الشعر الجاهلي مادة علمية تقاطر عليها الباحثون يجلون غامضها، ويكشفون سرها، ويبحثون في أعماقها عن جواهر الدلالة، وأساسات الفن الشعري، ولكنهم في بحثهم داخل هذه المادة الثرة تباينت نظرتهم لما أودعه الجاهليون في أشعارهم من أفكار؛ ففريق منهم يرى أن أفكار الشعر الجاهلي ومعانيه واضحة بسيطة تلائم الفطرة وتنسجم وطبيعة المجتمع البدوي، ولا شك أن البساطة والوضوح أثران من آثار البيئة، وصفاء الذهن، واعتدال المزاج، وهما يدلان على عقلية هادئة مستقرة، لا اضطراب فيها ولا قلق، فلا غموض، ولا تفلسف.
وفريق آخر يرى أن «القول بوضوح وبساطة الشعر الجاهلي أخطر حكم أصدر على هذا الشعر.. ذلك أن الشاعر الجيد لا يشاكل بصوره الواقع الذي يصوره مشاكلة حقيقية؛ لأنه لا يصور هذا الواقع في ذاته، ولكنه يعكس رؤيته له، ومن ثم فإنه حين يعرض لتصويره يحرص على أن يخلق صورته خلقاً جديداً بعكس هذه الرؤية أو تلك، وقد بلغ الشعر الجاهلي درجة عالية من التعقيد الفني في اللغة، والأساليب، والأوزان، والصور الشعرية».
وقد سكنت المرأة وجدان الشاعر الجاهلي فذهب يبتدئ بها شعره، ويصرح باسمها ومشاعره نحوها، إلا أن الذي يدعو إلى التساؤل تعدد أسماء النساء عند الشاعر مما يوحي بأن الشاعر الجاهلي يوظف اسم المرأة لحاجة في نفس يعقوب.
إن القارئ للشعر الجاهلي يتوقف أمام أسماء متعددة يجدها متكررة بين الشعراء كـ(سلمى)، و(سعاد)، و(فاطمة)، و(خولة)، وغيرها، ويلحظ أن بعض الأسماء تتكرر، وتتعدد في شعر الشاعر الواحد، والقارئ المهتم بتذوق الشعر يرى في اسم المرأة داخل القصيدة حورية من حوريات الشعر رطبة أبداً، كأنها لحن من لحون الأبد، اصطفاها البيان ورفعها إلى عالم البقاء.
ويعين على هذا التساؤل ما يتميز به اللفظ العربي من ثراء دلالي كأنه الذهب الخام الذي إذا وقع في يد صانع ماهر ألبسه روحه، وأسبغ عليه وابله الصيّب، فيزداد حسناً وبهاء، حتى يغالي في ثمنه بين الناس، ويذهب خبره في الأمصار، وإن استثمار أحوال اللفظ حتى تثمر ما يبعث الأريحية، ويثير الدفين من الاستحسان هو مناط الأمر عند العارفين بجوهر الكلام؛ ولهذا كان المعنى المعتبر في الشعر هو هذه الخواطر، وتلك الصور والمرائي، والأحوال التي تبعثها اللغة كأنها أضواء ندية.
ويكتسب البحث في مدلولات أسماء النساء، وأسرار توظيفها في القصيدة أهميته من تلك الأحاديث الكثيرة التي تحدث فيها النقاد المتقدمون عن دلالات الكلمة، وإيحاءاتها، وإيماءاتها، ورمزيتها، من مثل الجاحظ (ت 255هـ) الذي يرى أن الدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هي البيان وحده.
وذكر المبرّد (ت 286هـ) أن للإيماء أهمية في كلام العرب، فقال: «وقد يقع الإيماء إلى الشيء فيغني عند ذوي الألباب عن كشفه كما قيل لمحة دالة».
واللمحة تحدث عنها ابن رشيق (ت 463هـ) في باب الإشارة، فقال: «والإشارة من غرائب الشعر وملحه، وبلاغة عجيبة تدل على بعد المعنى وفرط المقدرة، وليس يأتي بها إلا الشاعر المبرز، والحاذق الماهر، وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة، واختصار وتلويح، يعرف مجملاً، ومعناه بعيد من ظاهر لفظه».
وشعراء الجاهلية يبتدؤون قصائدهم في بعض الأحيان بالمقدمة الغزلية التي ينتهجون فيها ذكر اسم المرأة تعبيراً عن القبيلة، أو الحبيبة، أو الحياة واستمرارها، أو يكون اسم المرأة معادلاً موضوعياً لفقدان الحياة في الطلل، أو يرمزون به لأمر أو موقف يريدونه.
ويوضح أحد النقاد سبب وجود المقدمة الغزلية في الشعر الجاهلي، وهو أن المقدمة الغزلية هي الأصل الذي تدور حوله القصيدة بوصفها تعبيراً يجسم لنا ارتداد الشاعر إلى نفسه، وخلوه إليها، وهي بذلك تعد الجزء الذاتي الذي يعبر فيه الشاعر عن موقفه من الحياة والكون حوله، ويرى أن هناك عناصر خفية كانت تنطوي عليها نفس الشاعر، مثل: التناقض، اللاتناهي، الفناء، والشاعر بذلك لم يكن يشعر بأي اطمئنان.
وليست المقدمة الغزلية تقليداً جامداً منفصلاً عن موضوع الشاعر، بل هي على التحام تام بما يعبر عنه الشاعر في كل غرض، وما يقصده من معنى.
وبما أن أساس المقدمة الغزلية المرأة فقد ركزت النظر على دلالات اسمها؛ لأسباب، منها: أن كل قارئ للشعر الجاهلي يرى أن شراح الشعر الجاهلي لا يتوقفون عند اسم المرأة، بل يقولون تعليقاً عليها: (اسم امرأة)، أو (اسم المحبوبة)، أو (امرأة يتغنى بها الشاعر)، وهذا التعليق لا يطفئ ظمأ السؤال.
ثم إن الشاعر الجاهلي تعددت أسماء النساء في مقدمته الغزلية، وبناء على تعليق الشراح ستكون المحبوبة محبوبات متعددة، وهذا ما لا يتناسب مع القيم التي ذكرت عنهم.
ولابد أن يكون وراء تعدد أسماء النساء فناً شعرياً من أسرار صنعة الشعر عند الجاهليين؛ ولذلك توقف الباحث عند طرفة بن العبد البكري فرأى في مقدمات قصائده الغزلية أربعة أسماء، هي: (خولة)، و(هر)، و(سلمى)، و(هند)، وسيقتصر الحديث على (خولة)؛ لورودها في معلقته، ولأنه إذا ذكر اسمها انصرف الذهن إلى معلقته، وفي (خولة) يقول:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وجاء اسمها في مطلع قصيدة أخرى، فقال:
لخولة بالأجزاع من إضم طلل
وبالسفح من قو مقام ومحتمل
وقال في مطلع قصيدة ثالثة:
ألا اعتزليني اليوم خولة أو غضي
فقد نزلت حدباء محكمة العض
وحرص طرفة على أن يذكر المرأة التي لها صلات بالمكان الطلل.. لأن المرأة في الطلل رمز الحياة، والمرآة التي تعكس حاجة الإنسان للأمان في عالم لا يتصالح مع مخاوفه.
وتحدث طرفة في معلقته عن علاقته بقبيلته؛ وسيتضح -بإذن الله- من إشارة هذا الاسم مضمرات نفس طرفة بن العبد الذي عاش يتيماً، وتعرض لظلم أعمامه عندما أخذوا ماله، ولم يرأفوا بأمه التي هي في الحقيقة قبل أمومتها لطرفة أختهم؛ لأنها من رهط أبيه، يقول طرفة:
ما تنظرون بحق وردة فيكم
صغر البنون ورهط وردة غيب
قد يبعث الأمر العظيم صغيره
حتى تظل له الدماء تصبب
أدوا الحقوق تفر لكم أعراضكم
إن الكريم إذا يحرب يغضب
ومن هذه القصة التي فتح طرفة عينيه على أحداثها يمكن النظر إلى اسم (خولة) الذي قال فيه:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
ونقرأ في بيته أن (خولة) لها أطلال، وأطلالها واهية غير واضحة كباقي الوشم في ظاهر اليد -والوشم كتابة أو رسم على الجلد- لكن طرفة جعل أطلال خولة كالمتبقي من الوشم.
وإمعاناً في الرمز بالوشم جعله غير واضح، وفي ظاهر اليد، ووشم طرفة ظاهر غير متمكن من الجلد بدليل أنه قال: (كباقي الوشم)، وكأن وشم طرفة دليل على علاقته بالقبيلة، ومعبر عن عدم اكتراثه بالانتماء لهذه القبيلة التي أكلت حقه.
ثم إن السياق الذي جاء فيه اسم (خولة) سياق لا ينبض بالحب، والشوق، والتغني باسم المحبوبة، بل هو سياق يشير إلى قطيعة واضحة، وانفصال عن أطلال خولة.
ولعل الناظر في جذر كلمة (خولة) وهو (خ و ل) يرى أن المادة تدل على (تعهد الشيء، ومن ذلك: إنه كان يتخولهم بالموعظة، أي: كان يتعهدهم بها، وفلان خولي مال، إذا كان يصلحه، ومنه: خولك الله مالاً، أي: أعطاكه؛ لأن المال يتخول، أي: يتعهد، ومنه خول الرجل، وهم حشمه، أصله أن الواحد خائل، وهو: الراعي، يقال: فلان يخول على أهله، أي: يرعى عليهم).
إن جذر الكلمة يتطابق مع قصة ظلم أعمامه الذين هم في نفس الوقت أخواله، ويتناسب مع قصة الإرث الذي أكلوه.
والسؤال الذي يحتاج للجواب هو: لم اختار طرفة جذر (خول) وبنى منه اسم امرأة يفتتح به معلقته، ولم يبن من جذر العمومة شيئاً؟
والجواب يظهر من أن الخؤولة عند العرب ليست في قوة العمومة التي تعد عصبة الرجل، والمعهود عن العرب أن العصبة هم حماة ابنهم، وربما ورثوا ابنهم الذي ليس له أقارب من صلبه، أما الخؤولة فليس لهم ذلك، ولذا آثر طرفة بن العبد لفظ (خولة) إشارة إلى أن الأخوال ليس لهم حق في مال ابن أختهم.
ومما يؤكد أن طرفة بن العبد لم يتغزل بامرأة اسمها (خولة) ذلك المقطع الذي أورده في معلقته يصف فيه امرأة قال فيها:
وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن
مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد
خذول تراعي ربرباً بخميلة
تناول أطراف البرير وترتدي
وتبسم عن ألمى كأن منوراً
تخلل حر الرمل دعص له ندي
سقته إياة الشمس إلا لثاته
أسِفّ ولم تكدم عليه بإثمد
ووجه كأن الشمس حلت رداءها
عليه نقيّ اللون لم يتخدد
يشبه طرفة في هذا المقطع امرأة بالظبي الأحوى، وهو الذي له خطان من سواد وبياض، ومن المعروف أن تشبيه المرأة يكون بالظبية إلا أن طرفة اختار الظبي الأحوى الذي فيه خطان من سواد وبياض، وبذلك تكون المرأة المشبهة ليست فتاة شابة، وإنما هي امرأة اختلط بسواد شعرها البياض، ثم إنها ذات ولد، لقوله: (خذول)، (وإنما خص الخذول؛ لأنها فزعة ولهة على خشفها فتشرئب وتدّعنقها)، فهل من المعقول أن يكون طرفة متغزلاً بامرأة شاب شعرها، وفوق ذلك هي مهتمة بولدها الذي تركت لأجله صواحبها؟!
إن طرفة في هذا المقطع الذي يصور فيه المرأة بالظبي الأحوى يشير إلى حالة أمه التي خذلها قومها، وأكلوا مال ولدها طرفة.
إذن، اسم (خولة) الذي ارتبط بطرفة بن العبد لوروده في معلقته لم يقصد منه أن يتحدث عن امرأة فقط، أو أن يكون تقليداً تتابع عليه شعراء عصره دون أن يعي الهدف أو أن يكون تهتكاً واستهتاراً بأعراض النساء، بل هي إشارة تفيض بمعان كثيرة وتحقق صفحة في حياة طرفة من خلال شعره، وتري القارئ أن الشعر علم قوم لم يكن لهم علم غيره، فأودعوه أسرارهم، وحياتهم، وبكاءهم، وحنينهم، وفكرهم، وفنهم الذي ما زال يدرس إلى هذه الكلمات.