مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الطوابع البريدية الأردنية ذاكرة التاريخ على ملصق

يسجل المتابعون للملصق البريدي الفضل في تقديم وقائع الذاكرة بشكل مغاير عن السرد التاريخي (الثقيل) الذي يحتاج إلى جهد في القراءة والتنقيب؛ فالطابع ليس مجرد ملصق، وإنما هويّة وانتماء، وفكر للمجتمع والدولة، وقيمة حضارية تكرس الصورة والقليل من الكلمات للأجيال القادمة. ورغم تقدم وسائل الاتصال ما يزال هواة الطوابع يبحثون عن الملصقات البريدية، في كلّ معرض، أو متحف يسمعون به، دون كلل أو ملل، في حين تسعى المؤسسات الرسمية إلى حفظ الطوابع بكافة السبل الممكنة، والاحتفاء بها؛ لأن هذه الوريقات مثلت وتمثل سفير الدولة إلى العالم والحضارات المختلفة.

وفي الأردن مثلت الطوابع شريط الذاكرة الذي يروي الوقائع التاريخية من تأسيس الدولة، والمراحل التي مرت بها (كتأسيس إمارة شرق الأردن، والوحدة مع فلسطين والعراق)، وصولاً إلى الأحداث الدولية (اغتيال جون كندي، وزيارة شاه إيران إلى عمان)، وليس انتهاء بالمعالم الحضارية الأردنية من آثار وطبيعة.
ويؤرخ الباحثون الأردنيون أن موسى عارف الدباس يعد من أوائل هواة جمع الطوابع، وأول من أقام المعارض لها في الأردن منذ العام 1965 وحتى الآن، ولأنه تخصص في هذه الهواية التي يكن لها حباً وتقديراً، فقد أصدر كتاب (البريد والطوابع البريدية - هواية ثقافية وعلوم تاريخية)، العام 2001 عن وزارة الثقافة وأمانة عمان الكبرى.
اهتمام أردني مبكر
الباحث والدكتور سعد أبو دية يقول: «الاهتمام بالبريد بدأ مبكراً، وبشكل ملفت للنظر نلاحظ أن الأردن سارع مع بداية تأسيس الإمارة في فتح الطريق إلى بغداد عبر الصحراء الأردنية من أجل البريد وكان ذلك في أيار 1921م أي بعد شهر واحد فقط من تأسيس الحكومة الجديدة. وربط المشرع الأردني أعمال البريد بوزارة المالية اعتبارا من 27/4/1921م أي بعد أسبوعين من تأسيس أول حكومة، وكان وزير المالية (حسن الحكيم) ذلك الرجل الذي أصبح رئيس وزراء سوريا لاحقاً هو أول مسؤول عن أعمال البريد»، موضحاً أن «الأردن استفاد من حكومة فلسطين في قوانينها وتعليماتها وقواعدها الخاصة بالبريد؛ لأن فلسطين كانت أسبق في تنظيم البريد من الأردن بحكم أن الانتداب في فلسطين كان سابقاً على الأردن».
ويؤكد أبو دية أن الطوابع حملت «صور مناظر لأماكن أثرية، وللأمير عبد الله ونجله الأمير طلال، وبعض مظاهر الحياة مثل بيوت الشعر، ولكن سرعان ما دخلت التعبيرات السياسية إذ بدأت تظهر طوابع تعبر عن الاستقلال وتأسيس المملكة مثلاً في 25/5/1946م الطابع عليه اسم الملك دون لقب وعليه خارطة الأردن وشعلة تحملها يد، وطير يحمل غصناً من الزيتون».
ويذكر أبو دية أن «من أشهر الطوابع التي عبرت عن مناسبات أو حوادث دولية هي ذلك الطابع الذي حمل صورة جون كنيدي الذي اغتيل في تشرين ثاني العام 1963م. وقد جاء تصميم الطابع غريباً فهو في شكل مثلث وليس مستطيلاً أو مربعاً».
تعريف بالموروث الثقافي
تؤكد الكاتبة الأردنية منال القطاونة أن جمع الطوابع البريدية كانت إحدى هواياتها المبكرة، فقد كانت تحرص على جمعها من هنا وهناك ولصقها على دفتر ملون خاص، مضيفة أنها كانت تقوم بترميم التالف والممزق منها، وتتبادل مع الصديقات البعض منها، وتقول: «مازلت أحتفظ بالكثير منها لغاية الآن.. وأعتبرها أفضل مجوهراتي الثقافية».
وترى قطاونة في حديثها للمجلة العربية أن «البعض لا يدرك أهميـة ودلالة ومضامين الطابع البريدي فهو ليس رقعة صغيـرة من الورق أو مجرد وريقة مصّمغة ذات قيمة محددة تحمل صورة أو رسماً أو زخارف رمزية، وليس الطابع مورداً مالياً للدولة فقط؛ بل هو جزء حميم من ثقافتـنا وجزء من الثقافة الرسمية لأي مجتمع؛ لأن الطوابع تتناول مناسبة ما دون غيرها وتكون متسقة ومتزامنة مع مجمل إصداراتها المتعلقة بمختلف المواضيع»، موضحةً أن الطوابع «سـاهمت بفاعليـة في رصد المنجزات والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري وجابت بلدان العالم لتعطي صورة صادقة ومشرقة عن أهم الأحداث التاريخية والإنجازات الحضارية فضلاً عن دورها في تخليد المناسبات العزيزة في تاريخنا».
 وتذكر الكاتبة الأردنية الهاوية لجمع الطوابع أن الملصق البريدي يحيلنا إلى «مواضيع متنوعة تتقاطع مع مجال البيئة والطبيعة والطفولة والصحة والشباب والسلام والحركة الكشفية والرياضية ومنظمات حقوق الإنسان، ومحو الأمية، والكتاب والأسرة وغيرها»، كما أنها – أي الطوابع – «تتمتع بأهمية تاريخية توثيقـية، فهي تعد بمثابة سجل زمني يرصد التطورات السياسية والحضارية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والإنسـانية وظلت تعبر عن الأحداث والأماكن والمناسبات».
وأشارت إلى أن الطوابع «قدمت صورة مشرقة ومشّرفة عن تاريخ الأردن، تدرجت عبر مراحل تأسيس الدولة الأردنية من إمارة شرقي الأردن إلى أول مجموعة طوابع أردنية تحمل اسم المملكة الأردنية الهاشمية.«
وحول سمات الطابع الأردني اليوم تقول «ازدانت الطوابع البريدية بصور لنباتات محلية من أبرزها السوسنة السوداء، إلى جانب طيور برية أردنية. واحتوى أيضاً على مجموعات تبرز الزى التراثي الأردني، إلى جانب رسومات الفسـيفساء في مادبا والمعالم والآثار الأردنية»، مؤكدةً على ضرورة استثـمار الجوانب الحضارية للطوابع البريدية «كقيمـة مضافة لهويتنا وثقافتنا وإنساننا، وأن نستحضر بشكل دائم من خلال هذه الطوابع أسئـلة هويتنا وأصداء تاريخنـا ووقائع حاضرنا.. كما يجب التغيـير الدائم وللأفضل في صياغة مشهد ثقـافي متميز.. وتحقيق التقدم دون التّنكر للماضـي أو إغفـاله وإنما إعادة قراءته وتفسـيره بقصد إلقاء أضواء جديدة كاشفة عليه، بما يثري حياة الفرد والمجتمع».
التقنية تحاصر الهواة
فادي محمد سليمان، هاوٍ لجمع الطوابع البريدية، ومتابع لها منذ وقت مبكر؛  يذكر أن السبب في هوايته يعود إلى سفر اثنين من إخوته للدراسة في الخارج، إلى جانب بعض أبناء عمومته، فكان التراسل سابقاً يتم من خلال البريد العادي، الذي اعتاد على جمعه، إلى أن أصبحت هواية، تابعها، ليس فقط كجامع للملصق القادم من الأهل، وإنما أيّ ملصق يراه يسعى إلى الحصول عليه، موضحاً أن ولعه بهذه الهواية دفعه لاقتناء ما تنشره الصحف والمجلات من آراء حول الطوابع.
ويضيف سليمان أن الملصق البريدي ليس مجرد ورقة، وإنما معلومة، وتاريخ ذو أهمية. مشيراً إلى أن موسى الدباس أقام أول معرض، في العام 1965م في بلدية الزرقاء، حمل عنوان (معرض الهوايات الدولي الأول)، احتوى على طوابع بريدية، وبرقيات، وعملات، وصور شخصية، وأعلام، ونماذج لأدوات وأجهزة الاتصال (الهاتفية)، ومخطوطات قديمة.
وحول الاهتمام بالبريد اليوم يؤكد أن هنالك جانبين من الاهتمام، الأول يتمثل في رعاية الدولة رسميًّا لهذه الهواية، ويقول إن الحكومة الأردنية رعت (متحف البريد الأردني)، ومركزه مدينة السلط.
ويرى سليمان أن المتحف يمثل واجهة ثقافية وحضارية تعكس اهتمام المؤسسة الرسمية بالملصقات البريدية، لتكريس وتعزيز الانتماء الوطني، مشيراً إلى أن المتحف عرض طوابع بريدية لتاريخ الأردن منذ ظهور البريد، بيد أنه أشار إلى أن الصحف قالت إن هنالك عدداً من الطوابع يعتبر غير متوافر، حيث ناشد المسؤولون المواطنين التعاون لتزويد المتحف بها.
أما الجانب الثاني، فهو الشعبي، الذي تجسد في تأسيس (نادي هواة الطوابع الأردني)، في عام 1979م، علاوةً على الهواة الذين يمارسون هواية الجمع بشكل منفرد، ويضيف أن الأردن شهد احتفاء كبيراً بالطوابع البريدية، ومثال ذلك أن (نادي الهواة) أقام معرضاً دائماً للطابع البريدي، وذلك من مساهمة الأعضاء.
ويؤكد سليمان أن التقدم التقني والمعلوماتي حاصر هواة الطوابع، وهذه الهواية، رغم بقاء الطوابع في المعاملات الرسمية، والمراسلات، إلا أن الإنترنت والهاتف النقال، أصبح بديلاً قادراً على اختصار الزمن في وقت قياسي.
مقتطفات من شريط الذاكرة
جاء في كتاب موسى عارف الدباس (البريد والطوابع البريدية -هواية ثقافية وعلوم تاريخية)، أن من أشهر هواة الطوابع ملك المملكة الأردنية الراحل الحسين الذي أدخل هواية جمع الطوابع إلى قصر رغدان منذ توليه سلطاته الدستورية العام 1952م، والأميرة عالية بنت الحسين الرئيسة الفخرية لنادي هواة الطوابع الأردني، والأمير غازي بن محمد.
ووفقاً للكتاب فإن المرحوم يعقوب يوسف سكر الذي ولد في مدينة السلط العام 1900م كان أول من صمم طابع بريد أردني، وأصدر لاحقاً من مجموعات طوابع بريدية أردنية، ومن طوابعه مثلاً: الأمير عبدالله، آثار جرش الحائزة على الجائزة العالمية في معرض فلوريدا المقام العام 1936م، ثم صمم منذ العام 1946 إلى العام 1959 عدة مجموعات من الطوابع عن: الاستقلال، المجلس النيابي، إعانة عرب فلسطين، اتحاد البريد العالمي، وحدة الأردن، اعتلاء العرش، الصخرة والمهد والبتراء، الملك حسين في 1954 ثم أخيراً الملك حسين بالألوان العام 1959.
ذو صلة