مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

المعطف الذي خرجتُ منه

قبل ثماني سنوات تقريباً، فاجأني الروائي الجميل طاهر الزهراني بطلب كتابة تقديم لمجموعته القصصية (حزة). صمت طويلاً، وسألت نفسي: ما الذي جعل هذا الكاتب يطلب مني هذا الأمر، وأنا الذي لم أنشر عملاً واحداً في وقتها؟ وأن يلغي المعادلات النرجسية: معادلة النخبة للنخبة، والكبار للكبار، والجيل القادم ليس منهم من يستحق.
فعلت ذلك وكتبت، ونسيت الأمر، لتصلني بعد أسابيع نسخ من المجموعة بتقديمي.
الله، كم كان ذلك الشعور عظيماً، أن أرى وألمس اسمي على غلاف كتاب. سنوات، وإلى اللحظة، وأنا تحت ذلك التأثير العظيم الذي خلق لي فيه طاهر أجنحة جعلتني أطير في سماوات الكتابة، وجعلني أوقظ داخلي كائنات حيّة تتنفس وتغضب وتموت، تسمى الكلمات.
لو لم يطلب مني ذلك، لما كتبت شيئاً إلى اليوم، وقد أكون غادرت الكتابة من محاولاتي الأولى، لكن طاهراً حاول، لمرة واحدة، ألا تموت رغبتي مبكراً، أو تولد ناقصة.
التقيت طاهراً عام 2021م في ملتقى الأدباء في أبها، وكانت لدي مشاركة، وشعرت بالحرج والثقل وبعض الارتباك، وأخبرته بأنني سأعود إلى البيت، تاركاً الفندق والملتقى والكتابة والمثقف وكل شيء له علاقة بذلك النزق داخلي في تلك اللحظة. بأن أقف أمام شعراء وأدباء وأتحدث عن تجربتي في الكتابة وعملي المطبوع الأول. لكن طاهراً لم يسمح لي بذلك، وطرد من ذهني فكرة العودة.
وعند صعودي للمنصة، لم أجد ما أقوله غير أن أشكر طاهراً أمام الحضور، وأشكر الشاعر عبدالله الصيخان الذي كان يرأس اليمامة وقتها، وكان وما زال الصيخان وغيره في مجلة اليمامة نافذة لا تُغلق في وجه أحد.
رمم طاهر كل شروخ معلمي اللغة الذين صادفتهم في المدرسة، بل حاول قتل ذلك الشك الذي يلوح داخل الكاتب دائماً: بأن العالم كله يجاملك، وبأن كتاباتك لا تستحق كل هذه الإشادة والقراءة.
كان وما زال قريباً لي وللكثير من جيلي الذين حاولوا الكتابة، فتح لهم آفاقاً، بل قال لهم: الكتابة رغبة، وقبل كل ذلك أصالة وشجاعة ومحاولة.
عرفت طاهراً من الشارع، من كرتون مرمي أمام باب عمارة فيها بعض الكتب. أخذت الكرتون للبيت، قرأت العناوين، لفتني غلاف رواية (نحو الجنوب) لرجل يحاول تسلق جبل بزيه الجنوبي. بدأت القراءة، كانت عوالمها قريبة مني.. قريبة من التمرد في روحي. كان بطل الرواية زهران، ذلك الرجل الذي أعاده والده من المدينة إلى القرية، لفشله الدراسي، لكن هذه العودة تتحول إلى رحلة لاكتشاف الذات والجذور والهوية. رحلة صيد الوبران، والجبال والقبيلة، والفقر والقسوة، والحياة المرتبطة بلعنة وجمالية المكان.
أكملت الرواية، واندفعت اندفاع الشاب الذي لا يعرف الاحتمالات والتوقف، للبحث عن اسم طاهر في مواقع التواصل، لأكتب له كم كانت روايته جميلة وملهمة وعظيمة.
وبطبع الجنوبي النبيل، لم يتركني طاهر ويمضي، بل كان الجنوب يعود دائماً بمصادفات مختلفة. وبعد قراءة رواية (الحزام)، كتبت تغريدة لأحمد أبو دهمان بإعجابي بالرواية، فعلق: (أكتب أكتب أكتب يالحسين). وأرسل لي أبو دهمان روايته موقعة بخطه، هذا الباريسي الجنوبي الذي عاد إلى وطنه في آخر عمره، وظل قريباً من ريحان أمه، يصب الماء على تراب الرياض ليشم رائحة المطر كي لا ينسى الجنوب.. كي لا ينسى المطر.
ولن أنسى عمرو العامري، العاصفة التي بعثرت كل شيء وأعادت ترتيبها، دهشتي الأولى، والتي لأشهر ظللت أسأل نفسي: من أين هذا الرجل، وأي سماء منحته هذه اللغة التي يكتب بها؟ العامري الذي فتح لي بيته ومكتبته، وقبل كل ذلك قلبه الذي يزرع فيه الورد والفل والكثير الكثير من الأصدقاء والحب.

ذو صلة