مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

بـ(رسالة رحلتي) أسس لنقد الأغنية أكاديمياً الموسيقار عبدالرب إدريس والكتابـة بذاكــرة الأصابــع

خارج تعدد الدراسات والأبحاث ذات النسق الانطباعي التحليلي، لم أجد -حسب علمي المحدود- كتاباً علمياً أو بالأحرى أكاديمياً يلمّ بالأغنية اليمنية، أفضل من كتاب (رسالة رحلتي) لمؤلفه الموسيقار عبدالرب إدريس، والذي صدر في 2023م عن دار المحترف السعودي للنشر والتوزيع، بإشراف هيئة الأدب والنشر والترجمة السعودية، حيث يعد الكتاب عملاً أكاديمياً عربياً ريادياً، وعلامة مفصلية في تاريخ النقد الموسيقي العربي للأغنية اليمنية وفق رؤية فنية جسرت بين التجربة والتحليل الأكاديمي المنهجي.
ولأن عبدالرب إدريس متعدد المواهب (مطرب، وملحن، وموسيقار، وناقد أكاديمي)، فقد كتب بذاكرة الأصابع، ساكباً خلاصة تجاربه الفنية والموسيقية، بين دفتي كتاب، قامت أسسه البحثية والبيانية على دراسة علمية أصيلة نال بموجبها درجة الدكتوراه في مضمار (التقييم النقدي للأغنية اليمنية) من جامعة حلوان بالقاهرة 1988م، حسب ما أوضحه في مقدمة كتابه الجدير بأن نحلق في فضاءاته المعرفية، غير أن الضرورة الموضوعية تقتضي -قبل ذلك- الذهاب إلى المبتدأ السيري الفني للموسيقار إدريس الذي خط سيرة الضوء من مرافئ المكلا إلى فضاء النغم العربي.
في مدينة المكلا، حيث البحر يعانق الجبل في عناق أبدي، وحيث التاريخ يتنفس في ملامح الناس وصوت الموج، وُلد عبدالرب سعد الله إدريس في 11 من يوليو 1946م، من أم صومالية وأب يمني حضرمي، وفي تلك المدينة الحضرمية ذات المجتمع العصامي، المجبول على التجارة والعلم والكرم، تشكلت بدايات وعيه، فتعلم من صبر البحارة دقة الإيقاع، ومن حكايات العابرين رحابة اللحن، ومن تراثها الضارب في العمق الحضاري أولى بذور انتمائه إلى الصوت الفني اليمني الذي جاب الآفاق دهشة ونقاء وصفاء.
وفي طفولته، كان ولعه بكرة القدم يشبه شغفه بالموسيقى، روح حرة تركض خلف معنى الجمال أينما كان، غير أن إصابة قدمه -بحادث عرضي- غيرت بوصلة حياته نحو الغناء والموسيقى، وفي المدرسة، ظهرت بوادر وعيه الفني كقارئ للقرآن بصوت ندي، ومنشد في الإذاعة المدرسية، ومستمع لبيب لأصوات عبدالوهاب، وفريد الأطرش، وأم كلثوم، فكانت الموسيقى -في هذه المرحلة- تسجل في ذاكرته قبل أن تكتب في نوتة، وعبرها كان يقرأ الوجود من حوله بأذنيه لا بعينيه، ويترجم صوته الداخلي إلى ما سيصير لاحقاً ظاهرة موسيقية عربية لافتة.
اختبار الإرادة
وعندما تزوج في السابعة عشرة، كان على موعد مع امتحان الإرادة، فقد كان يكتب باليسار ويجبر على العزف باليمين، ليجلس أمام العود لساعات طوال، يروض اليدين على الاتفاق، ويزرع بينهما صلحاً موسيقياً مقدساً، فحوّل العجز إلى عزف، والجهد إلى إتقان، والموهبة إلى قدر واضح المعالم، ورغم زواجه مبكراً إلا أنه سافر بعد فترة وجيزة إلى القاهرة، ليدرس في ستينات القرن الماضي الثانوية الموسيقية، ثم التأليف والتوزيع الموسيقي في المعهد العالي، وتعلم البيانو على يد المايسترو عبدالحليم نويرة والدكتور حمد المفتي، وكانت القاهرة بالنسبة له مدينة المغنى والمعنى، ففيها أدرك أن الموسيقى علم أيضاً، لا مجرد وجد ووجدان.
وفي إحدى ليالي المكلا -بعد عودته من القاهرة- سمع صوته رجل من الكويت، فدعاه إلى الإذاعة الكويتية حيث سجل ثلاث أغنيات، من بينها (غريب) التي لحنها في أحد شوارع مدينة الكويت، كانت تلك الخطوة بداية التحول من الموهبة إلى الاحتراف، ومن السماع إلى التأليف، ومن إذاعة الكويت إلى معهدها العالي للموسيقى عام 1973م، بدأ عبدالرب إدريس رحلة التدريس، مؤسساً جيلاً جديداً من الموسيقيين الخليجيين، قبل أن يسافر إلى القاهرة لإكمال دراسته العليا لنيل درجة الدكتوراه من جامعة حلوان عام 1988، وذلك عن رسالته الموسومة بـ(تقييم نقدي للأغنية اليمنية بشقيها: الحضرمي والصنعاني)، جامعاً بين العمق النظري والخبرة العملية (التطبيقية)، ليصبح أحد أبرز الأكاديميين في الموسيقى العربية الحديثة، ومن قاعات الدراسة إلى خشبات المهرجانات، وعبر إذاعة (صوت العرب) كان صوته يجمع بين (ليالي الخليج) وألحان الشرق الحزينة.
ذلك التطور الإبداعي المتسارع في الانتشار، أهّله للتعاون مع كبار الأصوات العربية، فغنى من ألحانه: طلال مداح، محمد عبده، ماجدة الرومي، سميرة سعيد، عبادي الجوهر، راشد الماجد، نانسي عجرم، آمال ماهر، عبدالكريم عبدالقادر، وعبدالمجيد عبدالله، وغيرهم. فصارت ألحانه جسراً بين الحس التراثي اليمني والرؤية المدنية الحديثة (الخليجية والعربية)، ومن أشهر ألحانه وألبوماته الغنائية الخالدة: (أسمر حلو)، (أنا وأنت)، (هذا العمر)، (تم اللقاء)، (ليلة لو باقي ليلة)، (آخر مراسيله)، (طائر بلا ريش)، (أراقب الساعة)، و(لا أنت من ثوبي) وغيرها من الأعمال التي شكلت كلها محطات في سفر الوجدان الغنائي العربي.
اختبار الصبر وتأكيد الانتماء
ولم تتوقف إنجازاته عند الألحان والغناء، بل تجاوز ذلك إلى التأسيس للإنتاج الفني المؤسسي، فافتتح أستوديو «ليلة» الخاص به بالقاهرة، في عام 2000م، فكان ملتقى للأصوات الشهيرة والمنتجين العرب، قبل أن يلتهمه حريق مفاجئ عام 2016م، وكأن القدر أراد اختبار صبر الفنان العصامي عبدالرب إدريس، أمام رماد مشروعه الإبداعي، غير أنه كعادته، نهض من الرماد ليواصل التلحين والإشراف الفني، مؤمناً أن الموسيقى مجد فينيقي لا تموت.
وفي أبريل 2019م، عين رئيساً للفرقة الوطنية السعودية للموسيقى، فوجدها فرصة لإعادة تأكيد انتمائه لمشروع النهضة الفنية العربية، جامعاً بين الأصالة والتحديث، وفي عام 2023م كرمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، تقديراً لمسيرته الممتدة من المكلا إلى القاهرة والكويت.
(رسالة رحلتي) والكتابة بذاكرة الأصابع
ولأن عبدالرب إدريس متعدد المواهب (مطرب وملحن وموسيقار وناقد أكاديمي)، فقد كتب بذاكرة الأصابع، ساكباً خلاصة تجاربه الفنية والموسيقية، بين دفتي كتاب، قامت أسسه البحثية والبيانية على دراسة علمية أصيلة نال بموجبها درجة الدكتوراه في مضمار (التقييم النقدي للأغنية اليمنية) من جامعة حلوان بالقاهرة 1988م، فكان كتاب (رسالة رحلتي) الذي جمع بين الفضاء المذكّراتي، والتأصيل العلمي للتجربة الفنية الذاتية، والذي صدر ضمن مشروع تحريري وفني أدار تفاصيله الصحفي السعودي عبدالوهاب العريض.
ومن اللافت أن عنوان الكتاب -الذي جاء في 272 صفحة- يعلن عن رحلة فنية وبحثية في أغوار المقام والإيقاع والنص الغنائي، في محاولة أصيلة تعيد تشكيل الوعي النقدي بالموروث اليمني كتراث فني وإنساني جدير بأن يحفظ ويوثق، عبر ارتكاز مشكلته البحثية على ثلاث فرضيات فكرية، الأولى تقول: إن الشعر هو قلب الغناء اليمني، وإن العلاقة بين الكلمة واللحن علاقة تفاعلية لا تبعية، في حين تؤكد الفرضية الثانية أن المقام الغنائي اليمني ليس مجرد استعارة من المقامات العربية، بل أساس حضاري عريق له هوية طربية خاصة، تميزه عن غيره بنسب المسافات النغمية (الثلاثة أرباع الدرجة)، المعروفة عند العرب بـ(وسطى زلزل)، نظراً إلى أن زلزل كان من مشاهير ضاربي العود، وهو الذي ابتكر نسبتها، وهذه الدرجة تأتي على نسبة 22/27 تقريباً من طول الوتر، بينما ترى الفرضية الثالثة أن التراث الغنائي اليمني حقل مركزي لتجديد الحداثة العربية، إذا ما قرئ بعين علمية تحفظ الجذور وتبتكر الأفق.
ولإثبات هذه النظريات الثلاث، اعتمد المؤلف على رباعية منهجية تقاطع فيها التاريخي والأنثروبولوجي والتحليلي والمقارن، فكان المنهج التاريخي ضرورة لتأصيل الجذور الممتدة للأغنية اليمنية من العصر السبئي إلى تشكل المدارس الغنائية (الصنعانية، الحضرمية)، ورصد المنهج الأنثروبولوجي مسار العلاقة بين الأغنية والمجتمع، والوظائف الطقسية والاجتماعية للغناء اليمني، وارتكز المنهج التحليلي الموسيقي على التدوين النوتي للأغاني وتحليل المقام والإيقاع والميزان الموسيقي، وتقنية الانتقالات المقامية في الصوت البشري والآلي عبر كل مقطع لحني في الأغنية الواحدة، أما المنهج المقارن فقد درس أوجه التقارب والتباعد بين الغناء الصنعاني والحضرمي، من حيث البنية اللحنية والوظيفة الاجتماعية، ليفضي هذا الثراء إلى جهد غير مسبوق في الدراسات العربية والعالمية التي عنيت بالغناء اليمني.
ومن وجهة نظر بنيوية، فقد وزع المؤلف هذه المادة العلمية في ستة فصول انبثقت من ثلاثة أبواب، بواقع فصلين تحت كل باب، تضمن الباب الأول تعريفاً عاماً بالأغنية اليمنية (الصنعانية/ الحضرمية)، مستعرضاً الشعر الحميني والحكمي، والبنية الشعرية والموسيقية للأغنية اليمنية بوصفها تراثاً حضارياً تناقلته الأجيال، وتميز عن غيره، مستنداً في ذلك إلى ما قاله المستشرق الباحث البريطاني في مجال الموسيقى هنري جورج فارمر، وإلى ما قالته عرب الحجاز: (إن أحسن الموسيقى وأجودها تأتي من اليمن)، وكانوا يرون أن الموسيقيين اليمنيين والمغنين الحضرميين فنانون متفوقون دائماً.
وتضمن الباب الثاني تحليلاً تفصيلياً للأغنية اليمنية بمدرستيها: الصنعانية، عبر أمثلة لأغنيات: (أنا من ناظري) لابن هتيمل، (رسولي قم (لعلي أحمد إسحاق، (وانسيم السحر) للشاعر ابن سناء الملك، والحضرمية، من خلال أغنيات: (قال الفتى ريت لي تمناه) و(عيني لغير جمالكم)، حيث حلل كل أغنية وفقاً لمقامها اللحني: (كرد، سيكاه، حجاز، عراق، هزام، الراست، السوزناك)، وميزانها الإيقاعي (ثنائي، ثلاثي، رباعي)، دون أن يغفل الوظيفة اللحنية للانتقالات.
وتناول الباب الثالث من خلال فصلين، تضمن الأول: مشاهير الغناء وآلات الموسيقى المستخدمة في الغناء اليمني، مبرزاً علاقتها بالمقام والبيئة الجغرافية، واستعرض الفصل الثاني: النتائج والتوصيات، حيث شدد المؤلف في قائمة توصياته على ضرورة التدوين الموسيقي المنهجي، كوسيلة لحفظ التراث، والتعليم الموسيقي الأكاديمي لتطوير الأغنية اليمنية دون المساس بأصالتها.
لقد تضمنت هذه الأبواب الثلاثة والفصول الستة -التي أسبقها المؤلف بقائمة تفصيلية من المصطلحات الموصولة بكل ما يتعلق بمفاهيم الأغنية- رسومات توضيحية ولوحات فنية بصرية بالغة الدقة والبيان، بريشة الفنان التشكيلي عمر صبير، وفق حس فني موضوعي، فلم تكن الرسومات والصور عبارة عن ملحق صوري جامد بقدر كونها بنية بصرية موازية للنصوص، جعلت من محتوى الكتاب خطاباً جمالياً متعدد الوسائط، تفاعلت فيه النصوص مع التدوين الموسيقي والتمثيلات البصرية، لتشكل سيرة إبداعية موصولة بالصورة والنغمة واللون، في دعوة واضحة لنا كقراء لنرى الغناء اليمني، لا كصوت فقط، بل كمشهد حي يجمع الصوت واللون والرمز، فاللوحات البصرية التشكيلية عن الأزياء والعمارة ليست تكميلية فحسب، بل هي لغة نغمية صامتة، تعبر عن الانتماء الطبقي، والمقام الوجداني، والهوية الجمالية لكل إقليم، وفي الوقت ذاته فهي لوحات بصرية تجمع المغني الصنعاني والحضرمي في مشهد واحد يجسد تلاقي الزي والنغم والهوية.
القيمة العلمية والعمق المعرفي
وتبعاً لما سبق، فإن الموسيقار عبدالرب إدريس، عبر مؤلفه (رسالة رحلتي)، يعد أول من جمع بين الأداء الحي والتدوين النوتي الأكاديمي، لينقل الأغنية اليمنية من الحقل الفولكلوري إلى الحقل العلمي التحليلي، ومن خلال خبرته العملية (كملحن ومطرب وناقد موسيقي أكاديمي) منح النص النقدي عمقاً معرفياً، من النادر أن تتسم به البحوث النظرية غير المقرونة بالتجارب الذاتية، وبالتالي فإن الكتاب يعد أول وثيقة تأسيسية للنقد الموسيقي اليمني والعربي، غايتها البحثية التعريف بالأغنية اليمنية على مر العصور القديمة والوسيطة والحديثة.
أخيراً، تلك السطور هي سيرة موسيقار عبر من الهواية إلى العلم، ومن الفرد إلى الأمة، ومن المكلا إلى الفضاء العربي والعالمي، إنه عبدالرب إدريس، لم يكن مجرد ملحن، بل كان سيرة النغم العربي الحديث، مبدع صنع من اليسار واليمين معاً نغمة لا تكرر أصداء شجوه، ومن الوجع جمالاً، ومن التجريب معرفة، ومن الموسيقى حياة.

ذو صلة