مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

أسد البحر.. قَسْوَر ابن خَارْقَط

لم تكن ليالي (روناف) الجنوبية ترحب بالغرباء، خصوصاً حين تفتح السماء شِداقها لتلفظ مطراً أسود يغسل أرصفة الميناء من خطايا النهار. دفع (سِينَاف) باب الحانة الخشبية المتهالك بكتفه، ليتسرب معه عواء الرياح قبل أن يغلقه بصعوبة. كانت وجهته الأصلية (عازادوم)، تلك البقعة التي لطالما راودته في أحلام استكشافه لقارة (تِبْر)، لكن طبيعة القارة كانت تفرض سطوتها دائماً.
نفض سيناف الماء عن عباءته، وتقدم بخطوات حذرة نحو منضدة الساقي، حيث تتراقص ظلال الشموع الذابلة على وجوهٍ صقلتها قسوة البحر. ما إن همّ بسحب مقعد خشبي خاوٍ، حتى امتدت يدٌ خشنة، أصابعها كجذور شجرة ميتة، لتقبض على ساعده. نطق صاحب اليد بصوت أجش: «هذا المقعد محجوز يا غريب. ابحث لك عن زاوية أخرى».
اعتذر سيناف بهدوء واستعد للتراجع، لولا أن رجلاً آخر جلس على الجانب المعاكس للطاولة، أزاح كأسه قليلاً وقال بابتسامة باهتة لا تحمل وداً: «لا بأس، اجلس. صاحبنا خرج غاضباً ولن تعيده هذه العاصفة الليلة. ما دمت لا تحمل سيفاً مسلولاً، فلا مانع من رفيق رابع. من أي أرض جئت لتقف في طريق العواصف؟» أجاب سيناف وهو يتخذ مجلسه بحذر: «من العاصمة.. عسجد». تبادل الرجلان نظرة ذات مغزى، وانخفضت نبرة أحدهما وكأنه يخشى أن تسترق الجدران السمع: «أرض عظمى، وتفيض بالذهب والسياسة.. لكن العظمة الحقيقية تقبع خلفك الليلة، ولا شأن لها بذهب العاصمة».
التفت سيناف ببطء. في الزاوية الأوسع والأكثر عتمة في الحانة، كان يجلس رجل في العقد الخامس من عمره. لم يكن مجرد رجل، بل بدا وكأن جبلاً قد شُكل على هيئة إنسان. شعره أبيض كزبد الموج الغاضب، ينسدل على كتفين عريضين، ووجهه لوحة مرعبة من الندوب. وحوله طوق من الرجال الغلاظ ينصتون إليه كأنهم في حضرة حتفهم المحتوم، يحيط به أبناؤه الثلاثة الذكور الذين ورثوا ملامحه القاسية.
سأل سيناف بصوت خفيض: «من هذا؟» همس جليسه: «هذا هو قَسْوَر.. أسد البحر. تحرس سفنه الستمئة والخمسون سواحل القارات. يزعمون أنه ذبح تنين البحر وأهدى رؤوسه للملك المؤسس. واليوم، تهمس الرياح بأنه فقد شغفه ويخطط للركون إلى اليابسة».
فجأة، نهض قسور من مقعده. ضرب بكأسه الخشبي على الطاولة ضربةً أسكتت عواء الرياح في الخارج، وتلاشت أحاديث الحانة في ثانية واحدة. التفتت كل الأعناق إليه، ووقف أبناؤه احتراماً.
نادى قسور بصوت جهوري ملأ جنبات المكان، مخاطباً رجاله، وعوام الحانة، والتاريخ: «اسمعوني يا أهل روناف، ويا أبناء اللجة! اليوم هي الذكرى الخامسة لرحيل زوجتي.. لَجْيَاء. منذ أن رحلت، رحل معها شغفي. لقد غصت مع رجالي في كل بقعة ملعونة، واستكشفنا أراضي أجدادي المدفونة في (الجذاذ). قاتلت البشر والوحوش، وبنيت اسماً يهابه ملوك القارات. لكنني بلغت من العمر عتياً، ولم يعد في البحر ما يغريني. حان للأسد أن ينام على اليابسة! الليلة، وأمامكم جميعاً، أعلن تسليم دفة الأسطول العظيم لابني البكر غِمْرَاس، وسأزوج ابنتيَّ لنبلاء روناف، لنرسخ نفوذ آل قسور ونقطع دابر المرتزقة بذهب اليابسة».
تسمر الحضور في ذهول. قاطع هذا الصمت المهيب صوت ابنه الأوسط (زَمَاج)، بابتسامته التي تشبه شفرة الخنجر المسموم، متحدثاً أمام العوام بجرأة: «أبي الذي أعرفه لا يترك عرشه طوعاً لأحد. هل هزمك البحر أخيراً، أم أن كبرياءك هو ما يملي عليك هذا الانسحاب المجيد؟».
شهق الحضور، لكن قسور لم يغضب، بل رمق ابنه بنظرة ثاقبة، ثم أشاح بوجهه نحو العوام، ورفع صوته كهدير عاصفة: «البحر لا يُورث يا زماج، بل يُنتزع! أتذكرون بدايات مجدنا يا بحارة؟ في إحدى الليالي الماطرة العاصفة، كنا في عرض اللجة. من فرط الإرهاق، رأينا رؤوساً تطير في الهواء، ظنناها هلوسات. لكن ما إن هدأت العاصفة، حتى شق الماء زئيرٌ مرعب. تنينٌ بحري ذو ثلاثة رؤوس انقض علينا».
اقترب قسور من الجموع، وعيناه تشتعلان بذكريات الدم: «قاوم الوحش رماحنا ودمر أربعاً من سفننا. وحين اقترب أحد رؤوسه مني، لم أرتجف. بضربة فأس استجمعت فيها كل قواي، فصلت رأسه السماوي ذا الحراشف الذهبية. اختل توازن الرأسين الآخرين، وارتطما بسفينتي بقوة قذفتني من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. احتمى دمي، وزال الخوف. أمطرنا الوحش بالرماح حتى غاص الرأسان، وسقط معهما الرأس المقطوع في سفينتي. عمّ الصمت... وتعالت أفراحنا، لولا أن انشق البحر ثانية! خرج الرأسان من جديد، أغرقا سفينتين إضافيتين، ثم قفز الوحش على سفينتي بكل طيش. وبجنونٍ لا يعرف التردد، قفزت بفأسي على الرأس الأول ونحرت نصفه، بينما كبل رجالي الرأس الأخير بالحبال، لأهوي عليه وأنهي الكابوس!».
صمتت الحانة صمتاً مقدساً، وأكمل قسور وهو يحدق في عيني ابنه زماج: «احتفظت برؤوسه وسلمتها للملك المؤسس (أزدار)، وما زالت جماجمها تزين قصور العاصمة. هذا هو البحر، لا يعطي مجده لمن يرتجف. لكنني اليوم، بلا لجياء، لم أعد أجد وحشاً يستحق أن أرفع فأسي لأجله».
وما إن أنهى كلماته، حتى انشق زحام الحانة عن فتاتين في غاية البهاء والمطر يبلل عباءتيهما. كانتا (سجوى) و(نجوى). اندفعتا نحو أبيهما وعانقتاه بحرارة. اتضح للجميع أنهما وصلتا للتو واستمعتا لخطابه ومناوشته مع أخيهما. لانت ملامح الأسد العجوز وهو يمسح على رأسيهما، وتحول المشهد في الحانة من ترقب مرعب إلى دفء عائلي نادر.
في تلك اللحظة، نهض (سيناف). المحاسب الهارب الذي خذلته خطيبته قبل أيام، تقدم بخطوات مترددة نحو الطاولة. نظر إليه حراس قسور بريبة، لكن الأسد أشار لهم بالتراجع. قال سيناف بصوت مختنق: «سيدي.. لقد فقدت مالي، وفقدت المرأة التي أحببتها لأنني بت طريداً. كنت أظن أن القوة في الذهب والمناصب.. لكن ما رأيته اليوم منك ومن عائلتك، جعلني أدرك أنني أفقر رجل في القارة». تأمل قسور الشاب الحضري المكسور. وضع يده الخشنة، التي قطعت رؤوس التنانين، على كتف سيناف، وقال بنبرة أبوية عميقة: «الذهب يغرق، والمناصب تتغير يا بني. لكن الدم لا يبرد. لا تيأس من الحب، ابحث عنه حتى في أقسى بقاع الأرض، وابنِ عائلة. في نهاية المطاف، حين يخذلك العالم، وتتخلى عنك الممالك، لن تجد أثمن ولا أجمل من عيون تنظر إليك وتنتظر عودتك.. تماماً كما تفعل عائلتي الآن». انحنى سيناف بامتنان، وغادر الحانة، حاملاً في قلبه بذرة قناعة جديدة، ستزهِر لاحقاً في صقيع (أرض الهمج).
مرت ثلاث سنوات على تلك الليلة. استقر قسور حاكماً وسيداً بلا منازع على مدينة (روناف) الجنوبية، تاركاً هديج الموج لابنه غِمْرَاس الذي قاد الأسطول بحكمة، بينما تزوجت إحدى فتياته وتوسعت تحالفات آل قسور. بدت اليابسة وكأنها روضت الأسد.
لكن في ظهيرة يوم خريفي شاحب، اخترق صمت قصره مبعوث يرتدي عباءة داكنة يحمل على صدره ختم (عسجد) الملكي. كانت نداءً لثأر قديم يقض مضاجع القارات.. دعوة لاستيفاء عهدٍ يُعرف في الخفاء باسم (حرب الدَّيْن). حين كسر قسور الختم وقرأ الرقاقة، لم يرَ كلماتٍ وحبراً، بل رأى دماً، وجيوشاً، ومجداً مؤجلاً. في تلك اللحظة، انمحت سنوات اليابسة من عظامه.
استدعى أبناءه الثلاثة فوراً. دخلوا قاعة العرش ليتفاجأوا بأبيهم لا يرتدي حرير الحكام، بل يتدرع بدرعه الجلدي القديم، وبيده سيفه الذي لم يفارقه في غزواته. عيناه كانتا تشتعلان بنارٍ ظنوا جميعاً أنها انطفأت.
تقدم قسور نحو ابنه البكر (غِمْرَاس)، القائد الفعلي للأسطول. لم يأمره، ولم يصرخ كطغاة الملوك، بل نظر في عينيه باحترام القادة العظام وقال بصوت ثابت: «يا غِمْرَاس.. لقد سلمتك الدفة يوم أرهقني اليابس، وكنت لها أهلاً. واليوم، ناداني الدم إلى (حرب الدَّيْن). أنا أستأذنك الآن أن تتنازل لي عن قيادة الأسطول لأقود هذه الحرب بنفسي. وإن رأيت غير ذلك، فلك الكلمة، وسأحترم قرارك كقائدٍ لأسطولنا».
ساد صمت مهيب قاعة العرش. نظر زماج ويماس إلى أخيهما الأكبر بترقب. ابتسم غِمْرَاس ابتسامة وحشية ورثها عن أبيه، وتقدم خطوة ليضع يده على صدر قسور، منحنياً بإجلال: «وهل يُرد الأسد إذا اشتاق لعرشه يا أبي؟ الأسطول أسطولك، والبحر ملك يمينك.. وأنا ورجالي سيفٌ في قبضتك. قُدنا إلى الجحيم، وسنتبعك!».
لمعت عينا قسور بفخر لا يُوصف. الأسد نفض غبار اليابسة وعروشها، ليعود إلى معشوقه الأقسى والأصدق.. البحر، ولتبدأ شرارة حربٍ لن تُبقي في (تِبْر) ولن تذر.

ذو صلة