الفكر سمة بشرية وجهد إنساني متراكم، كرّم الله به الإنسان وميزهُ عن كثير من مخلوقاته، وأضحى الفكر مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً في عوامل عديدة، منها ما هو خارج عن إرادة الإنسان في أسس موضوعية، يستمد منه مادته، وأخرى مرتبطة بذاته.
للفكر كيان ووجود مستقل في جوهر الإنسان، يقوم على الحرية والإبداع. وسمة التعدد والتنوع والتطور في الفكر حالة طبيعية ينبغي لها أن تسود بين المجتمعات، وألا تخضع لمنهج واحد وصيغة واحدة، أو رؤية واحدة ليشمل كلَّ الأبعاد في المناقشة والجدال حولها، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، لأن التنوع ثراء فكري وغنى معرفي، وتراكم ثقافي، يصب في النهاية في المنتج الحضاري للمجتمعات بشكل خاص، وعلى الإنسانية بشكل عام، والفكر منبع الإبداع بشقّيه المنطقي من حيث الترابط والمنهجية، والواقعي من حيث مرتسماته ووجوده في تفاصيل الواقع. وأضحى الإبداع قوّة لم تُؤت لغير الإنسان في حالة متجددة ومتراكمة، فالتقدم الذي أحرزه الإنسان في جميع ميادين الحياة عبر العصور، وانتهى إلى ما يسمى بالثقافة والحضارة هو نتيجة للتقدم الفكري والعلمي والتقني الناتج عن قدرة الإنسان على الوصول إلى الجديد في النظرية والتطبيق.
للفكر حالة فعل وانفعال، يتناول الواقع سلباً أم إيجاباً، في عالم مجرد، ثم يعكسه ويندمج فيه، أو يقاطعه ويعاديه، كما يتعاطى معه بعمق أو بدون عمق، باندفاع أو بتبصر، يهتم بشكله وصورته أو بمحتواه ومضمونه أو بهما معاً، يعامله بصدق وصراحة أو بنفاق وخداع، ولكن يبقى له الدور الأساس في تغيير ظروف الحياة في مختلف جوانبها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.
للفكر حالة التعدد والتنوع بتنوع بيئات الشعوب والأقوام والأمم والمجتمعات الجغرافية والسياسية وغيرها، وهذا التنوع أنتج ثقافات وحضارات وفلسفات وديانات وضعية متنوعة في هذه البيئات، ويتعدد بتعدد مجالات الحياة التي تتميز بالتنوع والتداخل في المجتمع الواحد والبيئة الواحدة والحضارة الواحدة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً ودينياً وفلسفياً وعلمياً. إن تنوع الوعي التاريخي والظروف التي مرت بها البشرية عبر الحقب التاريخية المختلفة؛ جعل بحوزة الإنسان أنواعاً وأنماطاً وأشكالاً شتى من التفكير، ذات معايير شتى في تصنيفها، يعجز الإنسان عن الإلمام بها جميعاً في وقت واحد، تشمل الكثير من الجوانب الإنسانية المشرقة وغيرها ذات الطابع العالمي الشمولي العام، وتتعرض لتياراته الفكرية الكبرى من خلال التواصل بين الموروث والوافد، وتتأثر من دون شك بما يجري في العصر من مستجدّات ومتغيّرات في كلّ مستويات الحياة، وتتعرض لمدارسه الفلسفية المختلفة التي ارتبطت هي الأخرى في نشأتها وتواصلها، كما تتعرض للتحدّيات التي تواجهه وتحوّلات العصر، وللآثار والتداعيات والانعكاسات التي خلّفتها تحوّلات العصر وتوجّهاته، والوصول إلى السبل الكفيلة بحل المشكلات وتجاوز الصعوبات، وللفكر دور أساسي في الحفاظ على المجتمعات ضمن تحولات العصر الخطرة، كما يتضمن معادلة متوازنة تجمع الحداثة والتحديث والتراث وتسمح للفكر بالتطور والازدهار والإسهام في بناء حضارة لكل عصر من العصور من دون أن يتخلّى عن خصوصياته، وللفكر علاقة بقدرة الإنسان على النظر العقلي في الموضوعات، وإنتاج المعرفة وتداولها والاعتماد على العقل في الإصلاح ورسم التقدم، وفي تنظيم حياة الفرد وتوجيه حياة المجتمع في جميع مجالاتها، ويعد من الفكر قدرة الإنسان على التأمل والتدبر والتفكّر والتبصر والتعقّل والتنظير وإعمال العقل باستخدام كلّ فعاليات الذهن ونشاطاته في الوجود الفردي الذاتي، وفي الوجود الاجتماعي الموضوعي الخارجي وفي الوجود الإنساني العام والموضوعي، وكذلك في الوجود الغيبي الميتافيزيقي. والفكر يختلف ويتباين من فرد إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر من حيث الأسلوب والاهتمامات والغايات والمبادئ والمنطلقات ودرجة المعرفة ومعاييرها، ودرجة العمق وشروطه، ودرجة الوفرة والكفاية ومجالها، ومدى الدقة وحدودها، الأمر الذي يدل على أنّ الفكر تتحكّم فيه عدة عوامل متداخلة بعضها ذاتي في الإنسان وبعضها موضوعي، بعضها داخلي وبعضها خارجي اجتماعي وطبيعي وغيره، بعضها قديم وبعضها حديث وآخر معاصر.
لقد عرف الإنسان أنواعاً شتى من التفكير تتعدد وتختلف باختلاف مصادرها ومحدداتها وموجهاتها، ومن هذه المصادر والمحددات والموجهات تكون جغرافية ولغوية وبيئية ودينية، وهي مصادر ومحددات وموجهات الفكر الذي ارتبط باللغة والبيئة وتطوّر مع الاحتكاك والتواصل والانفعال والتفاعل مع أنماط التفكير الأخرى، ومرّ بظروف ومراحل تاريخية أسهم فيها وأسهمت فيه، حتى وصل إلى العصر الحديث والمعاصر بالصورة التي هو عليها في كل مرحلة، وفيه التقت عدَّة أفكار وعدَّة ثقافات وعدّة ديانات وعدّة فلسفات، خصوصاً بالنسبة للجانب الإنساني العالمي فيه، وله من العناصر الذاتية والمحلية ما يتميز به عن غيره، هذه المكونات بقسميها الخاص والعام تدل بجلاء على وجود نوع من الفكر هو جزء من رصيد الفكر العالمي والإنساني بشكل عام.
لما كان الفكر نشاطاً إنسانياً مرتبطاً بالظروف التاريخية وحركة بشرية تمليها الأوضاع التي يعيشها الفرد وتعيشها الجماعة ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً في عصر من العصور، فإنّ الظروف التاريخية والاهتمامات والانشغالات والمشكلات والتحديات والتحولات التي عاشها ويعيشها الإنسان في العالم في العصر الحديث والمعاصر تختلف تماماً عن تلك التي عرفها المجتمع القديم، وهي كثيرة منها الاستعمار، الاستقلال، الإصلاح، النهضة، التخلف، التحرر، الحداثة، ما بعد الحداثة، التجديد، التنوير، القومية، الليبرالية، الاشتراكية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، المجتمع المدني، العلمنة، العلمانية، الأتمتة، والعولمة وغيرها، فالفكر يشمل كل البحوث والدراسات والمشاريع الفكرية والفلسفية التي تشتغل ببحث المشكلات والقضايا والانشغالات في العالم، وتلك اهتمامات المجتمعات القديمة والمعاصرة بصفة عامة.