مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

حضر الإبداع ولم تغب السياسة: مصر تحصد جوائز مهرجان القاهرة السينمائي

حضرت السياسة ولم يغب الإبداع خلال أعمال مهرجان القاهرة السينمائي الذي اختتم دورته الرابعة والثلاثين، وحملت تصريحات  الفنانين والمخرجين خلال مؤتمراتهم الصحفية تجارب شخصية وآراءً فنية وأخرى سياسية مثيرة.

من جانبها حازت الأفلام المصرية على نصيب الأسد من جوائز المهرجان، حيث فاز فيلم (الشوق) للمخرج خالد الحجر بجائزة أحسن فيلم في المهرجان (الهرم الذهبي)، وحصلت سوسن بدر على جائزة أحسن ممثلة عن دورها في الفيلم، مناصفة مع الممثلة الفرنسية إيزابيل هوبير عن فيلمها (كوباكابانا). وحاز فيلم (ميكروفون) على جائزة أفضل فيلم عربي، كما نال عمرو واكد جائزة أفضل ممثل مناصفة مع الممثل الإيطالي إلكساندرو جاسمان عن دوريهما في الفيلم الإيطالي الأب والغريب.
وذهبت جائزة الهرم الفضي لفيلم و(كأنني لم أكن هناك) للمخرجة الإيرلندية جوانيتا ويلسون، وهو الفيلم الذي كان مرشحاً بقوة للهرم الذهبي.
وفي مسابقة أفلام الديجيتال فاز فيلم (إيماني) الأوغندي بالجائزة الفضية وتسلمها المخرج كارولين كاميا، أما الجائزة الذهبية فذهبت للفيلم الهولندي (جوي) وقيمتها 10 آلاف دولار .
وذهبت جائزة أحسن سيناريو في المسابقة العربية وقيمتها 100 ألف جنيه مناصفة بين فيلمي (ابن بابل) العراقى الذي كتبه وأخرجه محمد الدراجي واللبناني (رصاصة طائشة) للمخرج جورج هاشم، وحصل فيلم الجامع للمخرج داوود أولاد سيد إنتاج المغرب على شهادة تقدير، وحصلت هند الفاهم بطلة الفيلم التونسى آخر ديسمبر على شهادة تقدير أيضاً.
وذهبت جائزة أفضل إبداع فني باسم الراحل (يوسف شاهين) للفيلم الفلبيني (أمير) عن الموسيقى التصويرية للفيلم.
وحصل الفيلم البولندي (ولد البحر) على جائزة أفضل عمل أول للمخرج باسم الأديب الراحل (نجيب محفوظ)، وجائزة أفضل سيناريو (سعد الدين وهبة) لفيلم (الأب والغريب).
أما جائزة أحسن إخراج فذهبت للمخرج البرتغالي  سفيتوسلاف أوفتشاروف مخرج فيلم (التعليق الصوتي).
وقد شاركت أربعة أفلام مصرية في المسابقة الرسمية للمهرجان، هي (الطريق الدائري) و(الباب) و(ميكروفون) و(الشوق)، والأخير هو الذي حصد جوائز المهرجان، فيما اكتفى الباقون بالتمثيل المشرف.
وكان النجم عمر الشريف الرئيس الشرفي للمهرجان قد اعتبر في كلمته في حفل الافتتاح هذه الدورة من المهرجان «مميزة جداً ومن الصعب تكرارها لأنها تستضيف نجوماً بارزين منهم النجمة الفرنسية جوليت بنيوشي التي حصلت على جائزة الأوسكار أحسن ممثلة والنجم الأمريكى ريتشارد جير الذي لا يصيبه العجز أبداً».
وقد حاول الشريف منذ اللحظة الأولى أن يمنح المهرجان أملاً وأن يشعره بالحياة وبالمكانة التى يستحقها، فيما قال عزت أبوعوف رئيس المهرجان إنه يعتز جداً بكونه رئيساً لمهرجان القاهرة للسنة الخامسة على التوالي وإن المهرجان يحتل عن حق المكانة الأولى بين جميع المهرجانات العربية.
واعتبر كثيرون أن إدارة المهرجان أحسنت صنعاً باختيارها فيلم (عام آخر) للافتتاح رغم عرضه في مهرجانات أخرى دولية وعربية، ورغم ضآلة حجم الحضور في صالة عرض المسرح الكبير بالأوبرا، فالفيلم يعد بحسب نقاد كثيرين تحفة سينمائية إنسانية خالصة موضوعاً ورؤية وأداء وصورة وحواراً وسيناريو، مرجعين الفضل بذلك لمخرجه السينمائى مايك لي، وتدور أحداثه في إطار عائلي حول أسرة توم وجيري وهما زوجان يعيشان حياة هادئة وسعيدة ومستقرة على الرغم من كونهما في خريف العمر، فهما محاطان بأصدقاء يعانون درجات متفاوتة من اليأس وضبابية الأيام بسبب الإحساس بالوحدة، وهو الشعور الذي صوره الإنجليزي مايك لي بعذوبة ونعومة شديدة، دون أي افتعال أو مغالاة في العلاقة بين ما نراه على الشاشة وما يتركه داخلنا من تأثير.
النجم الأمريكي ريتشاد جير الذي قوبل بحفاوة كبيرة من الجماهير المصرية أينما حل؛ لم يُضع فرصة المؤتمر الصحفي الذي عقد بمناسبة زيارته لمصر دون أن يهاجم الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش، قائلاً: «كان لدينا رئيس ضعيف زج بنا في حرب فاسدة من كل الجوانب وعرّض الأمريكين لموقف مؤسف حينما دفعنا دفعاً لغزو العراق، وكنا سبب حزن هذا الشعب ومعاناته، وأعتقد أنه بمجرد أن يستطيع كل أفراد جيشنا الخروج من العراق سوف يجد العراقيون أنفسهم وسنستطيع أن نتعامل معهم بشكل جيد».
وأكد جير أنه يؤمن بحرية الشعوب وأنه حرص علي زيارة رام الله تعبيراً عن مساندته للفلسطينيين في مواجهة ما يتعرضون له من محن، مشيراً إلى أنه أصر على زيارة المدينة رغم التحذيرات التى تلقاها، وقد أكدت الزيارة له أن الفلسطينيين «شعب طيب ورائع للغاية، وأن الصعوبة تكمن في نسبة صغيرة من الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي».
فيما رفضت النجمة الفرنسية جولييت بينوش اتهامها بمغازلة إسرائيل من خلال تجسيد دور مستوطنة يهودية في أحد أفلامها. وقالت في مؤتمرها الصحفي: «قبلت هذا الدور لأنه يتناول حياة امرأة بلا أخلاق تبحث عن ابنتها ولا تهتم بأي شأن سياسي، كما أنه لا يجوز تقييمها أخلاقياً.. إنه إحساس بالأمومة كسيدات.. فالفيلم يعلمنا كيفية معرفة أخطاء الآخرين وقبولها ومقابلتها بالتسامح كما يعلمنا الإنصات لأنفسنا قليلاً وإلا سنظل في هذه الآلام لفترة طويلة». وشددت النجمة الفرنسية على استمرار دعمها للشعب الفلسطيني، وقالت: «عندما نرى صور فلسطينيين يتلقون الصفعات فلابد أن يكون هناك أي رد فعل قد يختلف من شخص لآخر، ولكننا عندما نفهم وجهة نظر الجانبين سنجد أننا جميعاً بشر». وأضافت: «لست معارضة لإسرائيل ولكن على العكس فهم عاشوا حياة صعبة أيضاً في الحرب وخاصة يهود فرنسا، ولذلك لا أستطيع أن آخذ جانب طرف دون آخر فأنا مناضلة إنسانية دون تحيز، بعيداً عن أي جوانب سياسية تزيد الأمر تعقيداً، وهذا لا يمنعني أن أعمل مع أي مخرج فلسطينياً كان أم إسرائيلياً»، وتابعت: أنا أرفع شعار الروح فقط في السينما، فنحن نخاطب الأرواح لا الأشخاص، نحن نقرأ عن الثقافة العربية والفرعونية منذ أن نبلغ 11 سنة، فيزرع داخلنا الشوق لتلك الحضارة، ولا تدركون كم عدد الأطفال الذن يحلمون يوماً برؤية الحضارة الفرعونية، فأنت بمجرد أن توضع داخلك تلك البذرة تبدأ في شوق قوي جداً لتأتي هنا وتغمس يدك في مياة النيل وتسافر للصعيد وترى الآثار.
ورداً على سؤال حول قبولها العمل مع المخرج الإيراني الشهير، عباس كيروستامي، في فيلم (نسخة طبق الأصل)، قالت النجمة الفرنسية: بالنسبة لي العمل الجيد يفرض نفسة والهدف الإنسانى يأتي في المقام الأول، حتى ولو كان تحته أهداف أخرى سياسية، ولكن المغزى الإنساني هو الذي يحكمني منذ أن انخرطت في العمل السينمائي.
وكان الحدث الأبرز هو حضور السينما الأفريقية، وشهدت الندوة التى عقدت حولها على هامش المهرجان حضوراً كثيفاً من عشاق الفن السابع، وتحدث فيها ميشيل أودروجو المفوض العام لمهرجان فسباكو في بوركينا فاسو، وقد فاجأ الجميع بتوجيه الشكر للمستعمر الذي احتل في وقت ما البلدان الأفريقية قائلاً: «شكراً للمستعمر لأنه جاء وفي حقائبه قيم كثيرة من أهمها السينما، التي تبناها الأفارقة فيما بعد، وساعدتهم على محاربته بل وتحرير السينما الأفريقية فيما بعد».
لكنه عاد ليوجه اللوم إلى القادة الأفارقة قائلاً: «القادة في أفريقيا لم يأخذوا في حسبانهم الثقافة التي هي بمثابة الخيط الأول في التنمية، مركزين فقط على الزراعة والصناعة، للأسف لا يوجد في قارة أفريقيا سوي 6 دول فقط هي من توفر تمويلاً للسينما وهي مصر والمغرب والجزائر ونيجيريا وجنوب أفريقيا وبوركينا فاسو».
وشدد على أهمية الإنتاج المشترك بين عدة دول أفريقية للنهوض بصناعة السينما، وكشف عن وجود محاولات سابقة في هذا الشأن ولكنها فشلت جميعاً، وقال: «في فترة الستينات قدم ممثلو صناعة السينما في أفريقيا مقترحاً لإنشاء صندوق لتمويل السينما ولم يصلوا لشيء، وهناك تجربة أخرى في غرب أفريقيا عبارة عن هيكل أو اتحاد هدفه حشد الموارد وصنع إنتاج مشترك بين أعضائه، ولكن هذا الهيكل للأسف لم يدار بشكل صحيح لأنه لم يكن مؤهلاً لذلك».
أما المخرج التونسي إبراهيم لطيف فرأى أنه لا توجد في أفريقيا صناعة سينما من الأساس، ولكن توجد أفلام أفريقية تعكس العادات والتقاليد. وذهب لطيف لأبعد من ذلك حيث انتقد تكرار الأفارقة في كل محفل يذهبون إليه سؤال (ما معنى السينما الأفريقية؟) وهو السؤال الذي يتكرر منذ 22 عاماً، وأكد أنه لابد من وجود إرادة سياسية ولابد أن ينظم الأفارقة أنفسهم ذاتياً ليتغلبوا على معوقات صناعة السينما في بلادهم.
وشهد المهرجان جدلاً حول علاقة المسلمين بالولايات المتحدة الأمريكية، من خلال فيلم (مسلم) للمخرج الأمريكي قاسم كيو باسير الذي قدم فيه نموذجاً لشاب مسلم يتعرض لضغوط من والده المتشدد تدفعه دفعاً لكره الإسلام والمسلمين وعاداتهم، إلى أن تقوم أحداث 11 سبتمبر التي تغير مفاهيم هذا الشاب وتدفعه إلى إعاده التفكير مرة أخرى في الأمر.
وفي الندوة التي أقيمت عقب عرض الفيلم بقاعة العرض بالمجلس الأعلى للثقافة وحضرها المخرج قال باسير: أردت التركيز على فكرة أن الإسلام دين مساواة لذا وضعت في الفيلم مسلمين من عدة جنسيات آسيويين وأفارقة يحملون الجنسية الأمريكية.
ورغم أن قاسم قال في البداية إنه لم يواجه العنصرية كأفريقي مسلم يعيش في أمريكا إلا أن منتجة الفيلم (دانا) أكدت أن صناعة هذا الفيلم كانت غاية في الصعوبة، لأن قاسم أفريقي ومسلم ويصنع فيلماً عن شخصية تشبهه إلى حد كبير.
واعترف قاسم أن الفيلم يحمل جزءاً كبيراً من حياته بالفعل، حيث قال: تعرضت وأنا صغير للضرب الشديد من مدرس مسلم تماماً كما حدث مع بطل الفيلم الشاب، وكان المدرس يتفنن في تعذيبي إلى أن جاءت أمي وأخذتني من المدرسة بالفعل كما حدث بالفيلم.
ندوة الفيلم العراقي (ابن بابل)، والتي حضرها مخرج الفيلم محمد دراجي، جددت الأحزان على حال السينما العراقية حالياً.
وبدأ دراجي حديثه بشرح الظروف الصعبة التي تعرض لها بسبب عدم وجود سينما في العراق بعد تعرضها للتدمير منذ عام 1991، وقال إنه استمد قصته من عمته التي كانت تجمع النساء وتبكي زوجها الذي مات في الحرب وظلت هذه الذكرى في عقله حتى كتب فيلمه الذي شاركت فيه  9 دول منها مصر والإمارات وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وصوره في 8 محافظات.
وقال دراجي إن كل ممثليه غير محترفين والسيدة التي لعبت بطولته الفيلم تم سجنها لمدة 22 عاماً فقدت خلالها ابنها والطفل الصغير لم يكن يعرف معنى السينما أصلاً.
والفيلم شارك في 40 مهرجاناً ونال 16  جائزة.
أما أكثر ما أزعج المنتجين المصريين، فهو أن أفلام المهرجان دخلت على خط المنافسة مع أفلامهم التى طرحوها في هذا التوقيت للعرض، وهو ماأثر على إيراداتها بشكل كبير.
ذو صلة