عندما نتحدث عن وجه للحضارة ومدينة هي رمز للكوزموبوليتان فلن نجد أفضل من مدينة نيويورك؛ عاصمة المال والتجارة والثقافة والحضارة التي تقود العالم على الرغم من أنها ليست العاصمة الفعلية للبلاد.
منذ بدايات السينما وإرهاصات ظهورها كانت المدينة حاضرة دوماً وبمثابة خلفية لأحداث لا تعد ولا تحصى، وفي نفس الوقت هي مسرح كبير لصراعات البشر وأحلامهم ونجاحاتهم وانكساراتهم، المدينة ليست بوصفها المكان فحسب بل شخصية درامية متعددة الأوجه والتناول.
فقد جسدت المدينة الحرية، الفوضى، الحب، الجريمة، النجاح، الانهيار، وقد تناولت السينما هذه المدينة الكونية بألف وجه وعلى مدار عقود ساهمت كثير من الأفلام بتشكيل وعي جمعي بوصف جامع مانع المدينة التي لا تنام.
في سنة 1976 قدم مارتن سكورسيزي تحفته النيويوركية (taxi driver) من بطولة روبرت دي نيرو. التصور الواقعي الملموس لوجه المدينة القاسي والموحش؛ حيث التوترات العرقية والانقسام الطبقي والعزلة وروح تقاوم ببسالة الانكسارات المتلاحقة، نيويورك السبعينات بكل تحولاتها عن طريق سائق تاكسي يجوب المدينة في الليل، نظرة شاملة كما يراها قاطنوها الحقيقيون وليس كما يراها الزائر أو السائح في وضح النهار مستمتعاً بالماديسون سكوير جاردن، والبلازا، وتمثال الحرية ومسارح برودواي، كذلك فيلم (do the right thing) لسبايك لي، نيويورك السوداء.. التمييز والغضب الاجتماعي ووجع العيش في الهامش وتأثيره السلبي على مواطنيها.
عندما نتحدث عن الجريمة لن نستطيع أن نتجاوز فيلم (the godfather) لفرانسيس فورد كوبولا، حيث ظهرت المدينة عاصمة للجريمة المنظمة بأحيائها الخطرة، مثل بروكلين وبرونكس، حيث المافيا والأسر الإيطالية التي تحكم الشوارع بقوانينها الخاصة، مستخدماً التصوير الليلي والشوارع الضيقة الخانقة وكأن تلك المدينة تضيق بالمكان على القاطنين إما أن تذعن لقوانين العائلة أو تغادر بلا رجعة. العائلات الحاكمة التي تجلت في مشهد الاجتماع الشهير بين فيتوكورليوني وبرونو تاتاليا في ناطحة السحاب إشارة من كوبولا بمعادل موضوعي أن العالم يحكم من هناك.
وبوجه آخر تتجلى المدينة بشكل رومانسي رقيق في أفلام نيويوركية (you ve got mail) للمخرجة نورا أفيرون عام 1998 وفيلم (when henry met sally) للمخرج روب راينر عام 1989 حيث تم تصوير المدينة بشكل ناعم ورومانسي وأنها ليست بهذه القسوة وبها وجه آخر للجمال بمشاهد نهارية وتصوير الحدائق العامة مثل السنترال بارك لتكون صورة أخرى لدى المشاهد أن المدينة عاصمة للعشاق أيضاً وتمثيله كمكان تتقاطع فيه مصائر المحبين في زحام الحياة.
لم تخل المدينة من وجه كارثي وتصور تعرضها دوماً للخطر كرمز للدولة المهددة دوماً مثل فيلم (the day after tomorrow) للمخرج رولان ايميرش عام 2004 وهو تعرض لمخاطر تقلبات الطبيعة الكارثية وتصور ديستوبي لنهاية العالم عندما تتعرض المدينة للغرق وفيلم (the independence day) لنفس المخرج 1996 شكل آخر للمدينة المهددة بالفناء عن طريق الغزو الفضائي من عوالم أخرى أكثر تقدماً وحضارة. الصخب المستدام الذي أثار الفضائيين من عوالم أخرى مطالباً إياها بالهدوء والروية إشارة بأن الكون كان أكثر هدوءاً قبل نشأتها مثل فيلم (a quite place) للمخرج جون كراسينسكي 2018
وجه ثقافي للمدينة التي لا تنام وهي المدينة المثقفة التي عبر عنها المخرج وودي ألن في فيلم (manhattan) عام 1979 حيث المدينة بالأبيض والأسود وتعج بالأسئلة الفلسفية وكأنها قصيدة حب للمكان رغم صعوبة التجربة ومرارتها الشخصية.
التناول المختلف لتمثال الحرية، ففي مشهد وصول السفينة التي أنقذت ما تبقى من ركاب تايتانيك للمخرج جيمس كاميرون أثناء هطول الأمطار كمشهد للنجاة والخلاص من كل ما سبق وبداية لحياة جديدة. استقبال التمثال ليحيى في فيلم إسكندرية نيويورك ليوسف شاهين كإشارة للبدء من جديد.
استخدام السينما للمدينة لتعكس تعقيدات الهوية الأمريكية بتنوعها وفرديتها والصراع الطبقي، الحلم الأمريكي، الفشل، تمثيل حقيقي للمتناقضات، القهوة والهشاشة، المركز والهامش والفقر المدقع والغنى الفاحش. ناطحات السحاب التي تمثل القوة والطموح، التاكسي الأصفر الذي يعبر عن التنقل الدائم والفوضى، سنترال بارك بمفهومه الرومانسي، جسر بروكلين بتوصيفه بوابة بين عالمين ومترو الأنفاق الذي هو علام سفلي مختلط بالمفاجآت والأخطار.
هي مدينة تحبها الشاشة وستظل دوماً بطلة دائمة في السينما ليست مجرد خلفية للأحداث بل كائن حي يتغير وينمو ويمرض، يفرج ويقاوم بأوجهها المتعددة، الجريمة والكوميديا، الرومانسية والديستوبيا لذلك نيويورك هي مدينة كل المدن.