ما الرابط المشترك بين الكاتب والقارئ؟ وما تعريف الكتابة والقراءة؟ أسئلة ترددت العقول في إجابتها وتنحت الأقلام جانباً عن كتابة أسبابها، في الترتيب الأول نجد الكتابة تسبق القراءة لأنه دون الكتابة لن توجد القراءة والاثنان معاً يمثلان سلاحاً ذا حدين، أو بلغة الرياضيات في علم الهندسة هو: ذلك الخط المستقيم الذي له بداية وله نهاية، وبداية ذلك الخط المستقيم هو الكتابة ونهايته هو القراءة، للكتابة أنواع عديدة تدخل تحت مسميات: (الكتابة الإبداعية) تختص بالأدب (الكتابة التوظيفية) تختص بالعلم والأبحاث والكتب العلمية (الكتابة الصحافية) تختص بالأخبار والتقارير والتحليلات.
الكتابة هي تلك الكلمات المركبة التي تنبعث من الوجدان لتصل مباشرة للعقل، تصف الشعور بدقة، ولتتحقق الكتابة يلزمها أدوات وهي خط ولوح للكتابة عليه، في العصور القديمة كانت أولى محاولات الكتابة عبر الأدوات الحادة كالمسامير ولذلك من أقدم أنواع الخطوط هي الخطوط المسمارية الأصعب في تاريخ الخطوط وظهرت نحو 3000 ق.م، ثم أتت فيما بعد الريشة والحبر، والخط هو ملكة تنضبط بها حركة الأنامل بالقلم على قواعد مخصصة، قد وصفه البعض بأنه هندسة روحانية وآلة جسمانية، والخط يُعرف بكتابة الحروف المفردة لتصبح كلمات مركبة تتكون من الجمل، أما عن اللوح فتمثل قديماً في الجدران والمقابر حتى اكتشفوا الورق البردي من ثم أتى الورق، وقد مرت الكتابة بكل تلك المراحل البدائية لنصل لوجهتنا هذه الآن. قد ظهر أول كاتب معروف في بلاد ما بين النهرين مُسجل في التاريخ نحو 2300 ق.م وكانت امرأة تسمى (إنهيدوانا) ومعناه (زخرفة السماء)
في رأيي أن للكتابة رائحة، الكتابة على الرغم من أنها فن لكنها تمتلك رائحة كل ما تزخرفه الحروف من أشكال وصور، تلك الرائحة التي تستنشقها في كل نوع من أنواع الكتابة المذكورة، رائحة الدم التي تنبعث من قصص الجريمة، رائحة الفضول من قصص التشويق والإثارة، رائحة العوالم الأخرى والأساطير التي تفوح من القصص الفانتازيا الخيالية، رائحة الأماكن العتيقة التي تحكي التاريخ، رائحة العاطفة تعيش بداخل القصص الرومانسية، رائحة الدفء التي تملأ المنزل بالقصص الاجتماعية، حتى للخوف رائحة في الحروب والصراعات، وللمطر رائحة كالتراب الذي يأتي مع الخريف، للكاتب مهارة أن يجعل قارئه يستنشق الروائح، رائحة الجثث التي تعج من المقابر والمستشفيات، كل ذلك يمكن من خلال براعة الكاتب وقوة تخيله، لكل حرف من حروفه، القراءة تشجع الكاتب على الكتابة فهو مؤمن أن (القراءة هي الكتابة المؤجلة).
من هو الكاتب؟ هو رب عمل الكتابة، هو خالق كل ما يدور في إطار تأليفه؛ (شخصيات، أماكن، أزمنة، صراعات وذروة، حلول ونهاية) ينتهي بنتاج أدبي ممتزج بسرد أحداث مع لمسة خيالية وصياغة جمل وكأنه يبرع في إظهار عظمة لغته الأم، تظهر خبايا شخصية الكاتب أيضاً بين السطور، فهو وحده البطل الذي يصنع الصراعات ويقيم الحروب، يغلق باب السماء عن الأمطار ويفتحها لتوبة بطل من أبطاله، هو ذاك الماهر الذي يُشعِل النيران في قلب القارئ نيران غضب أو ألم أو قلق، هو الباعث للطمأنينة والسكينة في قلوبهم أيضاً، قدرة الكاتب هي قدرة لا يتحدث عنها أحد في حديثه، ولكنه يستحق الإمعان في صناعته الأدبية وقراءة علومه ومعرفة ثقافة أبطاله وآرائهم في البيئة المحيطة بهم، فبقراءة كل كتاب من الكتب ستتفتح آفاقك وتشتعل رغباتك وسط ما ستكتشفه، الكتابة توضع تحت سقف الطبخ أيضاً، فالكاتب هو طباخ ماهر يطبخ وجبته بتوابله ومكوناته الخاصة السحرية، التي تضيف للوجبة لذة ورائحة، الكاتب أيضاً هو المهندس الذي يبني مبنى شاهقاً ويختار ديكوراته بعناية فائقة، الكاتب هو الموسيقار الذي ينتج موسيقاه عبر نغمات موسيقية تلعب على أوتار اللحن، فالكتابة فن لن ينتهي مهما مر الزمن.
ثم تأتي في النهاية القراءة، وحثنا الإسلام عليها فنزلت أول آية قرآنية من سورة العلق على رسولنا الأمي محمد صلى الله عليه وسلم: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). القراءة هي اكتساب مجموعة واسعة من المهارات والمعارف التي تطور من شخصياتنا وتزيد من حدود ثقافتنا، يصبح الإنسان ناضجاً لدرجة تسبق عمره وسقف ثقافته العامة بسبب القراءة، عند ممارسة القراءة تشعر أن الحروف لها صلة قوية بينك وبينها، ترى الحروف مرسومة بدقة في الصفحة، كأنها لوحة مزخرفة تتمعن فيها بعينك، ترى كلمات مكتوبة من شخص يتحدث إليك عبر الورق، القراءة هواية تُضيف للقلب المشاعر وللعقل المعلومات وللروح اكتساب أصدقاء جدد وهم أبطال روايتك الجديدة وكاتبها، وعلى الرغم من اختلاف أسباب القراءة بين متعة التعلم أو الاستطلاع إلا أن فهم النص هو الغرض الأساسي منها. فالقراءة دون فهم كتناول الطعام دون هضم، القراءة والكتابة وجهان لعملة واحدة، القراءة تحصيل معلومات في الذهن تُكتب لاستفادة أذهان أخرى بها، فتلاحظ زيادة مفرداتك اللغوية كلما انتهيت من قراءة نص، القراءة هي الطريقة الوحيدة للارتفاع بخيالنا أعلى أفق أحلامنا في السماء، لذلك زادت أنواع الآداب في العالم وأصبحت كل دولة تتميز بحضارتها وأدبها الخاص.
أيضاً القراءة لا تقتصر على عمر، فالقراءة لكل الأعمار ومختلف الأفكار وتنوع الموضوعات التي تناسب أي شخص، قد اهتم أجدادنا الفراعنة بالقراءة والكتابة حيث خلدوا تاريخهم واعتقاداتهم على مقابرهم وعلى الأوراق البردية التي تمثل كنوزاً وآثاراً في شتى بقاع العالم، الكتابة بالنسبة للكاتب تشبه أطفاله، يصب مشاعره في اختيار كل حرف فينجب ابناً جديداً يدخل في نتاجه الأدبي كتاباً يلازم الكتب الأخرى، أما القراءة لمحبيها هي الانعزال في عالم آخر بالإرادة الحرة فيختار القارئ المؤلف والنوع الأدبي الذي سيقرأه، قد يكون في كتاباتنا نحن المؤلفين قطرة من الحقيقة ولمحة من الإلهام. عند الكتابة أرسم حروفي بالقلم فتتراقص اللغة أمامي على السطور، تتلاطم حروفها كالأمواج المجنونة على شواطئ الكلمات. تشبيهاتها تمتزج بألوان الشجن والألم، ربما تشبه الكتابة الغربة والوحدة لمن يراها كذلك، الكتابة هي الطائر المهاجر الذي يطير ليبحث عن موطنه المفقود في سماء الحروف فيختارها بدقة، أما أنا فأعبُر في بحار الكلمات دون أي مخاوف وأغوص في أعماق الذات أبحث عن أسرارها، أسعى لإيجاد معنى لوجودي فأجد الكتابة هي إجابتي الحقيقية طيلة حياتي، وبهذه الطريقة نحن نبحث ونتساءل، نتوجه إلى بوصلة الحقيقة والخيال، ونحاول أن نكون كالفنانين الذين يستخدمون الألوان والكلمات لابتكار لوحة تعكس وجودهم في هذا الكون المتناقض والمذهل، في النهاية لن يتوقف القلم عن الكتابة والتساؤل ونشر المعرفة، ولن يتوقف الناس عن القراءة. أما عن الرابط الذي يربط القارئ بالكاتب هو الكتاب المصنوع من لغة وفكرة وظروف تنتقل من الكاتب للقارئ بسلاسة، فالكلمات هنا هي الفلسفة التي تنطلق من قلم الكاتب إلى عين وأذن القارئ، فالقراءة هي نور المعرفة وسط ظلمة الجهل منذ القدم، والكتابة هي العمود الذي ينير الطريق ليزيح عن العين أي شوائب وعن العقل أي مظالم.