لم ينقطع الجدل في العصر الحديث الدائر حول شخصية الفيلسوف الكيميائي أبي موسى -ويكنى أيضاً أبا عبد الله: جابر بن حيّان بن عبدالله الصوفيّ، الكوفيّ الطوسيّ (المتوفى سنة 200هـ تقريباً)، وهو الذي يحتلّ مَوضعَ الصدارة في تأسيس العلوم التجريبية وصناعة الكيمياء في الحضارة الإسلامية. وهذا الجدل الحديث له سوابقه في التاريخ، فقد انقسم الناس فيه بين طاعن في حقيقته التاريخية أو في نسبة مؤلفاته إليه، وبين محقِّقين مُثبِتين وجودَه التاريخيّ ومُقرِّين باتّساق منهجه في المؤلّفات المنسوبة إليه.
أولاً: جذور التشكيك في التراث الكلاسيكي وردود الأقدمين
وثّق المؤرخ الببليوغرافي محمد بن إسحاق النديم (ت 385هـ) في المقالة العاشرة من كتابه (الفهرست) ظهور طائفة من أهل العلم والورّاقين في عصره ممن زعموا أن جابر بن حيان (لا أصل له ولا حقيقة)، وأن ما نُسب إليه من تصانيف هي مِن وضْع غيره، ثُمّ نحلوها إياه، أو أنّه إن كان شخصاً حقيقياً فإنه لم يؤلّف سوى (كتاب الرحمة)؛ ولكنّهُ بعدَ أنْ أوردَ هذا التشكيك وذكَرَ دعوى المنكرين؛ أعْقَبَها بالردّ فقال (ص435): «وأنَا أقُولُ: إنَّ رَجُلاً فَاضِلاً يَجْلِسُ ويَتْعَبُ ويُصَنِّفُ كِتَاباً يَحْتَوِي على أَلْفَيْ وَرَقَة، يُتْعِبُ قَرِيحَتَهُ وفِكْرَهُ بِإخْرَاجِه، ويُتْعِبُ يَدَهُ وجِسْمَهُ بنَسْخِه، ثم يَنْحَلُهُ لغَيْرِه -إِمَّا مَوْجُوداً أو مَعْدُوماً- ضَرْبٌ من الجَهْل، وإِنَّ ذلك لا يَسْتَمِرُّ على أَحَدٍ، ولا يَدْخُلُ تَحْته من تَحَلَّى سَاعَةً وَاحِدَةً بالعِلْم. وأَيُّ فَائِدَةٍ في هذا وأَيُّ عَائِدَة، والرَّجُلُ له حَقِيقَةٌ وأَمْرُهُ أظْهَرُ وأَشْهَرُ، وتَصْنِيفَاتُهُ أَعْظَمُ وأَكْثَر».
فبَيّن ابنُ النديمِ استحالةَ أنْ يَعكف عالمٌ مجتهدٌ على تدوين موسوعات ضخمة تبلغ آلاف الأوراق بجهده وقريحته ثُمّ يَنسبها كذباً إلى رجل مجهول أو معدوم لا وجود له؛ إذ عَدّ هذا الفرض ضرباً من الجهالة. ثُمَّ جزمَ ابنُ النديم بثبوت وجوده، وأنّ له حقيقة، وأنّ أمره أظهر وأشهر، وتصنيفاته أعظم وأكثر.
وقد ذكر ابن النديم أيضاً أقوالاً عدّة في مزاعم المثبِتينَ حقيقتَه، فمِنهم مَن قال: هو من أصحاب جعفر الصادق، ومِنهم مَن قال: هو من جماعة الفلاسفة، ومِنهم مَن قال: بل هو من زمرة البرامكة.
ويبدو القول الأخير هو الأكثر وجاهة، لأنّ جابر بن حيان كان يذكر في بعض كتبه شخصاً يسمّيه (سيّدي جعفر)، وهو جعفر بن يحيى البرمكي -لا جعفر الصادق؛ بدلالة كتبه التي نَصّ فيها على أنّه كان يعملها للبرامكة. ولعلّ هذا يفسّر عدم ظهور أمر جابر بن حيّان الذي يبدو أنّه تخفّى وتنقّل في البلاد بعد نكبة أصحابه البرامكة (سنة 187هـ).
ومن هنا يتأكّد لنا صِحّة شكّ المؤرّخ صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ) في كتابه (الوافي بالوفيات) (11/ 27) إذْ قال: «جَابر بن حَيَّان أَبُو مُوسَى الطرسوسي، قَالَ القَاضِي شمس الدّين أَحْمد بن خَلّكان: ألَّفَ كتاباً يشْتَمل على ألْفِ ورقةٍ يتَضَمَّن رسائلَ جَعْفَر الصَّادِق وَهِي خَمْسمِئَة رِسَالَة فِي الكيمْياءِ. قلت [أي الصفدي] وَأَنا أُنزِّه الإِمَام جعفراً الصَّادِق رضيَ الله عنه عَن الْكَلَام فِي الكيمْياء، وَإِنَّمَا هَذَا الشَّيْطَان أَرَادَ الإغواء، بِكَوْنِهِ عزَا ذَلِك إِلَى أَن يَقُوله مِثلُ جَعْفَر الصَّادِق، لِتَتلَقَّاه النُّفُوس بِالقَبُول».
ومع أنّ نَصّ الصفدي فيه تبرئة للإمام جعفر الصادق، إلّا أنّ فيه إثباتاً لشخصية جابر، وأنّها حقيقية لا وهمية. ولكن يبدو أنّه لم يطّلع على تراث جابر بن حيان بنفسه، فاعتمدَ على ما ذكرَه المؤرِّخ ابنُ خَلِّكان (ت 681هـ) قبْلَهُ، في كتابه (وفيات الأعيان) (1/ 327) وقد أخطأ في نسبة تلك الرسائل إلى جعفر الصادق أو ربّما نَقلَ عن نسخةٍ رآها ووجد فيها هذه النسبة الخاطئة، والصَّواب أنّ هذه الرسائل عملها جابر بن حيان لسيّده جعفر البرمكي.
وقد أشار إلى ذلك ابن النديم عندما قال في (الفهرست) (ص435): «وقيل: إنه كان في جملة البرامكة ومنقطعاً إليها ومتحققاً بجعفر بن يحيى، فمَن زعمَ هذا قال إنّه عنَى بسيّده جعفر هو البرمكي»، وقال ابن النديم أيضاً وهو يُعدِّد كتب جابر بن حيّان (ص436): «كتاب مزارع الصناعة كتاب إلى علي بن إسحاق البرمكي، كتاب التصريف، كتاب الهدى، كتاب تليين الحجارة إلى منصور بن أحمد البرمكي، كتاب أغراض الصنعة إلى جعفر بن يحيى البرمكي». وهذا الكتاب الأخير يؤكّد ما ذهبنا إليه لأنّه خاص بالكيمياء التي كانت تُسمّى (الصنعة).
ومما يؤكّد مصداقيّة ما جزَمَ به ابنُ النديم في إثبات شخصية جابر بن حيان: أنّ الفيلسوف أبا بكر محمد بن زكريا الرازي (ت 313هـ) كان يعتمد على كتب جابر بن حيان، وهذا الصنيع هو أحد أقوى الأدلة التراثية على وجود جابر بن حيان وتأثيره البالغ في الجيل الذي تلاه، إذْ لم يكن بين الرازي وبين جابر بن حيان سوى نصف قرن، ومن المُحال تشكيل أسطورة بهذا الحجم تنطلي على أهل عصره، لا سيّما أهل العلم منهم. فينقل ابن النديم عن كتب الرازي في الصنعة (الكيمياء) يقول (ص435): «والرَّازِيُّ يَقُولُ في كُتُبِه المُؤَلَّفَة في الصَّنْعَةِ: (قال أَسْتَاذُنَا أبو مُوسَى جَابِرُ بن حَيَّان)». وكذلك كان مِسْكوَيه (ت 421هـ) من المشتغلين بكتب جابر بن حيان مولعاً بها، نقل ذلك عنه صاحبه أبو حيان التوحيدي (ت 414هـ) في كتابه (الإمتاع والمؤانسة) (ص51).
ثانياً: تتابُع المؤرِّخين على إثبات شخصية جابر بن حيان
لقد دأبَ العلماء والمؤرّخون من بعد ابن النديم على التسليم بوجود شخصية جابر بن حيان، ومِن أقدَمِهم على سبيل المثال: المطهر بن طاهر المقدسي (المتوفى بعد 355هـ)، إذْ نقل عدة نصوص عن جابر بن حيّان وسمّاه باسمه في كتابه (البدء والتاريخ) (2/ 236 وما بعدها). ومنهم أيضاً ابن القفطي (ت 646هـ) في كتابه (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) (ص125) قال: «جابر بن حيان الصوفي الكوفي كان متقدماً في العلوم الطبيعية، بارعاً في صناعة الكيمياء، وله تآليف كثيرة ومصنفات مشهورة، وكان مع هذا مشرفاً على كثير من علوم الفلسفة، ومتقلداً للعلم المعروف بعلم الباطن، وهو مذهب المتصوفين من أهل الإسلام». وكذلك فعلَ ابنُ خَلِّكان (ت 681هـ) والصفديّ (ت 764هـ) وابن خلدون (ت 808هـ) وغيرُهم مِن المؤرخين على مرّ العصور، حتى قال أبو الثناء الآلوسي (ت 1270هـ) في تفسيره المسمَّى (روح المعاني) (10/ 324): «جابرُ بنُ حيّان وهُو إمامٌ في هذهِ الصَّنْعةِ، وإنْكارُ أنَّه كانَ مَوجوداً حُمْقٌ».
ولكن الباحث المعاصر عبدالرحمن قائد في كتابه (الكيمياء القديمة) (ص144) انتصر بشدّة لإنكار وجود شخصية جابر بن حيان، واستدلّ على ما ذهبَ إليه بكلام بعض العلماء المتأخّرين في التراث العربي، كابن تيمية (ت 728هـ) في (مجموع الفتاوى) (29/ 374)، الذي يقول: «وأما جابر بن حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية، فَمجهولٌ لا يُعرَف، وليسَ له ذِكر بين أهل العلم ولا بين أهل الدين». وما أدري كيف فهم هذا الباحث من هذا القول إنكار وجود شخصية جابر؟ ومعلومٌ أنّ ابن تيمية رجل من أهل الحديث، ومصطلح (مجهول) لا تعني عندهم: معدوم الوجود، أو شخصية خيالية، وإنما هو عدم وجود سيرة منقولة لهذا الشخص، أو عدم وجود مَن يَعرفُه (عيناً) أو (حالاً) في ذلك العصر؛ فهذه مِن مصطلحات رجال الحديث المعروفة.
كما استدل الباحث عبدالرحمن قائد أيضاً في كتابه (الكيمياء القديمة) (ص144) بكلام ابن نباتة الشاعر الأديب المصري (ت 768هـ)، إذْ نقلَ عنه من قوله في (سرح العيون) (ص225): «وأما جابر بن حيان المذكور فلا أعرف له ترجمة صحيحة في كتاب يُعتمد على نقله، وهذا دليلٌ على قول أكثر الناس إنه اسمٌ موضوع وضعه المصنفون في هذا الفن، ويزعمون أنه كان في زمن جعفر الصادق رضي الله عنه، وأنه إذا قال: قال لي سيدي، وسمعت من سيدي، فإنما يعني به جعفراً الصادق رضي الله عنه، ومع ذلك فإن الله تعالى أعلم بحقيقتها». فهذا القول ليس فيه سوى إنكار وجود ترجمة (سيرة) لجابر بن حيان، وقد ختم الكلام بعبارة: (الله تعالى أعلم بحقيقتها)، فهو لم يزد على أن يتشكك ولم يجزم بشيء. بينما نرى الذين أثبتوا شخصية جابر ودرسوا كتبه وعرفوا أنها لشخصٍ واحد، ووصلتْ إليهم بعضُ الأخبار الدالة على صحة وجوده؛ كان كلامهم أولى بالاعتبار؛ لأنّ المُثبِت مُقدَّم على النافي لِمَا معه مِن زيادةِ علْمٍ. وأمّا ضياع سيرة جابر بن حيان فليست هي المثال الأوحد في تاريخ سِيَر الأعلام، فكم ضاعت من تراجم وسير لأعلام مشهورين، لهم مصنّفات لا ينكر نسبتها إليهم أحد، كأبي زيد القرشي صاحب (جمهرة أشعار العرب) وابن النديم صاحب (الفهرست) والراغب الأصفهاني صاحب المؤلفات الذائعة.. وغيرهم كثير جدّاً، فضلاً عن الرواة الذين قال فيهم عُلماء الرجال: (لا تُعرف لهم ترجمة)، ولم نَسمع أحداً زعم أن هؤلاء الأعلام شخصياتٌ وهمية، وأسماءٌ مخترَعة، إلّا ما قام الدليل عليه.
ثالثاً: نصّان تراثيّان متناقضان ظاهراً.. كيف نستفيد منهما؟
النصّ الأوّل: ذكرَ صاحبُ (تذكرة النوادر من المخطوطات العربية) (ص170) نسخةً مخطوطةً لكتاب (الرحمة) لجابر بن حيان، محفوظة في الخزانة الآصفية (برقم 60) مثبت في أوّلها رواية عن أبي الربيع سليمان بن موسى بن أبي هشام، عن أبيه موسى بن أبي هشام قال: (لمّا توفّي أبو موسى جابر بن حيان الصوفي رحمه الله بِطُوس في سنة مِئَتين من الهجرة، وُجِد هذا الكتابُ تحت رأسه...).
فهذا النصّ طار به في العصر الحديث المثبتون لحقيقة وجود جابر بن حيان، مع أنّه خبر من الممكن أن يكون موضوعاً (مصنوعاً) يكتبه النُّسَّاخ على طرر بعض النسخ المخطوطة ليزيدوا من قيمتها، هذا احتمال وارد، لا سيّما أنّه ليس خبراً منقولاً عن كتاب، وراويه غير معروف، لا ذِكرَ له ولا لأبيه في الكتُب. وعلى الرغم من ذلك فإنّ متن هذه الرواية أقرب إلى واقع جابر بن حيان، ولذلك اعتمدَها الزركلي في طبعاته اللاحقة من كتابه (الأعلام).
ومما يدل على أنّ هذه الرواية أشبه بواقع جابر بن حيان ما أورده عنه ابن النديم فيما تقدَّم ذِكرُه، ويؤكّده ويزيد عليه عزّ الدين الجِلدكيّ (ت 743هـ) في كتابه (البرهان في أسرار علم الميزان) الذي ذكر لنا أنّ جابراً عُمّر أكثر من تسعين عاماً، وأنّه كان مع البرامكة، وكان الفضل بن يحيي البرمكي (ت 180هـ) من تلامذة جابر في الكيمياء، واتصل جابر في أيام البرامكة بالخليفة هارون الرشيد وصنّف له كتاب (الزهرة)، ثم بعد نكبة البرامكة بقي متخفّياً حتى أدرك عهد المأمون (سنة 198هـ). وللجِلدكّي ميزة على غيره، فهو من أهل الصنعة، وقد كان شديد العناية بجابر بن حيان وحريصاً على جمع مصنّفاته، فحصّل منها عدداً كبيراً، ودرَسَها وناقَشَها وشرَحَ بعضَها، مِن ذلك: كتابه (سِرّ الحكمة في شرح كتاب الرحمة)، فمن المرجّح أنّه وقف على أشياء في كتب جابر لم نقف عليها إذْ لم تصل إلينا، لا سيّما أن جابراً كان ممن يتحدّث عن نفسه في كتبه، لا كالراغب الأصفهاني الذي لم يتكلّم بشيء عن نفسه ولا تكلّم عنه أهل عصره.
النصّ الثاني: ما ذكره الفيلسوف موفق الدين بن المطران (ت 587هـ) في كتابه (بستان الأطباء) (ص53)، عن أبي سليمان السجستاني المنطقي (ت 380هـ)، قال: «إن أبا الحسن ابن النكد الموصلي كان صديقي، وهو الذي كان يؤلف الكتب وينسبها إلى جابر بن حيان، ويحملها إلى المتهوِّسين بصناعة الكيمياء، فيحصِّل بها منهم الجُمَل الصالحة من الدراهم».
هذا النصّ هو من حكاية رجل في القرن السادس عن رجل في القرن الرابع، فأين الإسناد؟ وما مدى صدق ابن المطران؟ وما مدى صدق أبي سليمان في حكايته عن صديقه المجهول (ابن النكد الموصلي)؟ كل هذا لا يُعرَف، ولا يمكن التحقق منه في ظل عدم معرفتنا بحال هؤلاء الرجال الثلاثة؛ فأَنْ نَستفيدَ مما في بعض كتبهم من العلم لا يعني أنْ نقبلَ روايتَهم، فالرواية لها شأن خاص في المنهج الإسلامي.
وعلى افتراض صحّة هذه الرواية، فهي لا تنفي شخصية جابر بن حيان، ولا تنفي ما صحّت نسبته إليه من كتبه، وغاية ما هنالك أنها تخبرنا عن أحد الوضّاعين الذين دفعهم حب المال إلى هذا العمل، لمعرفته برواج كتب جابر بن حيان بين الناس. وله أمثاله عبر التاريخ، من ذلك الكتاب المنحول إلى (أفلاطون) في الكيمياء المسمّى (الروابيع)، وكذلك الكتاب المنحول إلى مَسلَمة المجريطي (ت 398هـ) المسمّى (غاية الحكيم)، والآخر المسمّى (رتبة الحكيم).
أما خبر ابن النكد الموصلي هذا فقد أجاب عنه البروفيسور فؤاد سزكين، فقال في كتابه (تاريخ التراث العربي: الكيمياء والنبات) (1/ 292): «إنّ هذه الإفادة لا تضير القناعةَ بأصالةِ الكتُب. فإنّ جزءاً عظيماً من كتُب جابر توثَّق ببيانات ومقتبسات مؤلِّفِين عاشوا قبل الموصلي المذكور بنحو خمسين عاماً. وبسبَب الوحدة المُدهِشة في الأسلوب الأدبي ونمط الاستدلال الفكري وبروزهما في المجموع، ولإحالات الأجزاء بعضها إلى بعض، ثم لِمَا تأكَّد مِن صحّة هذه الإحالات عن طريق فهرسَي كتُب جابر اللَّذَين حفظهما لنا ابنُ النديم؛ لهذهِ الأسبابِ جميعِها لا يمكن إلّا أنْ تكونَ هذه الكتُب قد صُنِّفَت مِن قِبَل مؤلِّفٍ واحدٍ لا غَير».
رابعاً: الإشكالية في الدراسات الاستشراقية الحديثة
تجدَّدت الشكوك مع بدايات حركة النقد الاستشراقي لتاريخ العلوم الإسلامية عبر دراسات باحثين كـ(مارسلان برتلو)، و(يوليوس روسكا)، و(باول كراوس)، فاستند هؤلاء إلى التوسع الهائل للمدونة الجابرية (Corpus Jabirianum) وتنوع موضوعاتها الفلسفية والرياضية واللغوية، واحتوائها على اصطلاحات ومفاهيم عُدّت متقدمة عن عصر النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، فكان ذلك منطلَقهم في التشكيك في شخصية جابر بن حيان.
1 - طرح (مارسلان برتلو) (M. Berthelot):
كان الكيميائي والمستشرق الفرنسي (برتلو) في كتابه (La Chimie au Moyen Âge) (1893م) أول من فجر التشكيك الحديث؛ حيث زعم انقطاع الصلة بين كتب (Geber) اللاتينية والنصوص العربية لجابر، مدعياً أنّه «يستحيل على المرء أن يجد في الكتب اللاتينية صفحة واحدة أو مقطعاً يمكن عده ترجمة عن المؤلفات العربية... وأن الظواهر الجديدة التي يشرحها هذا المؤلف كانت مجهولة تماماً عند العرب».
2 - أطروحة (يوليوس روسكا) (J. Ruska):
رفض المستشرق الألماني (روسكا) أصل نسبة المصنفات، ونشر دراسته المشتركة مع (باول كراوس)، بعنوان (تداعي أسطورة جابر) (Der Zusammenbruch der Dschabir-Legende) (1930م)، مقرراً فيها: أنّ الروايات والبيانات التاريخية المتعلقة بزمن حياة جابر لا يُعتد بها، وأن جابراً لم يكن شخصاً حقيقياً مؤلفاً لتلك الكتب في القرن الثاني الهجري، بل هي من نتاج القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع/العاشر الميلاديين).
3 - أطروحة (باول كراوس) (Paul Kraus):
قدّم المستشرق الألماني (كراوس) دراسته الموسعة في مجلدين بعنوان (Jâbir ibn Hayyân: Contribution à l›histoire des idées scientifiques dans l›Islam) (القاهرة 1942-1943م)، ذهب في المجلد الأول إلى إنكار نسبة (المجموع الجابري) إلى شخص جابر، زاعماً أنها مؤلفات وضعتها جماعة شيعية/إسماعيلية عبر حقبة زمنية تمتد ما بين (250 - 350ه)، واستند في المجلد الثاني إلى حجج لغوية ومادية، منها: ورود مصطلح (النشادر) ومصطلحات فلسفية مستمدة من الترجمات الهيلينية، جاعلاً ظهورها يفترض زمناً تالياً لعهد الترجمة العباسي المنظّم. في حين يقرّ (كراوس) في الوقت ذاته بوحدة البناء الداخلي للتراث الجابري قائلاً: «لا يمكن انتزاع أي كتاب من هذا المجموع واعتباره مزيفاً دون أن تتعرض أصالة المجموعة كلها للشكوك... فالتفاصيل العلمية الطبيعية جميعها رُكّبت فيما بينها ضمن سياق كبير لا تحصل على معناها وصحتها إلا من خلاله». ومع إقراره هذا يتناقض (كراوس) مع نفسه ويفترض أن المدونة الجابرية لا تعود لشخصية واحدة عاشت في عهد الخليفة هارون الرشيد، بل تمثل نتاج مدرسة علمية باطنية أو جماعة سرية أنتجت هذه المصنفات خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين، ونَسَبَتْها رمزياً إلى جابر بن حيان.
خامساً: إثبات الحقيقة التاريخية في البحث الحديث
لم يكد التشكيك بشخصية جابر وتراثه يستقر بين الباحثين حتى برَزَ من المستشرقين ومِن العرب مَن ينهض لمناقشة ذلك، ويُثبت حقيقة وجود جابر بن حيان وتراثه الأصيل.
1 - تحقيقات (إريك جون هولميارد) (E. J. Holmyard):
دحض المستشرق البريطاني (هولميارد) (1922–1928م) مزاعمَ (برتلو)، وأثبت عبر مقارنة المخطوطات أن الكتب اللاتينية المنسوبة إلى (Geber) تمثل ترجمات مباشرة للنصوص العربية الأصيلة لجابر بن حيان، مؤكّداً أنه مؤسِّس الكيمياء العلمية في القرن الثامن الميلادي.
2 - دراسة البروفيسور فؤاد سزكين في (تاريخ التراث العربي) (GAS):
خصّص المؤرّخ التركي سزكين المجلد الرابع من موسوعته لمسألة جابر بن حيان، وفنّد أدلة (كراوس) و(روسكا) تفصيلياً، وبيّن أن جابراً لم يقتبس إلا عدداً محدوداً من المصادر اليونانية (مثل بعض كتب أرسطو وجالينوس والإسكندر الأفروديسي) ومعظمها ورد في كتابه (البحث)، في حين غابت عنه مئات المصنفات الفلسفية والطبية اليونانية التي تُرجمت في القرن الثالث الهجري (عصر حنين بن إسحاق وتلاميذه)، مما يقطع بأنّ كتُبَه مؤلَّفَة في القرن الثاني الهجري قبل تلك الترجمات الموسعة.
وأثبتَ سزكين وجود ثلاثة فهارس تاريخية مبكّرة وضعَها جابر بنفسه لكتُبه، اطَّلع ابنُ النديم على اثنين منها (الفهرست الكبير، والفهرست الصغير)، واطَّلع الكيميائي المؤيد الطغرائي (ت 515هـ) على الفهرست الثالث في (مفاتيح الرحمة)، ومحتوى هذه الفهارس يطابق الترتيب المخطوطي المحفوظ.
وخلُصَ سزكين بعد عرض الوثائق والشواهد والأدلة إلى أنَّ جابراً كان بلا أدنى شكّ حيّاً في القرن الثاني للهجرة، ولم يكن رجلاً عادياً، وإنما كان عالماً يتمثّل فيه مركز الثقل في موضوع الكيمياء الإسلامية برمَّتها.
3 - دراسة أحمد زكي صالح:
كتبَ البروفيسور المصري أحمد زكي صالح سلسلة مقالات بعنوان (الوضع الحقيقي لمشكلة جابر بن حيان، نشرها في مجلة الرسالة في الأعداد (368، 369، 370، 371) سنة (1940م). تناولَ فيها الإشكاليات والشبهات التي أثارها (برتلو) و(روسكا) و(كراوس)، وفنّد فيها دعواهم بنحو ما فعلَ سزكين. وعدَّ صالحٌ كيمياءَ جابر حجَرَ زاوية، وأساساً للكيمياء الحديثة، لما اشتملت عليه من قوانين عددية ومناهج تجريبية سادت الفكر العلمي في أوروبا قروناً طويلةً عن طريق الترجمات اللاتينية المتعاقبة. وأنّ الاسم اللاتيني الشهير في تاريخ العلم الأوروبي (Geber) هو ترجمة للاسم العربي: جابر بن حيان.
4 - دراسة زكي نجيب محمود:
استفتحَ الفيلسوف المصري زكي نجيب محمود كتابَه (جابر بن حيان) بفصل سمّاه: (مَن هو الرجُل؟) نصرَ فيه تحقيقات (هولميارد)، واعتمدَ كثيراً على ابن النديم والجلدكي في إثبات شخصية جابر وبناء سيرته، وقال (ص15): «فعلاقته بالبرامكة يكاد يكون عليها إجماع»، ثُمّ قال إنّ هذا «يبيّن لنا الخطأ التاريخي الذي ذكره حاجي خليفة في (كشف الظنون) من أنّه قد توفي سنة (160هـ)».
وهذا ملحظ مهم، يدعونا أيضاً إلى بيان خطأ محقِّق (كشف الظنون) مؤخَّراً: البروفيسور العراقي بشّار عوّاد معروف، الذي زعم واهماً (حاشية 7/ 493) أنّ حاجي خليفة بيّضَ لسنة وفاة جابر بن حيان ولم يذكرها لأنّه كان يجهلها، بينما المحقق نفسه حين ترجمَ لجابر بن حيان (حاشية 4/ 63) ذكر من مصادره كتابَ (سلّم الوصول) لحاجي خليفة، وهو ينصّ فيه صراحة على أن وفاته كانت سنة (160هـ) تقريباً، وعنه أخذَ المحقِّق هذا التاريخ، إذْ لم ينصّ عليه أحد قبل حاجي خليفة؛ فكيف يكون لا يعرفه؟ ولماذا أصرّ المحقق -هو من المؤرّخين المعاصرين- على اعتماد تاريخ (160هـ)؟ إذْ لا يخفى عليه أنّ جابراً كان في زمرة البرامكة، أي بعد هذا التاريخ قطعاً.
خاتمة
وحاصل القول بعد كلّ ما أوردناه أنّ نصوص المؤرّخين القدماء (ابن النديم ومَن بعده) ونتائج بحث وتحقيق كبار مؤرّخي العلوم المعاصِرين (من أمثال: هولميارد وسزكين وصالح)؛ تُجمِع على أنّ جابر بن حيان شخصية تاريخية حقيقية غير وهمية، كان له وجود عيني ونتاج علمي ريادي أصيل في القرن الثاني الهجري. أمّا ما أثاره بعضُ الورّاقين قديماً مِن دعاوى الوضع والانتحال هو جهل بحقيقة تراث هذه الشخصية، أمّا ما أثاره بعضُ المستشرقين حديثاً من تشكيك وتزييف فيرجع غالباً إلى تداخل شروح المتأخّرين وإقحامات النُسَّاخ وترجمات اللاتين مع المتون الأصلية، وهو أمر عارض لا يمسّ الحقيقة التاريخية لمؤسِّس علم الكيمياء جابر بن حيان.