استلقى تميم فوق سريره، يرمق شروخ السقف وندوب الجدران في لحظة شرود ذهني لا حواف لها، وبينما كانت حواسه ترصد تلك الخطوط المتعرجة، انبرى خياله يعيد تشكيل الصدوع، فصاغ منها ملامح غرباء لم يعهدهم، يتسامرون بجوار شجيرات نضرة ومائدة ضيافة، وكأنهم ضيوف استعمروا عتمة غرفته دون سابق إنذار.
هنا، أغمض تميم جفنيه طلباً لسكينة تزيح عن كاهله عناء النهار، ولما عاود النظر إلى ذوات الشقوق، تلاشت وجوه العابرين، واختفت حديقتهم وضيافتهم، ليحل محلهم مشهد مغاير، صبية صغيرة بخصلات متموجة ومنسدلة تلهو في الفراغ، وتمد أناملها لتجمع دمى وهمية نثرت فوق رأسه، في تلك اللحظة، تحول ارتباكه إلى دهشة استقصائية: لم تبدلت هذه الصور رغم ثبات الزوايا؟ وأين توارى هؤلاء القادمون من العدم؟ هل أعاني من اختلال في الوعي جعلني أتتبع أثر السراب؟ أم أنني علقت بين الصحوة والمنام؟
إلا أن الجواب لم يقر بهلوسة تميم، إنما كان يكمن في تلك المساحة الشاغرة التي استوطنت وعيه، والمعروفة بظاهرة (الباريدوليا)، وهي شغف الدماغ بترميم الفراغ والفوضى، وميل الإنسان الفطري لاختلاق أنماط مألوفة من رحم العشوائية.
وتلك الظاهرة تمنح الفنان التشكيلي سلطة استثنائية في لوحاته، فهو لا يحتاج لرسم الملامح بدقة فوتوغرافية، ولكنه يكتفي بنصب كمائن بصرية تستدرج مخيلة الرائي، لاستحضار ملامح مأنوسة من قلب العدم، فالمبدع في محراب (الباريدوليا) لا تخط ريشته الشيء في صورته المكتملة، إنما يكتفي برسم الاحتمال، تاركاً لنا مهمة بعث الروح في اللوحة وإتمام تفاصيلها المبتورة، حتى يبصر فيها كل مشاهد أشباحه الخاصة.
ومن حيث التفسير الفلسفي، ففي دهاليز الدماغ البشرية يقبع حارس قديم لا يطيق الفراغ، ولا يقبل بمبدأ العشوائية، فالعقل في جوهره آلة مهووسة بالتنظيم، ومبرمج بيولوجياً على ابتكار الأنماط من رحم الفوضى، فخلق العين لملمح الوجه من اللاشيء ليس مجرد زلة بصرية، إنما هي آلية دفاع (أنثروبولوجيا الوهم)، ترسخت في وعي الإنسان الأول منذ كان يحتاج لتحويل الخطوط المبهمة في الغابة إلى وجوه مفترسة ليبقى حياً.
ليوناردو دا فينشي
ولعل أول من أرخ هذه المصيدة البصرية هو العبقري ليوناردو دا فينشي، ففي مذكراته، لم ينظر إلى بقع الطلاء العشوائية أو شقوق الجدران المتهالكة كعيوب تقنية، بل رآها محفزات ذهنية، إذ كان يؤمن أن تأمل العبث البصري في الصدوع الرخامية كفيل بأن يستحضر للذهن جيوشاً تتصادم، ومناظر طبيعية شاسعة، ووجوهاً تعج بالتعبيرات، مؤكداً أن الفن يبدأ حين يقرر العقل منح الفوضى اسماً ومعنى.
وفي كتابه المرجعي (رسالة في التصوير) (A Treatise on Painting)، وضع أول توثيق فلسفي لظاهرة الباريدوليا، حين وجه نصيحة غريبة ومدهشة لتلاميذه، تحثهم على البحث عن الجمال في القبح، قائلاً: (إذا نظرت إلى جدار متسخ بالبقع، أو مبني من أحجار غير متناسقة، وكنت على وشك ابتكار مشهد ما، فستتمكن من رؤية تشابهات مع مناظر طبيعية، معارك، وجوه ذات تعبيرات غريبة، وشخصيات في حركة مستمرة).
ففي لوحته الخالدة (الموناليزا)، تعمد ليوناردو ترك زوايا الفم والعينين غارقة في الضباب، متجنباً الخطوط الحادة التي تحسم التعبير، هنا، يقع دماغ الرائي في فخ إبداعي، فبسبب غياب التحديد الدقيق للملامح، يضطر الوعي للتدخل لإتمام المشهد، فيرسم تعبيرات الوجه بناء على الحالة النفسية للمشاهد نفسه، وهذا هو السر الكامن وراء لغز الموناليزا، فهي تبتسم حين نبتسم، وتتشح بالحزن حين نكتئب، لأن عقولنا هي التي تكمل رسمتها في كل مرة.
جوزيبي أركيمبولدو
وبالانتقال إلى إيطاليا في القرن السادس عشر، لم يكن الفنان جوزيبي أركيمبولدو يكتفي برسم الوجوه، إنما كان يشيدها من فتات الطبيعة وجزيئات الحياة اليومية، وانتهج مساراً نسميه اليوم بـ(الصور المزدوجة)، فلوحاته عبارة عن صياغات هندسية بالغة الدقة، صممت خصيصاً لاستفزاز منطقة التعرف على الوجوه في الدماغ البشري، إذ كان يقدم تراكيب من الخضراوات أو أدوات المائدة، تاركاً لباريدوليا عقلك مهمة دمج هذه الأجزاء المبعثرة لتصنع منها هيئة إنسان.
تتجلى هذه الغواية البصرية في لوحته الشهيرة الصيف (Summer)، حيث تتحول الثمار إلى أعضاء حية، فما تراه العين للوهلة الأولى ليس في الحقيقة إلا حبة خوخ ناضجة، والأنف حبة خيار متعرجة، بينما يتشكل الثوب من ضفائر القمح الذهبية، هنا، يجد الرائي نفسه في حالة من الذهول الفني، وهي الحيرة ذاتها التي توقف عندها مؤرخو الفن، وعلى رأسهم (توماس داكوستا كوفمان) في أبحاثه حول المدرسة المانيرية، حيث يطرح العمل سؤالاً وجودياً: هل نحن بصدد لوحة تحتفي ببهجة الحصاد وخيرات الطبيعة، أم أننا أمام محاولة لتشريح الروح البشرية وإعادة تركيب ملامحها من عناصر غريبة؟
وامتدت براعة أركيمبولدو لتطال العالم المعرفي في لوحته الفلسفية «أمين المكتبة» (The Librarian)، في هذا العمل، تغيب الملامح البشرية تماما لتستبدل بالكتب والمجلدات، حيث تشكل أطراف الصفحات المفتوحة أنفاً وجبهة، بينما تبدو حواف الكتب كفراغات توحي بالعينين.
هذا النمط من الفن، الذي صنف لاحقاً ضمن (المدرسة التكلفية) (Mannerism)، يعد المصدر الأهم لفهم كيف يمكن للعين أن تنخدع بالكل وتنسى الجزء، إن أركيمبولدو لم يكن يرسم الفاكهة أو الكتب لذاتها، بل كان يختبر تلك الثغرة المختلفة في وعينا، وكيف يمكن لترتيب عشوائي - ظاهرياً - أن يبعث في نفوسنا هيبة الحضور البشري، محولاً اللوحة من مجرد طبيعة صامتة إلى كائن حي يسكنه الخيال.
سلفادور دالي
ومن منظور الرسام الإسباني (سلفادور دالي) فلم تكن السريالية مجرد شطحات خيالية أو أحلام مبعثرة على القماش، ولكنها محاولة لتقنين الوهم وتحويله إلى خداع بصري منهجي، لقد استحدث دالي ما أسماه الطريقة النقدية البارانوية، وهي ممارسة فنية تعتمد على استدعاء أشباح العقل الباطن وصهرها في قوالب هندسية، تضع المشاهد أمام ما يعرف بـ(الصور ثنائية الاستقرار) (Bistable Images)، ففي هذه الحالة، يجد العقل نفسه متورطاً في صراع إدراكي، حيث يرى صورتين متناقضتين في كادر واحد، ويقف عاجزاً عن ترجيح إحداهما على الأخرى، ليظل الوعي متأرجحاً بين الحقيقة والسراب.
وتتجلى هذه الباريدوليا المتعمدة في أبهى صورها داخل لوحته الشهيرة (سوق العبيد) مع ظهور تمثال فولتير غير المرئي، هنا، يمارس دالي نوعاً من الاحتلال البصري لوعينا، فما تبصره للوهلة الأولى راهبتين ترتديان ثياباً تقليدية بيضاء وسوداء، سرعان ما يتبدل كلياً بمجرد أن يستجيب دماغك لخدعة النمط المفتعل، لتتحول ثنايا الملابس وتجاعيد القماش إلى ملامح دقيقة لوجه الفيلسوف الفرنسي (فولتير).
واختبر دالي مرونة اليقين لدينا، ليثبت أن الرؤية ليست عملية بيولوجية، إنما هي فعل تأويلي بامتياز، في هذه اللوحة، يصبح وجه (فولتير) هو الشبح الذي يسكن التفاصيل، وتبقى الباريدوليا هي الجسر الذي يعبر فوقه المشاهد من ضجيج السوق وتفاصيله المادية، إلى رحابة اللاشعور حيث تتشكل الوجوه من مجرد ظلال وأشخاص مارة.
اختبار رورشاخ
أما في عالم الفن التجريدي، تترك اللوحة خلفها نهايات مفتوحة تشرع أبواب التأويل على مصراعيها، فاللون لا يعود لوناً، ولكنه يصبح شاشة فارغة تنعكس عليها هواجسنا، في هذه اللحظة، ما تبصره أنت في بقعة حائرة يختلف جذرياً عما يراه غيرك، لتتحول اللوحة إلى ما يشبه (اختبار رورشاخ) (بقع الحبر الشهيرة)، وهو أحد أشهر الاختبارات النفسية في التاريخ، يعتمد هذا الاختبار على بقع حبر عشوائية، بعضها باللونين الأسود والرمادي وبعضها ملون، صممت لاستثارة العقل الباطن، ومن خلال ما يراه الشخص في هذه البقع، يتمكن المحللون من فهم جوانب شخصيته أو اضطراباته وطريقة إدراكه لما حوله، في لحظة التقاء الفن بالطب النفسي، ففي كليهما، نحن لا نرى الأشكال كما هي في الواقع، بل نراها كما نكون نحن من الداخل.
وتبرز أعمال (جاكسون بولوك) كنموذج حي لهذا الاشتباك البصري، ففي قلب خيوط ألوانه المتشابكة، لا توجد ملامح صريحة، ومع ذلك، تظل عين الرائي تطارد خيوط الضوء لتستحضر منها وجوها، أو غابات، أو صرخات مكتومة، إن بولوك لا يرسم لك الوجه، إنما يمنحك الفوضى التي تجبر عقلك على اختراع وجه خاص بك، محولاً فعل المشاهدة إلى رحلة تنقيب داخل اللاشعور.
وحين تتم العين ما بدأته الريشة، يتوارى المفهوم التقليدي للفنان كصانع وحيد للمعنى، لتنبثق بدلاً منه (ديمقراطية التفسير)، حيث يصبح العمل الفني دعوة مفتوحة للمساهمة في الابتكار. إن (الباريدوليا) هنا ليست مجرد وهم، بل هي شراكة تجمع بين ريشة الفنان التي تضع (الاحتمال)، وخلايا الدماغ التي تبني (اليقين).
فنحن لا نحدق في شروخ الجدران أو بقع الألوان لنعرف ما أراد الفنان قوله فحسب، بل لنكتشف عوالمنا الداخلية التي تعكسها تلك الفراغات، فهي بمثابة (مثير بصيري) يستدرج أشباحنا الخاصة من مكامنها، ليتحول المشاهد من متلق صامت إلى شريك في الإبداع، يمنح اللوحة معناها النهائي الذي قد لا يشبه أحداً سواه.