كان يمشي أمامها بتركيز عال وخطوات أثقلتها أكياس مشترياتهم الكثيرة، بعكسها هي التي كانت تمشي بسعادة تلقي بنظراتها هنا وهناك، وتقف بين الحين والآخر أمام المحلات لتمتع نظرها قليلاً وتعذب جيبه كثيراً.
توقف والتفت خلفه بعد أن لاحظ اختفاء صوتها، ليجدها على بعد مسافة قليلة تنظر باتجاه أحد المحلات، أخذ يشير لها بعينيه، فيديه مقيدة بكل تلك الأكياس الممتلئة، لعلها تتحرك نحوه، ليتفاجأ بها قائلة:
- لنحتسي القهوة هناك ونستريح قليلاً.
توجه فوراً ودون جدال للمكان الذي أشارت إليه بيدها الحرّة، فهو بحاجة إلى الراحة فعلاً. تجاوزته بسرعة نحو طاولة في زاوية المحل لتجلس، وتبعها هو بخطوات حذرة كي يتحاشى الوقوع. أنزل الأكياس على الأرض بذات الحذر، وما إن تحرر منها حتى تنفس قبل أن ينطلق بالكلام وكأنما عادت له قدرته على الكلام أخيراً:
- لم كل هذا؟! هل ستندلع الحرب؟!
ضحكت ساخرة:
- ألهذا كنت تمشي كمن يخشى انفجار قنبلة؟!
رمقها بنظرة:
- بل كنت أخشى انفجار البيض الذي سيؤدي إلى كارثة بعدها! لمَ كل هذا البيض؟ ماذا ستصنعين به؟!
- وماذا يصنع الإنسان بالبيض؟!
حرك رأسه بامتعاض، وأخذ ينظر حوله باحثاً عن النادل.
كان المكان مزدحماً قليلاً، إلا أن العاملين فيه بعيدون عن الأنظار، مما جعله ينزعج وهو يبحث بنظره عنهم، لتقول له باستغراب:
- اهدأ قليلاً، سيأتي إلينا أحدهم حتماً.
التفت نحوها وأسند ذراعيه على الطاولة قائلاً:
- حسناً، قلتي سابقاً (نستريح قليلاً) أخبريني يا عزيزتي، ما الذي أتعبك بالتحديد؟ كان يبدو عليك الاستمتاع لا التعب!
ضحكت قائلة:
- ولكنك أخبرتني سابقاً بأنك تحب استخدام صيغة (الجمع) حينما يتعلق الأمر بيننا.
حرك رأسه مبتسماً:
- صحيح، معك حق.
ظهر النادل أمامهما أخيراً مستعداً لاستقبال طلباتهما. كان يبدو عليه التوتر والعجلة، فما إن سمع الطلب حتى تحرك ليختفي مجدداً.
تبادلا النظرات للحظة قبل أن تقول:
- ربما هنالك أمر ما يقلقه.
هز رأسه موافقاً:
- أرجو أن يتذكر طلبنا على الأقل.
ضحكت قائلة:
- لا تقلق، هي مجرد قهوة بلا أي تعقيدات، حتماً سيتذكرها!
لم تمر دقائق قليلة حتى ارتفع صوت رجل من داخل حجرة العمّال، بدا صوته غاضباً موبخاً دون أن تعبر الكلمات بوضوح إلى طاولتهما، لتهمس له بصوت مبالغ في انخفاضه:
- أخبرتك بأنه يوجد أمر ما يحدث هنا.
أخفض صوته بدوره واقترب منها قائلاً:
- لا.. قلتي «أمر ما يقلقه» ولم تقولي أمر ما يحدث!
- وما الفرق الآن؟
- هنالك فرق كبير. أمر ما (يقلقه) يعني أمر متعلق به هو فقط، بينما أمر ما (يحدث) يعني هنالك شيء يحدث الآن في هذا المكان وفي هذه اللحظة.
- أليس هو جزء من هذا المكان؟!
- أتطبقين قاعدة (الجمع) عليه هو الآخر! إذن لماذا أنت فقط من أخبر بأن هنالك أمراً ما، لم لا يكون كلانا من أخبر!
رمقته بنظرة ساخرة وكانت على وشك أن ترد عليه قبل أن يرتفع الصوت أكثر بشكل مريب مما جعل العديد من الرؤوس تتلفت، خرجت من الحجرة فتاة بعينين متورمتين وأنف أحمر، ليتبعها فوراً ذات النادل الذي استلم الطلب منهما. كان حاله ليس بالأفضل، ولولا تلك الأغلال التي وضعها العالم على أعين الرجال لسمح لدموعه أن تسقي وجهه الجاف المنكسر.
توجه الاثنان خلف آلات القهوة، كانا يتمتمان وهما يحضّران الطلبات، تسرّب القليل من الحليب من يدها وبعض الكلمات من فمها، لتصل إلى مسامع الزوجين، قال الزوج بحماس:
- أسمعت؟ قالت له: لم أسرق!
- اخفض صوتك قليلاً، دعنا نسمع.
كان النادل يهز رأسه لها مصدقاً كل ما تقوله، ونظرة العجز على وجهه تزداد عمقاً بزيادة كلماتها المنفعلة. خرج بعد قليل رجل في منتصف العمر بزي رسمي وبطن كبيرة. لتصمت الفتاة ويبتعد النادل عنها بخطوات قليلة فور رؤيتهم له.
وضعت الزوجة كفها على فمها واقتربت منه قائلة:
- انظر، هذا من كان يصرخ بهم قبل قليل.
- إنه المدير، حتماً هو المدير.
عادت بظهرها إلى الخلف قائلة باشمئزاز:
- وإن كان، لا يحق له الصراخ عليهما بهذه الطريقة!
- إنها قضية سرقة، أتريدين منه أن يكون لطيفاً معهما بعد أن سرقاه!
- وكيف علمت بأنهما السارقان؟!
- انظري إليهما! كل هذا التوتر والخوف يشير إلى وجود أمر مريب بهما!
- هذا حكم متسرع جداً!
توقف المدير خارج المحل وأخذ يجري بعض الاتصالات غير مكترث لوجود كل من حوله. التفتت الفتاة نحو النادل وأخذت تتحدث، ليتسرب صوتها مجدداً، قائلة:
- هذا ظلم، يجب علينا منعه من فعل ذلك. لا يمكنه اتهامنا دون أن يتحقق!
كان النادل الصامت مكتفياً بهز رأسه فقط، ليحمل بعدها القهوة قبل أن يتوجه نحو طاولتهما. تظاهر الزوجان بالانشغال عما يدور في الأرجاء حين قدومه. ابتسم النادل ووضع القهوة أمامهما وغادر بصمت دون أن يتفوه بكلمة.
أخذ الزوج رشفة سريعة من قهوته، واقترب هامساً:
- أظنه هو السارق!
-وما الذي جعلك تقول هذا؟
- ألا ترين عجزه وصمته وقلقه! يبدو خائفاً جداً!
- وهل خوفه دليل إدانته! انظر إلى ذلك السمين، ألن تخاف لو صرخ بك؟!
قال بعجرفة وسخرية:
- من الذي يخاف من هذا (أنا)؟! أنا أخاف من هذا الأبله؟!
قال هذه الكلمات بصوت الذكر، لا بصوت الحق، فصوت الحق يعلم أنه لو جلس عليه هذا الأبله لانتهى أمره تماماً.
رمقته بنظراتها مجدداً وقالت:
- دعك من ذلك، لمَ لا يكون ذلك المدير قد أخطأ الظن فعلاً؟
- لأنه لا يوجد دخان بلا نار!
- ماذا لو أثبت لك الآن بأنه يوجد دخان بلا نار! هل ستغير رأيك؟
ابتسم ساخراً:
- وكيف ذلك؟
- ماذا عن المعامل الكيميائية، ألا تتصاعد الأبخرة والأدخنة نتيجة تفاعل المواد والمركبات المختلفة؟ ماذا لو كان هناك من صنع هذه الأدخنة متعمداً ليؤذي أحداً؟ ماذا لو كانت هذه التهم هي عبارة عن مواد تم تركيبها ومزجها بفعل فاعل ليتصاعد دخانها ويضلل ذلك المدير الأرعن قبل أن يصل إليك وتنشره بجهلك؟!
حل الصمت بينهما قبل أن يقطعه صوت ارتطام قوي بجوارهما، وإذا به ذلك المدير قد اصطدمت قدمه بإحدى الأكياس خلال عبوره، اعتذر لهما دون اكتراث حقيقي بعد أن أزاح الكيس بقدمه ليكمل طريقه.
صاحت قائلة:
- يا إلهي! البيض.
نظرت نحوه لتتحقق، وإذا بعدد كبير من البيض قد تكسر بالفعل.
التفتت نحو زوجها بغضب قائلة:
- ذلك الأحمق قد ركل البيض بقدمه ولم يكلف نفسه عناء تصحيح خطئه. اذهب وحطم رأسه الغبي.
ابتلع ريقه بصعوبة وقال بتوتر:
- اهدئي يا عزيزتي ودعك منه، سأشتري لك غيره.
رفعت حاجبها باعتراض قائلة:
- هل ستدعه ينجو بفعلته هذه! لا أصدق! أنا حقاً لا أصدق! أم أنك خائف منه!
رد بانزعاج:
- ما الداعي لمثل هذا الكلام؟ كل ما في الأمر هو أنني لا أرغب بإثارة الجلبة من أجل هذا البيض، لذلك دعينا نرحل!
نهض الاثنان ليلحق بهما النادل قبل خروجهما، التفتت الزوجة نحوه وقالت:
- مديرك غير المهذب قد تسبب لنا بحادثة غير لطيفة دون تقديم اعتذار أو تعويض، لذلك لن ندفع لكم قرشاً!
ما إن أنهت حديثها حتى ظهر أمامها المدير، وكأن لديه حاسة شم تعمل تجاه كل ما يتعلق بالنقود. أخذ يتجادل معهما متهماً إياهم بالسرقة والاحتيال، لينتهي الأمر بهما مغادرين المكان ببيض مكسور، وقلب مكسور!