شهدت دمشق في الفترة من 27 نوفمبر إلى 5 ديسمبر فعاليات الدورة الخامسة عشرة لمهرجان دمشق للفنون المسرحية، إذ تَشكَّلَ قوام هذه الدورة من نحو 33 عرضاً مسرحياً، و20 مكرماً في حفلي الافتتاح والختام، وندوتين فكريتين تمحورت الأولى حول (المسرح والشباب)، فيما عالجت الثانية واقع المسرح السوري (من النص إلى المنصة)، فضلاً عن حلول نحو مئة شخصية مسرحية ضيوفاً على مهرجان يوصف بأنه (الأعرق) في المنطقة.
لا أحد يستطيع أن ينكر عراقة المهرجان الذي تعود دورته الأولى إلى العام 1969 حيث انطلق، آنذاك، على يد مجموعة من الهواة، بينهم الراحل سعدالله ونّوس وعمر حجو وعلاء الدين كوكش وأسعد فضة وسواهم. وكان المهرجان، الذي يقام مرة كل سنتين، توقف دورات عدة لأسباب سياسية تارة، وتقنية-فنية تارة أخرى، بل غاب لنحو 16 عاماً من 1988 إلى 2004 لينهض مجدداً كفعالية تسعى إلى إعادة بعض الألق إلى الواقع المسرحي الراكد، ليس في سوريا فحسب، بل في العالم العربي بعامة، وربما في العالم.
هكذا جاء مهرجان دمشق المسرحي الأخير كواحة وسط يباب الحركة المسرحية, ليذكرنا بأن ثمة مسرحاً لا يزال يتنفس في هذا الفضاء الثقافي الخانق، ويعثر على القليل ممن يؤمن بمكانة هذا الفن ودوره الثقافي الجليل بعد هيمنة ثقافة الصورة وطغيان القيم الاستهلاكية التي ترى في المسرح، وغيرها من الفنون الراقية ترفاً نخبوياً، وبعد هجرة الكثير من عشاقه (على الأقل في المثال السوري) نحو الشاشة الصغيرة التي تؤمن شهرة ومالاً، أنى للمسرح الفقير أن يأتي بمثلهما.
أخذ المهرجان نصيبه من النقد مثلما حظي بالثناء. بين المدح والذم ثمة مساحة للتأمل والتساؤل عن دور هذا المهرجان في تنشيط الحركة المسرحية، وإعادة بعض الحيوية إلى الحراك المسرحي الكسول، لا سيما وأن هذا الضيف الطارئ؛ الخجول يظهر مرة واحدة كل سنتين، الأمر الذي يفضي إلى استنتاج منطقي يقول بأن ليس في مقدور المهرجان (النهوض بالمسرح)، ذلك أن هذه (المهمة الطموحة) تستدعي العمل الدؤوب المتواصل، ليأتي المهرجان، والحال كذلك، تتويجاً طبيعياً لتلك الجهود، ومحطة تكشف عن غث المسرح وسمينه خصوصاً في سوريا، وبدرجة أقل في العالم العربي.
وإذا أعفينا المهرجان من القيام بهذا الدور الذي يتطلب سياسة ثقافية أكثر رحابة من هذه الفعالية العابرة، وأردنا أن نحصي الأخطاء والهنات فسنعثر على الكثير منها، وهي في غالبيتها تنصب على الجوانب الإدارية والتنظيمية والتي تتفرع إلى تفاصيل وجزئيات كثيرة، منها، مثلاً، مقر إقامة الضيوف حيث تباين مستوى الإقامة فبعضهم حظي بمكان مرفّه ذي الخمس نجوم، وبعضهم الآخر وجد نفسه في مرتبة أدنى، إذ تقلص عدد النجوم حيث يقيم، الأمر الآخر تمثل في البرمجة، غير المدروسة بعناية، للعروض والتي تضمنت، مثلا، ثلاثة عروض عربية في توقيت واحد، ونفي بعض العروض إلى مسرح قصي هو (مجمع دمر الثقافي)؛ البعيد عن مركز المدينة، والذي لا يستطيع جذب الجمهور كما الحال في مسرح (الحمراء)، ودار (الأوبرا) وصالة (القباني) التي شهدت العروض الرئيسة، ناهيك عن عروض ألغيت رغم إدراجها في البرنامج الرسمي، كما حدث مع العرض السويدي (مع الاحتفاظ بالشرف) الذي لم يعلم أحد بإلغائه إلا حين ذهب إلى المسرح ليشاهد العرض، فعرف الأمر في تلك اللحظة وكان عليه أن يبحث عن خيار آخر. أما نشرة (المنصة) اليومية المواكبة لفعاليات المهرجان، والتي جاءت بطباعة أنيقة، وصور واضحة، وورق مصقول، فقد حفلت، رغم ذلك، بأخطاء كثيرة، طباعية وإخراجية ولغوية، وحوت بعض المقالات ضعيفة المستوى، وتعاملت مع العروض بانتقائية لا يعلم أحد معاييرها وأسسها، مع تركيز على العروض السورية.
رغم ذلك يبقى الأساس في أي مهرجان مسرحي هو مستوى العروض المقدمة، وانطلاقاً من ذلك نجحت مديرية المسارح والموسيقى التابعة لوزارة الثقافة السورية, الجهة المنظمة للمهرجان؛ في اختيار وجلب عروض عربية كادت تغطي المشهد المسرحي العربي من المحيط إلى الخليج، ولئن غاب عدد قليل من الدول العربية، فذلك يعود لسببين، إما لأن العروض المقدمة للمشاركة لم ترتق إلى مستوى معايير المهرجان، أو أن هذه الدول، وهي قليلة على أي حال، لم تعرب عن رغبتها في المشاركة أصلاً. علاوة على ذلك استحدث المهرجان في هذه الدورة تظاهرة جديدة سميت (منصة حوض البحر الأبيض المتوسط) التي تضمنت عروضاً من بعض الدول المتوسطية، لاقت استحسان الجمهور.
وقد حفل المهرجان، وفقاً لما سبق، بعروض عربية عديدة، وهي (كنا صديقين) لفهد الحارثي من السعودية، (أنا، أنت، الإنسان) لفهد الباكر من قطر، (دراما الشحاذين) لعبد العزيز صفر من الكويت، (جمهورية الموز) لإياد الشطناوي من الأردن، (فليسقط شكسبير) لمحمد الصادق من ليبيا، (حقائب) لجعفر القاسمي من تونس، (طعم الطين) لعبد المجيد شكير من المغرب، (كامب) لمهند هادي، و(صدى) لحاتم عودة من العراق، (شظايا) لحسان عسوس من الجزائر، (مساحات أخرى) لجنى الحسن من لبنان، (الرقصة الأخيرة) لعطا شمس الدين من السودان، (صحوة ربيع) لليلى سليمان من مصر، و(هبوط اضطراري) وهو إخراج جماعي من فلسطين.
واحتفظت سوريا بنحو ثلث عدد العروض، وهي (أناس الليل) لباسم قهار، (راجعين) لأيمن زيدان، (نيجاتيف) لنضال سيجري، (حكاية بلا نهاية) للؤي شانا، (حكاية علاء الدين) لأسامة حلال، (كلاكيت) لتامر العربيد، (قصة حديقة الحيوان) لرأفت الزاقوت، (سيليكون) لعبد المنعم عمايري، (ليلة القتلة) لمأمون الخطيب، (بيت بلا شرفات) لهشام كفارنة، (الآلية) لمانويل جيجي، (لحظة) لرغدة الشعراني وهي في أغلبها عروض مستعادة.
ويتعذر القول إن هذه العروض تنافست؛ ذلك أن مهرجان دمشق المسرحي يخلو من لجان التحكيم ومن الجوائز، ولم يبق أمام العروض، والحال كذلك، سوى كسب رضا الجمهور الذي يقيم، بحضوره الكثيف أو القليل، مستوى هذا العرض أو ذاك، ولعل هذا (التقييم الجماهيري الصامت) هو أبلغ وأصدق من جوائز لجان التحكيم التي تتأثر، خصوصاً في المناسبات العربية، بالاعتبارات السياسية والجغرافية والعلاقات الشخصية. لكن الناقد المسرحي السوري جوان جان، الذي يعمل في فصلية (الحياة المسرحية) طالب بضرورة (وجود جوائز في المهرجان)، لأن اتباع مثل هذا التقليد، وفق رأيه، «يسهم بالارتقاء في نوعية وطبيعة العروض المقدمة للمشاركة، أما الاكتفاء بعرض المسرحيات دون لجان تحكيم لتقييمها فهو يضعف العروض»، وهو ضرب مثالاً على ذلك، إذ لاحظ أن غالبية العروض المسرحية عانت من «غياب النص المسرحي المتماسك، والذي يحوي أفكاراً مبتكرة وجديدة».
والواقع أن مستوى العروض بدا متبايناً من حيث الشكل والأسلوب، ومتشعباً من حيث المضامين لدرجة تصعب معها المجازفة بإدراجها تحت عناوين متقاربة، إذ تشابكت المواضيع تبعا للجغرافيا الشاسعة التي قدمت منها هذه الأعمال المسرحية. مسرحية (كنا صديقين) التي قدمت من الطائف في المملكة العربية السعودية تتحدث عن صديقين يعملان في المسرح وكانا يملكان مشروعاً مسرحياً طموحاً هو أشبه بحلم مثالي عصي على المنال، فسرعان ما يتخلى أحد الصديقين عن المسرح ويدخل في خضم الأعمال التلفزيونية والسينمائية حيث الشهرة والمال والنجومية. هذه الإغراءات تنسي الصديق عشق المسرح، ليترك صديقه الآخر وحيداً في متاهات المسرح وخيباته وكواليسه المظلمة. إنه عرض يطرح سؤال المسرح داخل المسرح. العرض السوداني (ماستابا الرقصة الأخيرة) للمخرج والمؤلف عطا شمس الدين يروي حكاية عاشقين يسعيان إلى تغيير مفاهيم خاطئة يتمسك بها الكاهن أو (الأب) المتشبث بالتقاليد البالية للحفاظ على امتيازاته ومصالحه الشخصية. هذا التعاطي المختلف في النظر إلى قيم القبيلة التي تعيش في بقعة سودانية في زمن غير معلوم، يؤجج الصراع بين الجانبين وسط تركيز على استحضار مفردات البيئة الإفريقية الغنية بتشكيلاتها البصرية وإيقاعاتها الموسيقية الصاخبة، ورقصاتها المحمومة التي جسدتها بمهارة، هنا، الفنانة أمنية فتحي (ماستابا) التي سعت إلى هذا الخيار، وراحت تشعل الخشبة بحركاتها الرشيقة تعبيراً عن الرفض والاحتجاج، داعية إلى قيم بديلة تنهي القيود المكبلة للروح التي يحرسها (الأب) بشراسة. وغير بعيد من هذا المنحى التراجيدي جاء العرض التركي (مكان في وسط العالم) ولكن في قالب مسرحي مختلف تماماً، إذ اتكأ هذا العرض على الفرجة البصرية، وراح يوظف الستائر الشفافة والإضاءة المتقنة لخلق سينوغرافيا مفعمة بالتشكيلات البصرية. وسط هذا الفضاء الملون؛ والمبهر نصغي إلى أسطورة الأميرة البائسة، وعاشقها الذي لا يتوانى عن ارتكاب الجرائم في سبيل الوصول إلى قلب الأميرة الذي يخفق للغير، فتأتي النهايات مأساوية لتذكرنا بالتراجيديات الإغريقية الكبرى. العرض المصري (صحوة ربيع) لليلى سليمان ذهب إلى فضاء مغاير، إذ طرح موضوعاً تناولته الفنون، وخصوصا السينما، بمعالجات مختلفة. يبرز العرض جانباً من هواجس وهموم المراهقين الشباب وهم يكتشفون، على نحو خجول، التغيرات الفيزيولوجية للجسد، وظهور رغبات غامضة لا تفلح المدرسة ولا الأسرة في شرحها بصراحة، فيقع الشاب، عندئذ، في حيرة مما ينتابه وهو يغوص في منهاجه المدرسي (الجاف والممل) من دون أن يعثر على أجوبة لأسئلته الملحة حول الجنس والجسد. ولئن نجح العرض في توظيف التكنولوجيا واستثمر بنجاح لعبة المرايا المتشظية عبر توليف مسرحي سعى إلى الكشف عما يعتمل في دواخل هؤلاء الشباب، غير أن العرض في مجمله بدا ناقصاً، لم يفلح في تقديم معالجة ترقى إلى حساسية وجرأة الموضوع المطروح. ولم تغب محنة العراق عن هذا (العرس المسرحي)، ولن نتوقع من المسرح العراقي سوى سرد الهموم والمآسي، ولعل الموضوع الأكثر إيلاماً هو الهجرة التي تكاد تكون العنوان الأبرز في ليل العراق الطويل، سواء قبل سقوط النظام أو بعده، وهذا ما رأيناه في مسرحية (كامب) لمهند هادي الذي يتحدث عن أحلام العراقيين وهم ينتظرون كل صباح أمام مكاتب الأمم المتحدة في دمشق بحثا عن سبيل للوصول إلى بلاد بعيدة، آمنة بعدما تحول بلدهم إلى ساحة للقتل اليومي. وجاء العرض العراقي الثاني (صدى) لحاتم عودة ليكمل سابقه، إذ يرصد، بدوره، معاناة العراقي الذي فشل في العثور على وطن بديل، مثلما فقد الشعور بالانتماء إلى وطنه الغارق في رائحة النعوش. لكن العرض يحض على التمسك بالأرض التي لا تنسى عقوق أبنائها. شيء من هذا القبيل يتكرر في المسرحية الفلسطينية (هبوط اضطراري) لسلمان ناطور التي تتناول (غربة الإنسان الفلسطيني في وطنه، وفي منفاه بأسلوب يجمع بين السخرية اللاذعة والمعاينة المؤثرة والمبكية لعبثية الحالة الفلسطينية حين يضطر الفلسطيني إلى الهبوط الاضطراري من حلمه الجميل والعادل إلى واقع الاحتلال الخانق). العرض التونسي (حقائب) لجعفر القاسمي، الذي حظي بالتقدير، تناول لعبة التماهي بين الممثل وحقيبته، أو رحلة مع الممثل وفي الممثل باعتباره حقيبة تجر وتحمل وتدفع، والممثل هو الحقيبة المبهمة، فهل نفتح حقيبة هذا الممثل لنرى إحساسه، فضاءه، آلامه، أحلامه، صمته، حركته؟. أما العروض السورية فلها مقام آخر، لكن اللافت إقبال الجمهور السوري على مسرحه، في وقت كان يفترض فيه أن يستغل فرصة المهرجان لمتابعة العروض العربية والأجنبية، فهذه الأخيرة تتعذر مشاهدتها خارج أيام المهرجان، على عكس عروض بلاده التي يستطيع مشاهدتها في أوقات أخرى، فضلاً عن أن غالبية العروض السورية كانت مكررة ومستعادة.