في ظل تسارع الحياة، وشدة انشغالنا بتحقيق أهدافنا التي تتجدد باستمرار، بحكم كثرة الخيارات واتساعها، أصبحنا نعيش في سباق لا يكاد يتوقف. فما إن نصل إلى هدف حتى يظهر هدف آخر، وما إن نحقق رغبة حتى تولد رغبة جديدة. وكأن الحياة أقنعتنا بأن الإنجاز لا يعرف نهاية، وأن التوقف للحظة يعني التأخر عن الآخرين.
ومع حبنا للرفاهية، ونظرتنا إلى أنفسنا بأننا نستحق الأفضل دائماً، أصبحنا نقنع أنفسنا بأن كل إنجاز يستحق مكافأة، حتى وإن كان إنجازاً بسيطاً لا يُذكر. وعلى المستوى الشخصي قد نراه إنجازاً عظيماً، ليس لأنه غيّر حياتنا، بل لأنه أشعرنا بأننا نتقدم، وأننا نستحق المزيد.
ولعل ما يميز عصرنا عن أي عصر مضى أننا أصبحنا نعيش في عالم صغير، لكنه ممتلئ بالخيارات والرغبات. كل ما تطلبه أو تحلم به أصبح قريباً منك، تستطيع الحصول عليه بضغطة زر، وكأنك أحد ملوك العصور القديمة. تستطيع أن تجلب قطعة من آخر العالم إلى باب منزلك، بينما كان ذلك في زمن مضى امتيازاً لا يناله إلا أصحاب النفوذ والثروة. لكن الحقيقة أننا لم نصبح ملوكاً، وإنما تغيرت أدوات الحياة فقط. وما كان يحتاج إلى سلطة وثراء أصبح اليوم متاحاً للجميع، وهذا الاتساع في الإمكانات خلق داخلنا شعوراً دائماً بالاستحقاق.
لكن لأن الحياة سريعة، قد لا نتمكن من تحقيق كل أحلامنا، وهنا تبدأ المشكلة. فنجد من يبتسم لنا ابتسامة تسويقية، يخبرنا بأن الحل موجود دائماً، وأن بإمكاننا الحصول على ما نريد الآن، ودفع الثمن لاحقاً. حتى المشكلات المالية أصبحت لها حلول متعددة، أو هكذا نظن. فأصبحنا نرى التقسيط حلاً، والاقتراض وسيلة، والتأجيل أمراً طبيعياً، دون أن نتوقف لحظة لنسأل أنفسنا: هل نحن بحاجة إلى هذا الشيء حقاً، أم أننا فقط نرغب به؟
وهنا أجد أن المشكلة ليست في المال، ولا في كثرة الخيارات، بل في ابتعادنا عن الفلسفة. ابتعدنا عن التعمق في الرغبة نفسها، وعن سؤال بسيط، لكنه صعب: لماذا أرغب؟ وما سبب هذه الرغبة؟ لأن الإنسان عندما يفقد القدرة على تفسير دوافعه، يبدأ بالتصرف بعقلية ذلك الصبي الذي انحرم من شيء في الماضي، وما إن أصبح قادراً على شرائه حتى صار يشتري لأنه يستطيع، لا لأنه يحتاج.
وهذه العقلية قد تصنع كارثة مالية، وربما كارثة حياتية أيضاً. فنحن لا نعلم ماذا يخبئ لنا القدر، ولا نعرف ما الذي قد تفرضه علينا الأيام. لذلك لا ينبغي أن ننخدع بفكرة الاستحقاق المطلقة، ونحن قادرون على التعايش، وقادرون على الانتظار. لكن الحقيقة أننا لم نعد نحب الانتظار، بل أصبحنا نراه عائقاً، ونشعر بأن وتيرة الحياة أبطأ من طموحاتنا، رغم أنها في الواقع أسرع مما يستطيع الإنسان استيعابه.
ولأن العالم من حولنا يطالبنا بالإنجاز المستمر، أصبحنا نريد أن نحقق المستحيل في وقت قياسي. نريد الوصول قبل أن نبدأ، ونريد النتائج دون أن ندفع ثمنها الحقيقي. نحلم كثيراً، لكننا لا نريد أن نضحي، ونرغب في القمة دون أن نصعد درجاتها.
ولعل أكثر ما يؤكد ذلك أننا لم نعد نجيد حتى الاستمتاع بالوصول. فما إن نصل إلى نهاية مرحلة، حتى ننشغل بالمرحلة التي تليها. وكأن الإنجاز لم يعد محطة نتوقف عندها، بل مجرد معبر نعبره سريعاً إلى هدف آخر.
يشبه الأمر المراحل الدراسية التي مررنا بها جميعاً. كنا ننتظر التخرج باعتباره النهاية الكبرى، لكن ما إن تخرجنا حتى بدأ البحث عن العمل. وعندما حصلنا على العمل، أصبحنا نسعى إلى التطور والترقية. وبعد الترقية بدأنا ننظر إلى منصب أعلى، ثم مسؤولية أكبر، ثم إنجاز جديد، حتى يدركنا التقاعد، فنقف فجأة أمام فراغ لم نكن نتوقعه.
وليس المقصود هنا فراغ العمل أو مشاغل الحياة، بل فراغ المشاعر. ذلك الفراغ الذي نكتشف فيه أن كثيراً من التجارب التي عشناها، والإنجازات التي تعبنا من أجلها، أصبحت مهمشة في ذاكرتنا، أو فقدت بريقها. ليس لأنها لم تكن مهمة، بل لأننا لم نتشبع بعيش لحظتها، ولم نعش تفاصيلها كاملة. كنا دائماً مستعجلين لتجاوز المرحلة، والانطلاق نحو المرحلة التالية.
وربما لهذا السبب نشعر أحياناً أن الحياة تمضي أسرع مما ينبغي. ليس لأن الزمن تغير وحده، بل لأننا اعتدنا أن ننظر دائماً إلى ما بعد الإنجاز، حتى نسينا أن نعيش الإنجاز نفسه.
والأخطر من ذلك أننا أصبحنا نجمع المتناقضات في عقولنا. نريد الراحة والإنجاز معاً، ونريد الرفاهية والادخار في الوقت نفسه، ونريد الحرية دون مسؤولية، والنجاح دون صبر. وهذه التناقضات ليست وليدة الظروف، بل نتيجة فراغ فكري جعلنا نحكم على الأشياء بسطحية، وننجرف خلف الرغبات دون أن نفهمها.
إن نقص الشعور بالاستحقاق الحقيقي، والبحث المستمر عن المكانة والهوية، يدفعان كثيراً من الناس إلى تعويض هذا النقص بالاستهلاك، وكأن ما نشتريه قادر على أن يمنحنا قيمة، أو يثبت وجودنا أمام الآخرين. بينما الحقيقة أن الهوية لا تُشترى، والمكانة لا تأتي من كثرة ما نملك، بل من وعينا بما نحتاج.
ولهذا أؤمن أن العودة إلى الفلسفة لم تعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت ضرورة. والفلسفة هنا لا أعني بها الكتب المعقدة، ولا المصطلحات المجردة، وإنما القدرة على فهم فلسفة الشيء قبل الحكم عليه. أن نفهم الرغبة قبل أن نستجيب لها، وأن نفهم دوافعنا قبل أن نتخذ قراراً قد نندم عليه لاحقاً.
عندما نفهم فلسفة الأشياء، نصبح أكثر قدرة على التعامل مع أنفسنا، وأكثر وعياً في حل مشكلاتنا، وأقل اندفاعاً خلف رغبة عابرة أو قرار متسرع. أما عندما نحكم بسطحية، فإننا لا نظلم الأشياء فقط، بل قد نظلم أنفسنا أيضاً، وربما نتخذ قراراً واحداً يغيّر مجرى حياتنا بالكامل.
ولعل الحكمة التي نفتقدها اليوم ليست في أن نحقق كل ما نريد، بل في أن نعرف ما الذي يستحق أن نريده من الأساس. فليس كل ما نستطيع الوصول إليه يجب أن نصل إليه، وليس كل ما نستحقه يجب أن نحصل عليه الآن. أحياناً يكون الانتظار جزءاً من النضج، ويكون فهم فلسفة الرغبة أعظم من تحقيقها. فالعاقل لا يقيس حياته بما امتلك، بل بما فهم، لأن الفهم هو الذي يجعل الإنسان سيداً لرغباته، لا عبداً لها.