يعد علم الجمال أحد فروع الفلسفة التي تنصب على الفن وتهتم بمفهوم الجمال، وعلم جمال المسرح جزء منها. وهو بمعناه التقليدي يقوم على تحديد المعايير التي تسمح بالحكم على عمل فني ما من خلال مفاهيم جمالية محددة، منها الجميل والحقيقي وكذلك الذائقة، فهو بذلك يذهب إلى ما هو أبعد من توصيف المادة الفنية لأنه يعالج طابعها على ضوء التصنيفات الجمالية (المأساوي، المضحك، الدرامي.. إلخ)، ويتقصى كذلك كيفية تأثيرها على المتلقي (متعة أو تطهير)، ويطرحها كجزء من التجربة الجمالية في زمن ما.
ويتفرد العرض المسرحي بين الأنشطة الإنسانية الأخرى بتوظيفه لعدد كبير من المهارات الجمالية المتنوعة وفروع المعرفة المختلفة، فهو يوظف الأجهزة الكهربائية والإلكترونية وفنون المعمار والنجارة والتصوير والديكور ويوظف الكومبيوتر في الحسابات المالية وضبط الإضاءة ويوظف عدداً من المهارات في فروع الإدارة والحسابات والتسويق، وأيضاً في مجالات الموسيقى والصوتيات والتمثيل والرقص والغناء وهلم جرا.. ولكن قيمة المسرح وأهميته لا تكمن فقط في هذا القدر الهائل من المعرفة الإنسانية الذي يحويه بل تكمن أيضاً في قدرته على تحقيق التآلف والاندماج بين البشر على المستويات الجمالية والفكرية والاجتماعية. فالعرض المسرحي يساعد على التكامل بين النظرية والتطبيق، فهو يجمع بين الخبرات العضلية والخبرات الوجدانية والمعرفية، ويوحد الفن والتكنولوجيا ويوثق الروابط بين المؤدي والجمهور.
فالعرض المسرحي هو مجموعة من القناعات الضرورية، أي أنه نوع من الاتفاقات الموقعة بين الممثل والمشاهد لكي يتصل الأول بالثاني، وبالعكس، بغية إنعاش الإحساس بالحياة، وجوهره يكمن في النشاط الإنساني المتمثل بالفعل وشكله. وللعرض المسرحي لغة تقوم على نظام دلالي يعرف بنظام العلاقات (الإشارات) المرئية والسمعية، تستخدم في داخله لغات عديدة لنقل الأفكار بين المتكلمين من أجل تحقيق الشرط الاجتماعي الإنساني في التوصيل. كما أن العرض المسرحي لا يمكن أن يقدم خطاباً مسرحياً إذا لم يعتمد على الواقع والمجتمع والظروف الاجتماعية والتاريخية التي تسهم في إخراجه، كما أن العرض المسرحي الذي يسعى إلى أن يلغي الواقع والحياة الاجتماعية لا يمكن أن يجد صدى أو قدرة على صياغة التأويل الذي هو جزء مهم من عناصر الخطاب المسرحي.
إن تكامل العرض المسرحي بشقيه الجمالي والمعرفي هو وحده الكفيل بتحويل العرض إلى كائن فاعل، مُدرك وقابل لإثارة الأسئلة والاشتباك بذهن وروح المتلقي. غير أن هذه البديهية قد تتحول إلى إشكالية هي أقرب ما تكون إلى الكارثة التي تهدد حياة العرض المسرحي وتمس بشكل خطير سلامة وصوله إلى المتلقي (الشريك الحتمي والفاعل في العملية الإبداعية) تكمن هذه المشكلة في عدم قدرة القائم على العرض (المخرج) على صنع نوع من الانسجام (الهارموني) بين العنصرين (الجمالي + المعرفي).
ويمتاز العرض المسرحي بخصائص تحدد استقلالية المسرح وتؤسس لفنه:
الحضور المسرحي: ونعني به فعالية المشاهد في الزمان والمكان المحددين اللذين تتم فيهما عملية التلقي والمشاركة التي تعتمد بالدرجة الأولى على الممثل والمشاهد، وتتيح للحضور القدرة على التعليق على ما يمثل الممارسة الاجتماعية.
إنتاج الممثل وعمله: على تكوين الشخصية الدرامية التي هي إنتاج الممثل ذاته لشخصيته الحية وللشخصية الدرامية التي ينتهي وجودها المادي بانتهاء العرض المسرحي، وانتهاء تأثير الفعل في داخل العرض.
التحويلية: وهي القدرة التي يتميز بها العرض المسرحي في تحويل دلالة جميع الأشياء التي تفقد خواصها لكي تدخل في خاصية العرض وإنتاج المعنى فيه (أي مسرحة الأشياء) أو حالة التمسرح.
التزامنية: وهي عملية الإدراك والاستيعاب، أي إدراك أكثر من شيء في وقت واحد.
التركيبية: وهي القدرة على تركيب بنية فنية تحافظ على مصدريتها وخصوصيتها مثل الموسيقى. ولكنها تدخل ضمن تركيب العرض المسرحي (أي مسرحتها).
التكاملية: وهي بناء وحدة العرض المسرحي المتكامل الذي يفقد في الجزء خواصه، لكنه يظل يشترك في الكل، ويحافظ على وحدته ويدركه المشاهد كشبكة من المعاني لا كمعنى أحادي.
التتالي والتعاقب: الذي يعتمد على الدال والمدلول أي مبدأ الاستمرار.
فالعرض المسرحي لا يرتقي إلى فن إلا إذا امتلك خطابه، إذ إنه نظام للبينية الدرامية، يقدم لنا خطاباً مسرحياً يمثل قوة إدراكية تسيطر على الأفكار، والأحداث، والأفعال، والسلوك الواقع تحت الاختبار من خلال لحظة العرض وخطابه.
ولعل من أسرار خلود العروض المسرحية الكلاسيكية، خصوصاً، خلوها من كل ما هو منفر وكريه على صعيد الشكل والمضمون بعد أن تكون قد احتفت بالديكور المؤثر بشكله وقياساته الهندسية ونسق الأزياء وعقدة النص، وافتقارها إلى الحوادث المنفرة، فالعرض بجملته يمثل صورة مشهدية آسرة، لا يمكن لها أن تغادر المفهومات الجمالية حتى في أشد الحالات المؤسية نظراً لما تمتلكه العناصر الفنية المؤسسة لكيان الصورة من خواص القيمة الجمالية، وهذا ما يجعلنا نتحرق شوقاً لرؤية عرض مسرحي كلاسيكي رغم مظاهر التحديث في عصرنا التقني. وعلى العرض المسرحي أن يحمل جوهر الإنسان في حركته وصراعه وتشابكه، ولا يكتفي العرض المسرحي بالصراعات وتوترات الوجود من دون أن يؤثر في ذلك. فهو انعكاسات لعلاقات قائمة في الواقع ولتطور هذه العلاقات في التاريخ، لأن العرض المسرحي هو الكشف عن حالة الاغتراب في المجتمع، أي الكشف لشبكة العلاقات المادية، أو العلاقات الفكرية الروحية، أو العلاقات المادية الفكرية.
إن العرض المسرحي محمول وفق وسائط فنية تقنية وبشرية، تكون مصدر جذب وإغراء بما يحقق المتعة والرضا لدى المتلقي وهما يعدان الشرط اللازم لتحقيق مفهوم الجمالية على وجه التحديد، فالجمالية في العرض المسرحي هو الموضوع المتمثل في شكل العرض وهو الباطن الذي يتأسس عبر البنية الداخلية لنص العرض بأنساقها المتنوعة.. وما دام العرض المسرحي فناً بصرياً، يكون الشكل فيه عنصراً فاعلاً في تجسيد مفهوم الجمالية، فالمسرح فن، والفن هو ما تصبح به الأشكال أسلوباً.. وتكون خاصية الفن كامنة بكل دقة في درجة التسامي بالموضوع، وبقدر ما يكون أكثر التصاقاً بالأرض، بقدر ما يكون أقل إمكانية في الفن.
وثمة امتدادات لا متناهية توحي بها أنساق منظومة العرض السمعبصرية والمعبر عنها بهيئة إنشاءات بصرية تكون من فرط بهائها وروعتها ذات هيمنة تحكم طوقها على ذهن وانتباه المتلقي، فتبدو على قدر من السحر والعظمة في إظهار الحالات الماورائية للصورة المسرحية ومدى قدرتها على توليد الاستجابة الجمالية، بوصفها مثيراً أو حافزاً ضمن مثيرات عدة تبعثها الأنساق المؤتلفة ضمن منظومة الخطاب المسرحي، فعندما يتناهى إلى سمع المتلقي مؤثر موسيقي مجتزأ من إحدى السيمفونيات العالمية أو أية مقطوعة موسيقية سامية، فلا شك أن المتلقي سيحلق برؤاه في خضم العوالم التجريدية اللانهائية التي تبعثها في نفسه تلك المقطوعة المجسمة للحوار الدرامي فتولد السمو في عاطفة المتلقي.
والشيء ذاته يمكن أن توصف به الإضاءة وما تحدثه من أفعال وردود أفعال وإيحاءات تعبيرية يصعد تشغيلها المحسوب بدقة مستويات التأويل والانسراح الذهني لدى المتلقي بما تخلفه الصورة الحسية من شعور بالرضا. أما الديكور ونسقه وما يختزنه من تأثيرات جمالية تثري عين المتلقي إذا صمم ونفذ بنحو يغادر المستوى التشخيصي.
كما أن للأداء التمثيلي إمكانيات غير محدودة في إظهار جماليات العرض، إذ أن الجسد الإنساني بقنواته السمعية والبصرية والحركية يختزن كماً من الطاقات التي إذا ما استنفرت بنحو خلاق، ستكون بؤرة للإشعاع الجمالي ضمن حدود المدرك المحسوس بما في ذلك المشاعر. يقول كوزان: «العديد من لغة الإشارة والإيماءات تكمل اللغة المنطوقة، مثل التعبير عن العواطف، كالدهشة والغضب والخوف واللذة، وتعبيرات جسدية عن تجاوب الجسد تجاه الجذاب والمنفر، أو الحركات العضلية كبذل مجهود». ويقول زولا: «لكي أضع كوارث الحياة اليومية جنباً إلى جنب مع ما يعانيه أبطال قصصي من أوجاع مخيفة، حاولت باستمرار التوفيق بين الجو العام في قصصي وبين الوظائف العادية التي تضطلع بها شخصياتي حتى لا يظهروا بمظهر الذي يمثل، بل الذي يعيش، أمام النظارة».
وهنالك مواصفات ومقومات للعرض المسرحي الناجح يمكن إدراجها كما يأتي: هيمنة الإخراج المرئي على فضاءات العرض. وغزارة الإيحاءات والإشارات التعبيرية المتحققة عبر الأداء اللفظي وغير اللفظي، سيادة الخطاب البصري على خطاب النص، توافر العنصر الجمالي بوصفه هدفاً فنياً وتعبيرياً، أن يكون العرض بكامل مفاصله أنموذجاً للسمو الفني والأدبي والفكري والاجتماعي، إدارة الصراع على وفق رؤية إخراجية تنأى عن التداولية تحقيقاً للصورة المبتكرة التي تصدم ذهن وذائقة المتلقي من فرط روعتها وجديتها، أن يكون العرض المسرحي في منأى عن الغرضية أو المنافع التي تطرد كل ما هو جميل. أي أن يكون العرض رائقاً للجميع وحسب، أن يتحف العرض بأداء تمثيلي يوقظ الحياة الداخلية للمثل بحيث يؤجج مشاعر المتلقي من شدة إتقانه وتكنيكه، أن يخلو العرض المسرحي من كل ما هو مقرف أو منفر على صعيد الشكل والمضمون، احتكام العرض المسرحي إلى الإيقاعات السمعية والبصرية والحركية المتناهية وفق ضوابط تقتضيها الأحداث والمواقف الفكرية والضرورة الدرامية، أن تكون ميزانسينات العرض المسرحي مبررة لكي تكون قابلة للتصديق جمالياً، فالعرض ذو البنية المتحركة هو العرض الأسرع وصولاً لوجدان المتلقي، كذلك تضايف المبدأين القصدي والعفوي في إنتاج الصورة المسرحية على وفق أسلوب يقترب كثيراً من التلقائية.
وهنا يمكننا أن نقول: إن العرض المسرحي، لا يمكن أن يكتمل إلا عند الانتهاء من مشاهدته، أو قد يكتمل العرض المسرحي عندما يشاهد المشاهد في ذاته أو خلال الحياة وقائعه. فالعرض المسرحي يعيش مع المشكلات، ويكتمل مع الحياة، من خلال قراءة الحياة استناداً إلى خبرة العرض.