تبدأ القصة من حملك إياها هديةً بعد زيارتك الأولى لبلاد الثلج والقياصرة، لكنك لا تلبث أن تحملها في قلبك وتفكيرك، مستعذباً حضورها في كل فضاءات الأمكنة الروسية، محمّلة بابتسامتها الطيبة وأسرارها الكثيرة.
إنها الماتروشكا، دمية روسيا الأثيرة، القادرة على جذبك دائماً بدفء إطلالتها، جاذبية تكوينها، ومفهومها الخاص للاحتواء.
فرضيات الظهور والتسمية
ستسمع حديثاً شبه موحّد عن عملية صناعة الماتروشكا، التي تتطلب الكثير من الصبر والمهارة، وتبدأ باختيار شجر الزيزفون أو البتولا أو الحور، ثم يتم قطع الأغصان في الربيع، وفي غضون عامين تكتسب القوة في الهواء الطلق، وتصبح جاهزة للتشكّل.
لكن تاريخ ظهور الدمية الشهيرة، يحتمل الكثير من القراءات، التي يتصدرها اتفاق كثير من الروس مع رواية مشهورة اجتماعياً، تقول إن الماتروشكا ظهرت في روسيا في نهاية القرن التاسع عشر، على يدي فنان اسمه مالوتين، قام بتشكيل الماتروشكا الروسية على غرار عائلة آلهة يابانية، مثل إله الحظ، التعليم، الحكمة.. وغيرها.
غير أن هناك أنصاراً لحكاية ثانية، تتحدث عن مبشّر روسي آرثوذوكسي، سافر إلى اليابان، ونسخ اللعبة اليابانية. لكن هذه الفرضية ضعيفة جداً، وطالها الكثير من النقد، كونه لا توجد أي مصادر تثبت صحتها، كما أن هناك سؤالاً يطرح نفسه: لماذا يقوم رجل دين مسيحي باستنساخ عمل قام به وثني؟
أما المدافعون عن الحكاية، فيرون أن الدافع عند ذلك المبشر، ربما يكون، الرغبة في إعادة تكوين الشيء حسب هواه.
وثمّة رأي ثالث يقول إن الماتروشكا وفدت من اليابان، وتحديداً من جزيرة هونشو في عام 1890، لتحطّ رحالها في منطقة قريبة من موسكو.
كما أن هناك من يرى أنّه من غير المرجح أن نعرف الحقيقة أبداً، وربما يضاف هذا السرّ إلى أسرار الماتروشكا، ليزيدها سحراً وغموضاً!
نعود إلى الرواية الأولى، فعندما وصلت الدمية إلى الفنان الروسي سيرغي مالوتين، بُهِر بها، وقرر أن يصنع شيئاً مشابهاً، لكنه لم يكرر صور الآلهة اليابانية المرسومة على الدمية، بل رسم إسكيزاً لفلاحات سعيدات بأغطية مزهرة، وليجعلها تبدو عملية أكثر، أعاد رسمها وفي يدها ديك أسود.
أما الفتاة الثانية، فقد رسمها تحمل المنجل في يدها، والثالثة مع رغيف من الخبز.
ثم تساءل: كيف يمكن أن تكون الأخت دون أخ؟ وردّ على تساؤله برسم الأخ في قميص ملون، وهكذا حتى ظهرت العائلة كلها، تعمل بجهد ومحبة.
حفظت الدمية الأولى في متحف سيرغي، مرسومة بألوان الغواش، ولم يكن المظهر الاحتفالي بادياً عليها.
أما عن ظهور الاسم، فيقال إنه في فترة صناعة تلك الدمية، كان اسم ماترينا شائعاً بين الناس، وكانت ترجمته من اللاتينية تحمل عدّة معان: أم- أم الأسرة- المرأة المتزوجة. وبدا معنى الاسم منسجماً بقوة مع قيم الثقافة الروسية، التي ترى الأسرة الكبيرة خيراً إنسانياً حقيقياً.
بدت الدمية الأولى بمظهرها اللطيف وخدودها الوردية الممتلئة، والدة العائلة، وكل اللاحقين هم أطفالها.
دلالات الماتروشكا
يقول بعض الأصدقاء الروس إن الماتروشكا رافقتهم منذ سنواتهم الأولى، وبدت لهم دمية جميلة، لم يملّوا يوماً فكّها وتركيبها.
لكن مرور السنوات جعلهم يكتشفون فيها ما هو أكثر من متع الطفولة الأولى، فأصبحت الدمية تشكّل رمزاً لوجود وامتداد السلالة، التي تواصل تطورها في ابنتها ثم في حفيدتها.
أما التلاحم بين قطعها فيبدو تجسيداً لمبدأ وجود الحياة: واحد في الكل، وكل شيء في واحد.
كما أنه تأكيد لفكرة أنه لا يمكن لأحد أن يوجد دون الآخر.
أما تكوّن الدمية من ثلاثة أجزاء، هي الرأس والجذع والجزء السفلي من الجسم؛ فيرى فيه البعض إشارة إلى أن وجود الشخص غير قابل للتجزئة أبداً.
فيما يخصّ عدّها رمزاً لروسيا، فستسمع وتقرأ آراء مختلفة، لعلّ أبسطها وأكثرها شيوعاً، هو الاعتقاد بأنها تجسّد مفهوم الاتحاد، مثلها مثل جمهوريات روسيا.
كما أن هناك من يحمّلها فوق طاقتها، فيرى فيها دعوة لأن تكون نفسك، وتجد طريقك في الحياة!
أما الرأي الأكثر طرافة وجاذبية، فيرى أنها تذكار جميل وخفيف، يمكن وضعه بسهولة بين الأمتعة، وإرساله إلى أي مكان في العالم، فهو لن يكسر من صدمة خفيفة، ولن يتجعّد، وسيستقر على أي سطح مستو، محافظاً على ألوانه الزاهية لسنوات طويلة، فهذه هي الماتروشكا، ابنة روسيا الحقيقية: ساحرة، صبورة، مخلصة للتقاليد وسخية بجمالها الفريد.
دمية قوس قزح
يعتقد كثيرون أن الماتروشكا ملوّنة بألوان قوس قزح، وأن تلك الألوان مرسومة بدقة وانتظام، ابتداء من اللون الأحمر، وانتهاء باللون البنفسجي، تماماً كما هي موزعة في الكوكب وجسم الإنسان، فاللون الأحمر يحمل قوة كبيرة في داخله، لكن اهتزازه ليس عالياً جداً، ولا يسمح له بالارتقاء إلى أعالي السماء. اللون الأحمر يجذب الجسم إلى الأرض-الأم، ويسمح له باكتساب الكثير من القوى الحيّة.
أما اللون الأصفر، فيمنح الاستقرار، القوة، مع الصحة والتصميم.
والأخضر يدعم حدسنا وقوانا الروحية. أما السماوي فيدعم التواصل مع الآخرين، ويغذي أعصابنا وقوانا الفكرية، ليأتي الأزرق، اللون المسؤول عن التواصل والنمو العقلي، ليفتح لنا آفاقاً جديدة ومعرفة بقوانين الوجود وعطاءات البصيرة.
لنستقرّ أخيراً مع البنفسجي، الذي يتحكم بتوزيع وتوازن الطاقة على جميع أنحاء الجسم.
ماتروشكا اليوم
تحافظ الماتروشكا على قوامها الأساسي، لكنها تبدّل ملامحها من وقت لآخر، فتارة تأخذ وجوهُ الفنانين مكان السيدة الطيبة، وتارة يطلّ رجال السياسة من شتى دول العالم، لكن الشيء الأساسي يبقى، وسيبقى دائماً: روسيا تظهر جليّة على سطح دميتها الأشهر، بشتائها الخاص، تقاليدها وجمال أزيائها مع غنى تاريخها وعمارتها الفريدة.