(ما المرأة إزاء الرجل لدى أرسطو سوى بمثابة العبد من السيد، فهو الحاكم وهي المحكوم، وهو بطبيعته متطور أما هي فما دون الخلقة الطبيعية، بل ما هي إلا رجل ناقص توقف نموه البشري في سلم التطور)، وهي كالأعمال اليدوية أمام الأفكار العقلية، ضعيفة لا يصلح لها سوى بيت تقبع فيه تمارس أعمالاً اعتيادية، والصمت زينتها. اتبع أرسطو من خلال ذلك الفكر سنة معلمه أفلاطون حين حصر المرأة في درجة متدنية ضمن جمهوريته المثالية، كما حدد أرسطو فلسفته أيضاً تجاه المرأة من خلال دعائم الميتافيزيقيا الثلاث وهي: أولاً هيراركية الكون حيث تصوره للكون في شكلٍ تصاعدي يبدأ من الأدنى إلى الأعلى ويظهر الأدنى في خدمة الأعلى والمرأة في خدمة الرجل، ثانياً فكرة الوظيفة وحصره لدور المرأة من خلالها مع فئة العبيد والحرفيين كأدوات تخدم الرجل الذى يصنف بأنه قمة الإنسان، ثالثاً الهيولي والصورة، فكل الموجودات في أصلها تتكون من مادة وصورة، والصورة عند أرسطو أكثر أهمية من الهيولي والرجل عنده هو الصورة والمرأة تمثل الهيولي، أي إنها في مرتبة أقل من الحيوان والجماد، تلك الأفكار والتصورات التي سردها أرسطو من عدة قرون، هي لسان حال لما هو موجود في مجتمعاتنا العربية اليوم في علاقة الرجل بالمرأة، والمرأة كآخر أمام المفاهيم الاجتماعية البالية والمعقدة حتى اليوم، يناقش تلك الأفكار والموضوعات عرض مسرحية (مزاد عاطفي) التي شاركت في العديد من المهرجانات المسرحية الدولية مؤخراً ومنها مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، وحصل العرض على جوائز دولية عديدة، العرض من تأليف عهود القرشي وإخراج تركي باعيسى وبطولة أفنان خضر، حيث ثورة المرأة الكاتبة وخروجها من صمتها فيما هو معبر عن قضايا المرأة المعاصرة على مستوى جوانبها الجنسانية كالبيولوجية والفكرية والاجتماعية والنفسية، تدور أحداث العرض حول امرأة ظلمها الرجل بفكره الذكوري في تجربتها الزوجية الأولى، بسبب عدم الإنجاب وضغوط المجتمع ونظرته المتدنية للمرأة التي تتأخر في الإنجاب سواء نظرة المرأة للمرأة في ذلك أو نظرة الرجل للمرأة أيضاً، وكأنها بدون تلك الهبة لا تصلح لأي سبب آخر في المجتمع وتتحول بدونه إلى كائن ناقص وفاقد للأهمية كما حددها أرسطو، ويتحول زوجها بعد ذلك إلى الدخول في عالم آخر وهو الكتب ويهجرها فكرياً وجسدياً ونفسياً ثم تنفصل عنه بعد صراع نفسي اجتماعي أدى إلى اتهامها بالجنون، لتجد نفسها بعد ذلك في تجربة ثانية تبدو أفضل مما مرت بها قبل ذلك، وقصة حب تنتهى بالزواج للمرة الثانية، لكنها تكتشف فيما بعد أنها أمام زوج مخادع لا يراها كما تراه ولا يشعر بها كما تشعر به بل تجد نفسها أمام أبشع صورة للرجل وهى الأنانية والاستغلال الجسدي والفكري والنفسي، وأنه قد استغل أحلامها وشرع لنفسه سرقة أفكارها ومشاعرها وكتبها في رواية كانت ترتب هي لإصدارها وأنه قد سجل كل لقاءاتها معه وكل ما تود كتابته في روايتها التي كانت ستصدر تحت عنوان مزاد عاطفي، وما تود اقتباسه في مقدمتها عن (أن الإنسان مهما كان قابل للاستبدال بكتاب)، وتضعنا مؤلفة النص بذلك أمام صورة حديثة للعديد من النماذج النسائية في الميثولوجيا الإغريقية التي قد عانت من خداع الرجل واستلابه لإرادة المرأة وقدراتها والغدر بها، نجد ملك الآلهة زيوس يخدع العديد من النساء بتنكره في هيئة حيوانات وينجب منهن أطفالاً دون إرادتهن في ذلك كما فعل مع أوروبا وليدا وداناي، وأرياداني التي أنقذت البطل ثيسيوس ومنحته الخيط السحري للخروج من متاهة الوحش المينوتور، وبعد هروبهما معاً تخلى عنها وتركها نائمة وحيدة على جزيرة ناكسوس المهجورة وأبحر بعيداً عنها، لم يختلف هنا -في العرض- الزوج الثاني عن ثيسيوس وما فعله، عبر العرض السعودي عن المرأة العربية وبصورة أدبية وفنية مميزة وحية في حياة كل امرأة ترى أمامها تلك الممثلة التي أدت دورها التمثيلي بشكل يليق بقضيتها التي تطرحها، وتطهيرها لنفوس متلقيها من النساء ومواجهتها بحقائق قاسية يمارسها أشباه الرجال والمجتمع البطريركي تجاه المرأة، كما أنها استطاعت كسب تعاطف المتلقي بسردها للأحداث وما مرت به تلك المرأة من صراع زمني نفسي واجتماعي من خلال التحولات التي مرت بها في تجربتها الأولى من الزواج ثم الثانية والتي أدركت بعدها أن المرأة يمكن استبدالها بكتاب، وهو ما يميز عروض المونودراما من تكثيف وتركيز على شخصية الممثل الواحد وقدرته على تشكيل جماليات العرض المسرحي بأدواته التمثيلية الداخلية والخارجية، يفتقر العرض لتجسيد بعض عناصر العرض المسرحي كالديكور الذي يمكننا أن نتعرف على التحول الزمني والمكاني من خلاله كما يجب أن تحرص الممثلة على تجنب الخطابة في سرد الأحداث، لتعدد الأصوات التي تعبر عنها بمفردها ولأهمية رسالتها التي تعبر عنها.
يعد العرض استكمالاً لمسيرة المرأة السعودية المؤلفة والممثلة والمخرجة ودورها في مراحل تطور المسرح السعودي وتجسيدها لواقع قد لا يصل إلينا أو نراه إلا من خلال المسرح المعاصر، حيث إنه قد بدأ المسرح النسائي السعودي في الثمانينات من القرن الماضي بعرض مسرحية مونوكوليا وهي من تأليف إبراهيم الحمدان وإخراج سمعان العاني، وفي عام 2005 تم تقديم عرض مسرحية وأخيراً عادوا وهي من تأليف نورا العبدالله وإخراج ميرفت المنصوري، ويذكر أنها أول مسرحية حصلت على ترخيص عرض مسرحية نسائية من قبل وزارة الثقافة والإعلام، وهي المسرحية الأولى أيضاً -كما يذكر عباس الحايك في كتابه المسرح السعودي تجارب ومسارات، الصادر عن الهيئة العربية للمسرح عام 2015 - التي تخرج من إطار الجامعة والمدارس إلى احتفالية عامة، ثم استمرت بعد ذلك تلك العروض النسائية ولكنها استعانت في البداية بمشاركة ممثلات التلفزيون الخليجيات، لجذب الجمهور من النساء ومن تلك العروض عرض مسرحية الهامورة والتي شاركت فيها ميساء مغربي وليلى السلمان وبثينة الرئيسي وهبة حلواني، ومسرحية بيتنا في خطر والتي شاركت فيها شيخة الزويد وجنات رهبيني ونادية حلواني وسارا الجابر، ومسرحية بنات فاطمة بمشاركة فرقة مسك الكويتية، وغيرها من المسرحيات التي تناولت في مضمونها الدرامي القضايا المسكوت عنها في المجتمع السعودي وبخاصة قضايا المرأة.