مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

أكون أو لا: سؤال للدراما الخليجية

كان هذا التساؤل عنواناً لعمل درامي خليجي، ومضمونه الصراع بين العلم والجهل من خلال صراع طبقات في مجتمع منغلق معزول عن المدنية الحديثة، وعلو الطبقة التي استخدمت الغيب سلاحاً لها، حتى وصل إلى الذروة فسقط! إلا أن مضمون (أكون أو لا..) حمل سؤالاً أكبر هو سؤال المصير.. فهل تكون الدراما الخليجية أو لا؟ عمل راهن عليه أصحابه، وصرح بعض العاملين فيه على أهمية الدور الذي لعبوه، مع إثارته لردود الفعل الكثيرة!.
هذا السؤال الكبير مصيرياً أردته من حيث تحديد موقع الدراما الخليجية.. فأين وصلت من تقدم وإبداع بعد هذا التاريخ المنهك؟.

والمشكل أن الإجابة كانت حاضرة لدى المؤلف (حسين مهدي) والمخرج (علي العلي)! وهل ثمة ضعف في بنية السؤال أشد من أن يحمل في داخله الإجابة اليقينية! (وسأكتفي بنقدي على بناء الشخصيات فحسب! وإلا فالعمل متهالك في جميع أوجه بنائه)!.
يبدأ المؤلف العمل بقوله «هي فترة عشناها بكل إيجابياتها وسلبياتها، فاستخلصنا منها هذه الرؤية! لتكون خارطة لفهم مجتمعنا»!! 
هذه الجملة مدخل للعمل حملت في طياتها (Remote Control) للشخصيات التي كانت كالدمى بلا روح، يحركها المؤلف بطريقة أقرب إلى لعَب الأطفال بيد سيدها!.
العمل يقوم على شخصيات رئيسة، وما سواها تابع لها: 
آمنة (باسمة حمادة). الشيخ عبدالملك (إبراهيم الحساوي). سالم (حمد العماني). عزيز (خالد أمين). الشيخ هاني (محمد الصفّار). مصطفى (صلاح الملا). سجى (صمود). فتحي (سامي رشدان). ثريا (أسيل عمران). 
الصراع بين العلم والجهل
(محاربة الحب = جهل، والإيمان بالحب = علم). 
والموضوع في العمل هو (الحب).. وذواته هم: (آمنة ومصطفى)، (سالم وثريا)، (فتحي وسجى). والعائق هو: الشيخ عبدالملك (الدين المزوّر). ولكي لا يظهر الدين كعائق للحب جاء بشخصية الشيخ هاني (الدين الصحيح)!. 
انتصر عبدالملك إلى أن ظهر (عزيز) كانتهازي يلعب مع المنتصر؛ فهو مع استغلال الدين حتى وجد أن ورقة المنافسين هي الرابحة فقلب على صاحبه عبدالملك! (وقد يُعد هنا مساعداً لانتصار الحب). 
قيود المجتمع التي أجهضت الحب هي الدين المغلوط (على حسب فهم المؤلف) ويمثله الشيخ عبدالملك ويعبر عن جهل المجتمع. في مقابل هذا صورة للدين الصحيح (على حسب فهمه أيضاً) يمثلها الشيخ هاني (محمد الصفار). وبشيء ثانوي في العادات التقليدية في مفهوم الكفء كإرادة والد ثريا أن يزوجها من رجل ثري يتناسب مع وجاهته الاجتماعية. ولننظر الآن كيف سارت الشخصيات لتحقيق أهدافها؟
يريد المؤلف أن يبث رسائل توعوية من وجهة نظره فيستنطق أي شخصية دون الالتفات لتاريخها النفسي (ولو كان فرويد بيننا لأعاد كتابة علم النفس من جديد بناء على مفاهيم جديدة، نقض بها حسين مهدي ما سبق)!
ولنأخذ أولاً: الشيخ عبدالملك وجماعته الدينية: 
الشخصية باهتة؛ كيف تعمق مفهوم امتطاء الدين لمآرب عميقة؟ والمدينة مطبق عليها الجهل وعبدالملك واحد من أبناء هذه المدينة. 
كل ما نعرفه عن عبدالملك أنه فقير محروم ويسرق الدجاج؟!! ناهيك عن جماعته الذين هم أشبه بالشخصيات المفتعلة من قبل المؤلف؟ فمن أين جاؤوا؟ وماذا يريدون؟ علي الجابري (أبو هلالة) والتبعية لعبدالملك الغامضة ما أسبابها؟. 
وماذا عن ذلك البريء (حسين الجمري)؟!.
ولننتقل إلى الشخصية المقابلة (الشيخ هاني) التي تمثل التدين الصادق في نظر المؤلف! ماذا نعرف عنها؟ إلا أنها شخصية منطوية دون سبب لهذا الانطواء!! وبعد مضي حلقة أو اثنتين يخرج ليقول: اتقوا الله!! ثم يضربه أبو هلالة!! فيسكت!!.
وسالم (حمد العماني) وشخصيته الانطوائية في أول المسلسل وعدم استطاعته حتى مشاهدة البنت إذا عبرت من أمامه! وبشكل فجائي تتحول هذه الشخصية إلى ثورية مجاهرة بالحب والتحدي دون سابق إنذار نفسي من المؤلف!!.
كما نجد إيمان سبت (أخت ثريا الصغيرة) تلك الشخصية التي جاء بها المؤلف فقط ليبث من خلالها رسائل!! بإمارة تناقض الشخصية، فكل أربع حلقات لها شخصية بنفسية مختلفة! تحتاج إلى تحليل نفسي مغاير للتي قبلها!!. وخذ أيضاً فتحي وسجى ووو...
ولو انتقلت إلى الكلام عن علاقة الشخصيات بالحدث (استطاع الشيخ عبدالملك استغلال الجهل المنتشر في المدينة, وسيطرته على جميع طبقات المجتمع بالدين مقنعاً تلك الطبقات بأن غضبه هو غضب الله)!!. الشخصيات هنا تتصارع بين تصديق به وتكذيب.. ما الذي يجعل المكذبين له يسكتون؟ فمثلاً عزيز قد يقال إنه الانتهازية الموجودة في شخصيته، ولكن ماذا عن مصطفى المحب الهائم المنتقد لتصرفات عبدالملك؟ ماذا عن حمزة.. ذلك التاجر البخيل؟ لا أجد إلا أنها محاولة صناعة رسائل موجودة في ذهن المؤلف تمثل هذا الصراع عن طريق الدراما التي جعلها كلعبة شطرنج بين يديه!! والمفترض أن هذا العمل مستوحى من أحداث واقعية بناء على كلام المؤلف في أول العمل!. 
وأما شخصية آمنة (باسمة حمادة) فهي مثال فاضح يبيّن تهافت هذا التصارع!.
فأسأل هنا: كيف سقط القناع عن الشيخ عبدالملك بواسطة آمنة واعتصامها مع صاحباتها ضده (في إشارة لسقوط الزعماء!!)، إلا أن من رأى المتظاهرات لا يرى بوادر ثورية!! فآمنة التي قادت الثورة لم يظهر منها تجاه عبدالملك طوال المسلسل إلا الخضوع وتزويج ابنتها له! متوغلة في الجهل! فمن أين جاءت بهذه الشخصية الجديدة الثورية؟!.
سيقال بسبب دفاعها عن (الحب) وهذا ما حصل لأن حبيبها مصطفى سجنه عبدالملك.. لكن هل يعني هذا أنها اعتدت على الدين (لأنها مصدقة) أم أنها تعلم كذب عبدالملك وهذا ما يعاكس شخصيتها طوال المسلسل!!.
وأخيراً: هل نصلي صلاة الميت على الدراما الخليجية أم ننتظر لعل الرجل العجوز يصحو من الغيبوبة؟
ذو صلة