مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

الحرب في العصر الرقمي

في ظل التغيرات الجذرية السياسية والأمنية والأيديولوجية والفكرية والتقدم التكنولوجي الذي يحصل باتت حروبنا اليوم تختلف عما مضى من الأيام. وربما في يومنا هذا أصبح الإنترنت هو ساحة المعركة الجديدة وصارت الحروب الرقمية جزءاً أساسياً أو مجالاً من الحروب بشكل عام، وباتت تستخدمها الكثير من الدول والسياسات في العالم على كل الأصعدة السياسية والفكرية والمعلوماتية والاستخباراتية وبث الشائعات والدعاية وغيرها.
وقد توقع الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان في سنة 1970 أن الحرب العالمية الثالثة ستكون (حرب عصابات معلوماتية)، وبعد ذلك بأكثر من ثلاثين عاماً، شرح الباحثان الأمريكيان جون أركويلا وديفيد رونفيلد في كتابهما (ظهور حروب الشبكات) كيف صارت الصراعات الحديثة تعتمد على المعلومات والتأثير على الإدراك العام، والتأثير على مشاعر المجتمع وتصوراته أيضاً، باستخدام المعلومات كوسيلة لجذب الناس أو تضليلهم، وزعزعة استقرار الخصوم نفسياً أكثر من السعي لتدميرهم مادياً.
واستخدام المعلومات كسلاح لاستقطاب الجماهير، والتأثير في أفكارهم استخدمته القوى على مر العصور، فليس الهدف تحقيق انتصارات عسكرية فقط، بل التأثير على العقول وتشكيل التصورات لتحقيق أهداف سياسية وإستراتيجية دون اللجوء إلى القوة المباشرة.
وتستند مبادئ حرب النفوذ إلى حكمة قديمة يُنسب أصلها إلى الجنرال الصيني صن تزو تقول: (ليس أعلى المهارات أن تحقق مئة انتصار في مئة معركة. إن إخضاع العدو دون قتال هو أعلى المهارات).
وعندما غزا المغول مناطق واسعة من العالم القديم في القرن الثالث عشر نشروا عمداً أخبار الفظائع التي ارتكبوها في المدن التي لم تستسلم، لإخضاع العدو قبل إشهار السيف. ويشير المؤرخ البريطاني مارك جالوتي لاستخدام المغول الخوف كعاطفة قوية تتفوق على غيرها لإرغام المدن على الاستسلام وتجنب الحروب المباشرة.
وفي الحرب الأهلية الصينية (1945-1949) استخدم الجيشان الشيوعي والقومي (الكومينتانغ) المعلومات الكاذبة لزرع الفتنة في المناطق التي يسيطر عليها العدو. فانتشرت شائعات الانشقاقات وتزوير خطط الهجوم للتضليل وإثارة الاضطرابات.
وقد أنشأ الرئيس الأمريكي ويلسون في الحرب العالمية الأولى (لجنة المعلومات العامة) لتسهيل الاتصالات، فصارت منظمة دعاية عالمية لصالح الولايات المتحدة. وفي الحرب العالمية الثانية، استخدمت الأطراف المتحاربة الدعاية والتضليل والوثائق المزورة للتأثير على الرأي العام وتوجيه مسار الحرب.
وقد استمرت هذه العمليات حتى الحرب الباردة، ففي عشرينيات القرن العشرين، زوّرت الشرطة السرية في تشيكوسلوفاكيا وثائق معقدة لإغراء مناهضي البلاشفة من الشيوعيين الروس للخروج من مخابئهم، ما أدى إلى القبض على عديد منهم وقتلهم.
وأثناء الحرب الباردة، انتشرت وثائق حكومية أمريكية مزيفة، وكانت إما نُسخاً معدَّلة أو مشوّهة من وثائق حقيقية حصل عليها السوفييت من عمليات تجسس، وإما وثائق مفبركة بالكامل. وحاول السوفييتُ بهذه العمليات الإعلامية التأثير على جماهير مختلفة.
وقد اعتمدت إسرائيل على دعاية (الهاسبارا) لنشر وتضخيم ادعاءات عن توظيف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عناصر من حماس، وهي ادعاءات نفتها الوكالة، ونفاها (تقرير كولونا) الصادر عن الأمم المتحدة. وقد أثّرت هذه الحملة مباشرة على ملايين اللاجئين الفلسطينيين، إذ أوقفت أكبر الدول المانحة تمويلاتها بسبب الادعاء. ومع تراجع بعض الممولين عن قرارهم فيما بعد، جدّدت إسرائيل حملتها بشراء إعلانات على محرك البحث غوغل، تروّج لموقع حكومي إسرائيلي يربط الأونروا بحماس، ويظهر عند البحث عن اسم الوكالة أو مصطلحات ذات صلة، وهو ما كشفته مجلة وايرد الأمريكية.
وتستخدم هجمات التأثير الرقمي أساليب مختلفة، من الخداع والاستفزاز إلى التلاعب بالرأي العام في منصات التواصل الاجتماعي بوسائل الإنترنت، ويمكن للمهاجمين التواصل مباشرة مع مواطني دولة مستهدفة وتجاوز جهود حكومتها لمنع وصول المعلومات المضللة إليهم. وتعتمد الهجمات على نقاط الضعف البشرية أكثر من الهجمات التقنية التقليدية، وتستغل المشاعر مثل الخوف وعدم اليقين والتحيزات المعرفية.
وقد استخدم الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان مصطلح (الحرب السياسية) سنة 1948 ليصف (استخدام جميع الوسائل تحت قيادة الأمة، باستثناء الحرب، لتحقيق أهدافها الوطنية). ويصف الباحث بول أ. سميث الحرب السياسية بأنها (استخدام الوسائل السياسية لإجبار الخصم على تنفيذ إرادة خصمه، واستخدام الكلمات والصور والأفكار، والمعروفة بالدعاية والحرب النفسية). ويلاحظ كارنز لورد (ميلاً إلى استخدام مصطلحي الحرب النفسية والحرب السياسية بالتبادل) مع (مجموعة من المصطلحات المتشابهة، مثل الحرب الأيديولوجية، وحرب الأفكار، والاتصال السياسي). وقد اعتمدت وزارة الدفاع الأمريكية مصطلح (عمليات دعم المعلومات العسكرية) لوصف الجهود الرامية إلى (نقل المعلومات والمؤشرات المختارة إلى الجماهير الأجنبية للتأثير على عواطفهم ودوافعهم ومنطقهم، وفي النهاية سلوك الحكومات والمجموعات والأفراد الأجانب بطريقة مواتية لأهداف المُنشئ).
ويُوضح الباحثان دييغو أ. مارتن وجاكوبن. شابيرو في تقرير بحثي صدر سنة 2019 عن جامعة برنستون كيف تستخدم الجهات الأجنبية الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للتأثير على السياسة في مجموعة من البلدان من خلال الترويج للدعاية، ونشر المعلومات المضللة.
وتتجاوز إستراتيجيات (حرب التأثير) مجرد التلاعب بالمعلومات، لتشمل إشارات تُحرّض على سلوكيات معينة، كما في استخدام المسيّرات ورسائلها الصوتية في غزة والضفة الغربية.
وعلى عكس الهجمات السيبرانية التقليدية التي تركّز على تعطيل أنظمة العدو الحاسوبية أو إتلافها، تسعى حملات التأثير الرقمية إلى استغلال هذه الأنظمة بدلاً من تدمير الأنظمة، وتهدف هذه الحملات إلى التأثير على الأفراد أو الجماعات المستهدفة، ودفعهم لاستخدام أنظمتهم بأسلوب يحقق أهداف المهاجم. وتقوم إستراتيجيات هذه الحملات على مبدأ (فرّق تسد)، إذ إن المجتمع المنقسم سيقاتل بعضه بعضاً بدلاً من أن يتحد في مواجهة التهديدات.
وكشفت شركة ميتا في 29 مايو الماضي عن إغلاق شبكة إسرائيلية تديرها شركة استخبارات تُعرف باسم (ستويك). وتتكون الشبكة من خمسمئة وعشرة حسابات على فيسبوك، واثنين وثلاثين حساباً على إنستغرام، وإحدى عشرة صفحة ومجموعة واحدة. وتستخدم هذه الشبكة شراء المتابعين الوهميين، وتهدف إلى التلاعب بالنقاشات العامة في لبنان عن الحرب الإسرائيلية في غزة وجنوب لبنان. وقد كانت وراء حملة (لبنان_لا_يريد_الحرب) التي أثارت جدلاً واسعاً في المجتمع اللبناني، وقسمت الناس إلى مؤيد ومعارض ومستهزئ.
ومن بين الإستراتيجيات تشجيع التفاعل العاطفي، حيث تُقدَّم معلومات قد تكون دقيقة أو جزئية لإثارة استجابة الجماهير العاطفية، دون تركيز كبير على مدى صحة هذه المعلومات. خلافاً للتضليل والخداع المباشر، فإن هذا النوع يركز على إثارة التفاعل العاطفي وتحفيز الجمهور على نشر هذه المعلومات وتضخيمها. وهذه الإستراتيجيات فعالة مع الأشخاص الذين لديهم شكوك أو حالة من عدم اليقين عن ما هو صحيح أو غير صحيح، لكنهم على استعداد لنشر المعلومات دون التحقق من دقتها. وتستهدف هذه الحملات المجموعات التي لديها تحيزات مسبقة أو مواقف متباينة، مما يجعل أسلوب (إثارة الغضب) أكثر فعالية. وكما قال صن تزو: (استخدم الغضب لإرباكهم). بالاستهداف المناسب وتنسيق الرسالة بفعالية، يحفز المؤثرُ الجمهورَ على الاستجابة بطرق معينة، كما حدث في حملة
«#لبنان_لا_يريد_الحرب».
ويأتي النوع الآخر من حرب التأثير باستهداف الأهداف مباشرة، سواء بالتشويه أو التهديد، وظهر هذا في الإعلانات التي شوهت سمعة الأونروا في محرك البحث غوغل.
ختاماً، يمكن القول إنه لم تختلف إستراتيجيات وأدوات حرب التأثير على مر العصور، لكنها تطورت لتشمل بعداً رقمياً جديداً وقوياً بتوظيف كميات هائلة من بيانات مستخدمي الإنترنت، وصارت حملات التأثير الرقمي وسيلة فعالة للتلاعب بالآراء والتلاعب بإدراكاتنا بطرق قد تؤثر علينا دون أن نعي ذلك، ووفقاً لتقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) سنة 2018، يكمن الخطر المستقبلي في أننا قد نواجه (سباق تسلح ضد المعلومات المضللة)، من الأخبار المزيفة والمعلومات المشوهة التي تلوث بيئة المعلومات للجميع.
-------------
المراجع:
فراس دالاتي. (2024). إستراتيجيات التأثير الرقمي، مجلة الفراتس.
مصطفى الآس. (2024). الحروب الجديدة بين الحياة الرقمية والواقع، موقع الجزيرة الرقمي.

ذو صلة