مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

ويمتد عبق الخزامى إلى أنوار باريس

حين يمتدُّ عبق الخزامى من فضاءات المملكة العربية السعودية إلى أنوار باريس، فالأمر لا يقتصر على حضور ثقافي في مدينة أوروبية عريقة، ولا على برنامج فني أو معرض أو لقاء بين مؤسسات، بل هو إعلان رمزيّ عن مرحلة جديدة من تشكّل الثقافة السعودية تتجاوز فيها حدود التلقي المحلّي لتخاطب العالم بلغة إنسانية مشتركة، دون أن تفقد جذورها العربية الأصيلة.
فالخزامى، بلونها البنفسجي وعبيرها الآسر، تغدو في هذا السياق، استعارة ثقافية لروح الهوية السعودية المنفتحة على العالم، إذ تصل إلى باريس لا لتذوب في أنوارها، بل لتضيف إليها لوناً وعبقاً جديدين، وتؤكد أن الانفتاح الثقافي لا يعني التخلي عن الخصوصية، بل يستحضر ذاكرة الأرض السعودية معنى للجمال يتجذر في الهوية، وهي تتجه إلى العالم.
وباريس ليست مدينة عابرة في المخيال الثقافي العالمي، إنها (مدينة الأنوار) بما تحمله هذه التسمية من دلالات على الفكر والفلسفة والآداب والفنون، فيها تلاقت مدارس الفن، وتشكًلت اتجاهات أدبية وفكرية كبرى، وتجاورت اللغات والأذواق والتجارب الإنسانية. لذلك فإن حضور الثقافة السعودية بلون الخزامى في باريس يكتسب معنى خاصاً، فهو في القراءة الرمزية، لقاء بين نورين: نور ارتبط في المخيال الأوروبي بتاريخ التنوير والمعرفة والفنون، ونور عربي يستدعي الذاكرة السعودية يما تختزنه من قيم الكرم والضيافة وتنوع روافدها الثقافية.
ومن هذا اللقاء بين العبق والنور، تتحول الخزامى، إلى علامة ثقافية تولّد دلالات التوازن والسكينة والانفتاح، وتؤلف بين الأصالة والتجديد، وبين الجذور والآفاق، وبين الذاكرة والمستقبل.
وحين تنتقل ألوان الخزامى إلى باريس، فإنها لا تحمل معها دلالة اللون فحسب، بل تختزل مساراً ثقافياً أوسع، وهوية سعودية تعيد صياغة حضورها في العالم من غير أن تفقد صلتها بجذورها، ومن هنا، لا يبدو حضور الخزامى في الفضاءات العالمية حدثاً رمزيّاً معزولاً، بل امتداداً لتحول أوسع في المشهد الثقافي السعودي.
فقد شهدت المملكة تحولاً نوعياً في مشهدها الثقافي، إذ لم تعد الثقافة السعودية مجالاً هامشياً أو نشاطاً احتفالياً محدوداً، بل غدت رافداً من روافد التنمية الوطنية، وعنصراً فاعلاً في بناء مجتمع سعودي مبدع ومنفتح على العالم.
ولم يقتصر هذا التحول على اتساع الفعاليات والمنصات الثقافية، بل امتد إلى إعادة تعريف دور الثقافة نفسها، بوصفها مساحة للتعبير والمعرفة والحوار، ونافذة تقدم من خلالها المملكة سرديتها الثقافية إلى العالم، عبر المهرجانات والمعارض والمتاحف والسينما والمسارح ومعاهد الفنون وجامعاتها، وهو تحوّل لا ينفصل عن ثقافة الإنسان السعودي وتراثه وذاكرته، بل يستمد منها قدرته على الانتقال من الماضي إلى الحاضر، واستشراف المستقبل.
ومن هذا المنظور، فإن صور مركز ثقافي سعودي في باريس سيؤدي دوراً عميقاً في دينامية هذا التحول، إذ لن يكون مجرد واجهة إعلامية أو بروتوكولية، بل منصة للحوار والتبادل والتعاون، وفضاءً يوسّع آفاق التفاعل الحضاري الذي عُرفت به السعودية عبر تاريخها. فبقدر ما سيحتفي الجمهور الفرنسي بالثقافة السعودية من آداب وفنون وموسيقى وتشكيل وغيرها، سيقترب منها بوصفها تجربة حية ومتنوعة، تجمع بين عمق الجذور وحيوية التحول.
وحين يصل عبق الخزامى وألوانها إلى باريس، فإنها لا تنقل صورة جمالية فحسب، بل تفتح نافذة على السعودية المعاصرة، وتتيح لها أن تروي حكايتها الثقافية بصوتها، وأن تجسّر علاقات متعددة للحساسية الجمالية تتجاوز الحدود.
ومن هنا تبرز قيمة إشراك الممارسين والمؤسسات والجمهور الفرنسي في المبادرات السعودية، فالحوار الثقافي لا يثمر حين يكون أحادي الاتجاه، بل حين يقوم على التفاعل والإنتاج المشترك ضمن نسق ثقافي أشمل يمكن أن يحتضنه المركز الثقافي السعودي في باريس، بما يعزز استدامة هذا التواصل.
إن تبادل الخبرات وتنفيذ المبادرات المشتركة يمنحان هذا التفاعل وجهاً عمليّاً، لأن التجارب الثقافية لا تنمو في عزلة، وإنما تزهو بالتلاقي والمشاركة، ومن خلال حفظ التراث، ودعم الصناعات الإبداعية، وتنمية المواهب، يمكن لعبق الخزامى أن يجتذب شرائح واسعة من الجمهور الفرنسي، لتغدو الشراكة الثقافية تجربة حية ومستدامة.
وحين يبلغ عبق الخزامى باريس، بوصفها استعارة ثقافية تحمل ذاكرة الأرض وأفق المستقبل، فإنها تستحضر روح الشرق وعطر العروبة، لا لتقف عند حدود الحنين والاكتفاء بعرض ثقافتها، بل لتدخل مدينة الأنوار بثقة لتقول: إن الثقافة السعودية قادرة على أن تكون شريكاً فاعلاً في الحوار العالمي، فالتجديد يولد من تفاعل الثقافات وتلاقي الأنوار.
ومن هنا، لا يكون تلاقي عبق الخزامى مع أنوار باريس مجرد أثر لزهرة شرقية سعودية، بل تعبيراً رمزياً عن عبور الثقافة السعودية، بذاكرتها وتحولاتها، إلى فضاء عالمي تتفاعل فيه مع ثقافات أخرى، ولكن كيف يمكن لهذا الحضور الرمزي أن يتحوّل إلى حضور ثقافيّ مستدام في باريس؟
يمكن أن ينطلق المركز الثقافي السعودي في باريس من رؤية تجعله بيتاً دائماً للحوار والإبداع والإنتاج المشترك، لا مجرد فضاء لعرض التراث في صورته الساكنة. ويمكن للخزامى بلونها وعطرها، أن تمنح المركز هوية رمزية خاصة، فالبنفسج يجمع بين هدوء التأمل وحيوية الإبداع، فيما يتسلّل العطر بهدوء تاركاً أثره دون ضجيج، وهكذا يمكن للمركز أن يجسّد ثقافة سعودية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتسهم بقدر وافر في تنشيط الثقافة العالمية.
ومن هذا المنطلق، أقترح أن يضمّ:
- المركز السعودي الفرنسي للترجمة: ينطلق من مبدأ المثاقفة، ويعنى بترجمة مختارات من النتاجين السعودي والفرنسي، لبناء الجسور بين مختلف المظاهر الثقافية باللغتين. وبالشراكة مع المؤسسات والمترجمين والباحثين من الجانبين.
- برنامج (بنفسج الأنوار): مظلة سنوية لبرنامج ثقافي ممتد عبر أيام تُخصص لأسئلة الثقافة والإبداع عبر مسارات مترابطة:
- مسار الفكر: ينظم المركز من خلاله (منتدى الرياض- باريس للفكر والثقافة) ملتقى دوريّاً يجمع فلاسفة ومفكرين وباحثين ومبدعين سعوديين وعرب وفرنسيين، لمناقشة أسئلة الهوية والعولمة واللغة والذاكرة وتحولات الذكاء الاصطناعي ومستقبل التراث في العصر الرقمي.. إلخ، وهذا ما يجعل المنتدى ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل منصة لإنتاج المعرفة، تثمر محاضرات ومناظرات وأعمالاً مشتركة تُنشر بالعربية والفرنسية.
- مسار الأدب: بإطلاق (مكتبة الخزامى) وهي سلسلة من القراءات المتبادلة بين الباحثين في البلدين، تتناول الرواية والشعر والأدب الشفهي والسيرة المحلية السعودية، بوصفها نصوصاً يقرأها باحثون فرنسيون، في مقابل قراءات سعودية في نماذج مترجمة من الأدب الفرنسي، بما يجعل الأدب جسراً للمعرفة المتبادلة بين الثقافتين.
- مسار الفنون البصرية: إقامة معارض للفن التشكيلي السعودي المعاصر الذي يحاور العالم انطلاقاً من هويته وانفتاحه على التشكيل البصري العالمي، إلى جانب تقديم الحِرف التقليدية السعودية بوصفها ذاكرة جمالية حية قابلة للحوار والتجدد، في لقاء مع تجارب واتجاهات من الثقافة البصرية الفرنسية.
- مسار الموسيقى والسينما: من خلال إنشاء (ليالي الخزامى) وهي تظاهرة دورية تجمع الموسيقى السعودية والفرنسية إلى جانب عروض سينمائية يتبعها نقاش مع المخرجين والباحثين والموسيقيين، وهنا تمنح مساحة لما بمكن تسميته بالخزامى الناشئة. أي إيلاء مساحة للفنون لدى الشباب خصوصاً الأفلام القصيرة وفنون الأداء والموسيقى الإلكترونية ومختلف التجارب السمعية البصرية، حيث تبدو الشراكة ممكنة بين المؤسسات الموسيقية والسينمائية في باريس والمعاهد والجامعات السعودية.
- مسار التعليم والمشاركة المجتمعية: ليكون المركز مدرسة ثقافية مفتوحة على مدار العام، تستقبل المدارس والجامعات والعائلات، وتقدّم ورشاً في الخط العربي والسرد الشفهي والطهي والأزياء والحرف وصناعة العطور من الخزامى، بما يحوّل الثقافة من مادة للعرض إلى تجربة تُعاش وتُشارك.
- ويمكن تنظيم أسبوع (الصحراء والواحة) لاستكشاف تنوع البيئة السعودية عبر الحكاية والصورة والموسيقى والعلوم. بما يربط المعرفة بالخيال للأجيال الجديدة بصورة ثقافية وإنسانية حية.
إن المركز الثقافي السعودي في باريس، بهذا التصور، ليس مساحة لتقديم الثقافة السعودية داخل نمط فولكلوري، بل فضاء لشراكة منتجة مع المؤسسات الثقافية الفرنسية نفسها، حيث المثاقفة هي سرّ نجاح هذا التحول للخزامى وعطرها الأخّاذ من الرياض نحو أنوار باريس محمّلاً بذاكرة المكان وحيوية الحاضر، لتصبح الثقافة جسراً بين شعبين، والإبداع المشترك أفقاً لحوار يتجاوز الحدود.

ذو صلة