة ومتصورة في صفحتك يا جميل
والناي على الشط غنى، والقدود بتميل
على هبوب الهوا لما يمر عليل
يا نيل، يا نيل..
ويشيع استعمال الناي في الريف والحضر.. في مصر، والدول العربية. ولقد صاحب الناي الأداء الغنائي في شكل المدح والإنشاد الديني والصوفي وبخاصة فن (المولوية). كما صاحبت آلات النفخ كالأرغول، وغيره، الفنان الشعبي في حكايته للسير الشعبية كسيرة (عنترة بن شداد)، و(أبو زيد الهلالي)، و(الزناتي خليفة).
والناي من أقدم الآلات الموسيقية, وقد تم تصويره مع الفرق الموسيقية، في الحضارة المصرية القديمة، باعتباره عنصراً أساساً مع الصنج والكنارة. وبعض النايات الفرعونية معروضة بالمتحف المصري بالقاهرة. وأظهرت حفريات جدران المعابد المصرية أنهم كانوا يستخدمون أنواعاً مختلفة من آلات الناي. ورغم تعدد أشكالها فهي في الأصل قصبة مجوفة ثم تغيرت إمكاناتها وأشكالها. ومنها ما تبدلت وظائفها وارتبطت بفنون الغناء والإنشاد وتنوع الخبرة البشرية المتأقلم مع مختلف المناسبات الحياتية على مر العصور.
واقتبس اليونان الناي، وأسموه (مون أولوس) أي: (مزمار الحب). وسجله الإغريقي القديم على جداريات الحفر البارز والغائر ونقشه على آنية الفخار الإغريقية. كذلك شوهد في آثار الهند وأفريقيا في لوحات من نحت هذه الحضارات القديمة. وفي العديد من تلكم الشواهد الأثرية لوحظ تسجيل طريقة العزف على تلك الآلة. ومنها ما هو شائع إلى الآن، ومنه الذي تطور وتغير عند كثير من الشعوب.
والناي آلة موسيقية هوائية شرقية تُصنع من نبات القصب البري. وتتكون من قصبة جوفاء مفتوحة من الطرفين. ومنه نوع طويل، وآخر قصير (تتراوح طول قطعه الغاب المصنوع منها الناي ما بين 37 - 80 سم). وللناي ستة ثقوب على استقامة واحدة (كل ثلاثة منها متقاربة)، وثقب آخر في منتصف الخلف يتحكم به الإبهام. وهذه الثقوب مفتوحة بنسب حسابية وفق السلم الموسيقي العربي. فهو يُخرج السلم الموسيقي العربي الذي يشتمل على ثلاثة أرباع البعد الصوتي عند الدرجة الثالثة (السيكاه) والدرجة السابعة (الأوج). وهذه الأبعاد النغمية موجودة في الموسيقى المصرية الشعبية.
ومن أنواع الناي (الشبابة): قصبة جوفاء في جوانبها ثقوب ينفخ بها، وبعض ثقوبها مفتوحة والباقية مسدودة. أما (الزلامي): فمشابه للشبابة، وهو مزمار مصنوع من قطعتين منفردتين على شكل قصبة جوفاء مفتوحة الجانبين ومثقوبة الجوانب الأخرى. وينفخ فيها بقصبة أخرى قصيرة ونحيلة توصل الهواء لجوفها فيخرج الصوت حاداً وسريعاً. في حين أن (التيكر أو التيكي): آلة بها سبعة ثقوب تسمى في الموسيقى العربية (المسبع). وهي نوع من الزمر ينفخ فيه بواسطة قطعة دقيقة من القصب الرفيع توضع بالفم. كما يوجد (المجوز البلدي أو الأرغول).
ويعتبر الموسيقيون أن كل ألة يُنفخ على حافة قصبتها مباشرة سواء صنعت من قصب الغاب أو من الخشب (كآلات السلمية والكولة والعفاطة والأرغول والشاه وما يماثلها) هي -عملياً- فصيلة واحدة. وإنما تختلف في ألوان أصواتها تبعاً لاختلاف أطوال قصبتها وسعة قطرها والمواد التي تصنع منها. وتستعمل هذه الآلات في الأغلب الأعم في الموسيقى الشعبية والدينية.
ويصدر الناي أنغامه بطريقة النفخ على حافة فمه من الخارج. ومع تحريك الأصابع على ثقوبه بإيقاع منظم ينتج الصوت. وعندما يرغب العازف بالتصرف بالنغمات (استعمال علامات التحويل الرافع والخافض) يميل الناي للجهة اليمنى واليسرى من الفم.
ويشار إلى أن الموسيقى العربية تختلف اختلافاً جوهرياً عن الموسيقى الغربية لاحتوائها على نغمة ربع التون. وبدقة كبيرة.. يصدر الناي نغمات تساوي (تون كامل، ونصف التون، وثلاثة أرباع التون). لذا يستخدم أكثر من آلة ناي لتوفير ما تحتاجه المقطوعة الموسيقية من نغمات متعددة. ففي الأجواق العربية يبلغ عدد النايات المستخدمة حوالي (24) لاستخراج (24) طبقة صوتية .لكن أساس هذه النايات المتعددة: نايان (الشاه)، و(المنصور). يعتبر الأول أساس أو قرار لنغمة (البياتي) من (الحسيني). في حين يُستخرج من الثاني قرار نغمة (الراست).
وليس صوت الناي فقط هو الذي يشبع احتياجنا النفسي والوجداني، وإنما أبعاد نغماته (أبعاد الذبذبة الموجودة بين ثقوبه). فشعوب المنطقة العربية استخلصت أبعاداً نغمية صغيرة غاية في الحساسية تدخل ضمن أبعاد السلم الموسيقي الذي تحدد بسبعة درجات نغمية. وهذه الأبعاد توجد في مقام (الراست) عند الدرجة الثالثة والسابعة.
ويبرز دور الناي جلياً في أعمال موسيقية رائعة لكثير من الموسيقيين البارعين مثل: رياض السنباطي – زكريا أحمد - محمد عبد الوهاب – محمد الموجي – كمال الطويل – عبد الحليم نويرة – عطية شرارة – أحمد فؤاد حسن – وغيرهم. ومن أشهر عازفي الناي العرب: الفنان (جلال حسين)، و(سيد صالح)، و(عبده الشامي)، و(فوزي جلال حسين)، و(سيد سالم)، و(حسين فاضل)، و(مسلم رحال)، و(محمود عفت)، و(عاطف إمام)، و(رضا بدير) وغيرهم.
في بداية قصيدة (أغنية إلى هند) لـ (سناء الحمد بدوي):
أيها الناي، لئن شاقتك (هند) للتغني
فأطلق الأشواق لحناً، واحمل الأحزان عني.
جملة القول: تتميز الموسيقي العربي بطابعها الخاص.. تأليفاً وطرباً وموسيقي، وآلات وأداء. ويبقى الناي، وشجونه، وأنينه، ونغمته، وغناؤه.. قيثارة الأرض العربية تحاور، في الليالي الصافية، النجوم السابحات.