في تاريخ الرحلة العربية هناك رحلة بمثابة الرحلة الأم للرحلات الحجازية من الأندلس والغرب الإسلامي المدونة ألا وهي رحلة أبو بكر محمد بن عبدالله بن العربي المعافري (ت: 543هـ/ 1148م) رغم ما شاع لدى بعض الباحثين أن أدب الرحلات لم يعرفه الأندلسيون إلا في القرن السادس الهجري بمجيء ابن جبير الكناني (ت: 614هـ/ 1217م) الذي رحل ثلاثاً من الأندلس إلى المشرق الإسلامي، ثم دون رحلاته في كتابه تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار. فهو صاحب أول رحلة حجازية أندلسية، وفيما بعد تبين أن ابن جبير كان مسبوقاً في تدوينه الرحلة الحجازية فأبو بكر محمد بن عبدالله بن العربي المعافري هو أول من وضع أسس الرحلات، ليس في الأندلس وحسب بل في الغرب الإسلامي.
والثابت أن رحلتي (ابن جبير) و(ابن بطوطة) لهما الكثير من الأهمية في تاريخ الرحلة العربية الأندلسية والمغربية، حيث تميزتا بأنهما انتقلا بثقل الرحلات العربية من المشرق العربي إلى المغرب العربي، كما برزتا كأكبر الرحلات في تاريخ الفكر الجغرافي وهما رحلتا ابن جبير وابن بطوطة.
فرحلة ابن جبير، تعد من أهم الرحلات في الفكر الجغرافي العربي. نظراً لدقة ملاحظاتها وقيمة معلوماتها وسعة المناطق والأقطار التي تناولتها بالوصف والتحليل فقد شملت كل أقطار شمال المغرب العربي ومصر والحجاز والعراق وبلاد الشام، وهي تمثل الفكر الجغرافي الذي كان سائداً في القرنين الخامس والسادس الهجريين.
أما رحلة ابن بطوطة، فتعد نموذجاً للرحلات العربية الجغرافية الوصفية، فقد زار مصر والحجاز وبلاد الشام وفلسطين والعراق وبلاد فارس والهند والصين ومعظم أقطار آسيا.
وإلى اليوم ما تزال هاتان الرحلتان تستقطبان اهتمام الكتاب والنقاد بما فيهما من مادة غنية تستجوب البحث والتنظير.
وتأسياً بهاتين الرحلتين أصبحت الرحلة إلى المشرق بغية طالبي قضاء الركن الخامس من الإسلام، وبغية طلاب العلم وهدفهم، لذا قام بالرحلة إلى المشرق العديد من طلبة العلم الذين أصبحوا علماء يشار إليهم بعد ذلك بالبنان.
إلا أن هاتين الرحلتين لا تسبقان في الأهمية التاريخية رحلة ابن العربي الذي سبقهما بالرحلة والتدوين.
أبو بكر بن العربي صاحب الرحلة
محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله بن أحمد بن العربي، المشهور بالقاضي أبو بكر المعافري الإشبيلي المالكي، عالم أهل الأندلس ومسندهم، ولد بإشبيلية سنة 468هـ وبها نشأ وقرأ القراءات وسمع بها من أبي عبدالله بن منظور وأبي محمد بن خزرج، ثم رحل عام 485هـ/ 1092م ولم يتجاوز سبعة عشر عاماً بصحبة أبيه إلى الشرق طلباً للعلم ولأداء فريضة الحج.
علم ابن العربي ومؤلفاته
كان أبو بكر بن العربي الإشبيلي من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها، مقدَّماً في المعارف كلها، متكلماً في أنواعها، نافذاً في جميعها، حريصاً على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة ولين الكنف، وكثرة الاحتمال وكرم النفس وحسن العهد وثبات الود.
ولابن العربي شهرة في علمه، فقد أخذ جملة من الفنون حتى أتقن الفقه والأصول وقيد الحديث واتسع في الرواية وأتقن مسائل الخلاف والكلام وتبحّر في التفسير وبرع في الأدب والشعر. صنف كتباً في الحديث والفقه والأصول والتفسير والأدب والتاريخ. وولي قضاء إشبيلية. قال عنه ابن بشكوال: هو الإمام الحافظ، ختام علماء الأندلس.
سمع ابن العربي بالحرم الشريف من الحسين بن علي الفقيه الطبري، وبالشام من الفقيه نصر المقدسي وأبي الفضل بن الفرات، وفي ببغداد سمع من أبي طلحة النعالي وطراد بن محمد الزينبي، وجعفر بن السراج، وابن الطيري وتفقه على الغزالي، وببيت المقدس من مكيِّ بن عبدالسلام الرُّمَيلي وأبي بكر الشاشي وأبو بكر الفهري الطرطوشي، وبمصر من القاضي أبي الحسن الخِلَعي، ومحمد بن عبدالله بن داود الفارسي.
من أهم وأشهر مؤلفات ابن العربي:
- ترتيب الرحلة للترغيب في الملة
وصف فيه رحلته للمشرق العربي للحج وطلب العلم، لكن هذا الكتاب لم يصلنا بشكل كامل، وما وصلنا منه هو بعض التلخيصات والاقتباسات، التي كتبها المؤلف نفسه في كتبه الأخرى، وتلخيصات واقتباسات أخرى، اقتبسها مؤرخون آخرون كالمقري في كتابه المعروف بنفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب.
- أحكام القرآن
- العواصم من القواصم
- قانون التأويل
- عارضة الأحوذي في شرح جامع أبي عيسى الترمذي
- تفسير القرآن الكريم
- كوكب الحديث والمسلسلات
- الأصناف، في الفقه
- أمهات المسائل
- نزهة الناظر
- ستر العورة
- المحصول، في الأصول
- حسم الداء في الكلام على حديث السوداء
- في الرسائل وغوامض النحويين
وابن العربي هو الذي نقل من المشرق إلى الغرب الإسلامي مجموعة من أمهات كتب الأشاعرة، عندما رحل في شبابه من الأندلس إلى المشرق لقضاء مناسك الحج ومن ثم عرج على العراق طلباً للتوسع في العلم والاحتكاك بعلماء العصر هناك، والأخذ عنهم، وهناك التقى بأبي حامد الغزالي، وروى عنه مجموعة من كتبه من أهمها إحياء علوم الدين.
يقول ابن خلدون: (إنَّ ابن العربي من أول الجالبين لكتاب إحياء علوم الدين للغزالي عند عودته من الرحلة الشرقية عام 495هـ).
ويقول ابن عربي عن لقائه بالغزالي في كتابه العواصم من القواصم: (حين لقائي له بمدينة السلام، في جمادى الآخرة سنة تسعين وأربعمئة، وقد كان راضَ نفسه بالطريقة الصوفية، من سنة ست وثمانين، إلى ذلك الوقت نحواً من خمسة أعوام، وتجرد لها، واصطحب مع العزلة، ونبذ كل فرقة، فتفرغ لي بسبب بيناه في كتاب ترتيب الرحلة، فقرأت عليه جملة من كتبه، وسمعت كتابه الذي سماه بالإحياء لعلوم الدين، فسألته سؤال المسترشد عن عقيدته، المستكشف عن طريقته، لأقف من سر تلك الرموز، التي أومأ إليها في كتبه، على موقف تام المعرفة، وطفق يجاوبني، مجاوبة الناهج لطريق التسديد للمريد، لعظيم مرتبته، وسمو منزلته، وما ثبت له في النفوس من تكرمته، فقال لي من لفظه، وكتب لي بخطه: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس، وتجرد للمعقول، انكشفت له الحقائق، وهذه أمور لا تدرك إلا بالتجربة لها عند أربابها، بالكون معهم والصحبة لهم).
ولم يقتصر ابن العربي على الأخذ عن الغزالي وحسب، بل طوف على كثير من البلدان، وتعرف على رجالات هذا الفن، وصحبهم، ودخل في طريقهم. حيث قال: (وأفنيت عظيماً من الزمان في طريقة الصوفيين، ولقيت رجالاتهم في تلك البلاد أجمعين، وما كنت أسمع بأحدهم يشار إليه بالأصابع، أو تثنى عليه الخناصر، أو تصيخ إلى ذكره الآذان، أو ترفع إلى منظرته الأحداق، إلاّ رحلت إليه قصياً، أو دخلت إليه قرياً فلم أزل كما أطلب هذا الفن (التصوف) في مظانه، في مراجعة شيوخه فيه، حتى وقفت على حقيقة مذهبه).
قراءة في الرحلة الحجازية لابن العربي
استهل ابن العربي رحلته يوم الأحد غرة ربيع الأول من سنة 485هـ/ 1092م من إشبيلية إلى ساحل البحر في المغرب العربي، ولقي في ركوبه البحر عنتاً ومشقة، فقد تحطمت سفينته بعد الإبحار من المهدية قرب الساحل التونسي وهو متوجه إلى مصر، لكنه نجا ومن معه من العطب، وحلوا ضيوفاً على قبيلة بني كعب بن سليم في شمال أفريقية، إلى أن صلحت أحوالهم واستأنفوا مسيرهم إلى مصر. يقول ابن العربي في وصف المشهد: (وقد سبق في علم الله أن يعظم علينا البحر بزوله، ويغرقنا في هوله، فخرجنا من البحر خروج الميت من القبر، وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب بن سليم، ونحن من السغب على عطب، ومن العري في أقبح زي...).
خط سير رحلة ابن العربي
توجه ابن العربي إلى المشرق برفقه والده فدخل مصر ومنها سار إلى فلسطين حيث مكث في بيت المقدس لمتابعة تحصيله العلمي، ثم انتقل منها إلى العراق، وحين اقترب موسم الحج شد رحاله إلى بلاد الحرمين الشريفين. ويستفاد من النصوص التي دونها ابن العربي عن رحلته، أنه أدرك موسم الحج متأخراً خلافاً لما كان يفعله المرتحلون القادمون من الآفاق، إذ يحرصون على القدوم إلى مكة قبل الموسم بوقت كاف، فابن العربي يخبرنا أنه وصل مكة قادماً من العراق في الثامن من ذي الحجة، وانطلق مباشرة إلى عرفة فبات بها ليلة يوم عرفة، فقال في ذلك: (وأما أنا فجئت من ذات عرق -ميقات أهل العراق- إلى الموقف ليلة عرفة نصف الليل فأصبحت بها ووقفت من الزوال يوم الجمعة، ثم دفعت بعد غروب الشمس إلى المزدلفة فبت بها).
وصف ابن العربي رحلته إلى المشرق ودونها في كتابه (ترتيب الرحلة للترغيب في الملة)، واعتني فيها بطلب العلم، فقيد أسماء من لقيهم من العلماء، وسجل ملامح الحياة العامة في البلدان التي حل بها، ونعي على أقرانه الذين سافروا للحج فلم يظفروا بطائل من علم أو معرفة بالأقاليم، فقال: (ولقد كنت بمكة مقيماً في ذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربعمئة، وكنت أشرب من زمزم كثيراً، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان حتى فتح الله لي بركته في المقدار الذي يسره لي من العلم).
كما أبدى ابن العربي سعادته بإدراك الحج في العام الذي أشار إليه، إذ جاءت وقفة عرفة في ذلك العام في يوم جمعة، فاجتمع للحجيج فضل اليومين، يوم عرفة ويوم الجمعة.
وقد سجل ابن العربي أثناء إقامته بمكة صوراً متنوعة عن موسم الحج عام 489هـ لعل أهمها إشارته إلى مبيت الحاج بعرفة ليلة عرفة، فقال: (مررت من ذات عرق، فألفيت الحاج كله بائتاً بعرفة ليلة عرفة، وهذا خلاف الهدي النبوي في ترتيب مناسك الحج، إذ ينبغي أن يكون مبيت الحاج في تلك الليلة بمنى لا عرفة، ويرجع السبب في ذلك إلى انعدام الأمن، إذ كان الحجيج يتخوفون أثناء وجودهم بمنى من غارات الأعراب عليهم).
وأشار ابن العربي إلى بعض المهن اليدوية التي يتكسب أصحابها أثناء موسم الحج في مكة كمهنة المزينين -من يحلق الشعر- حيث يتواجدون بكثرة يوم النحر وكذلك الجزارين.
وحرص ابن العربي على الوقوف بنفسه على معالم الحرم المكي واستقصاء أخبارها بشكل علمي دقيق، فقد تأمل مقام الخليل إبراهيم عليه السلام، فوصف محتواه وحدد مكانه بقوله: (وقد رأيت بمكة صندوقاً فيه حجر، عليه أثر قدم قد انمحى واخلولق، قيل لي: هذا أثر قدم إبراهيم عليه السلام، وهو موضوع بإزاء الكعبة).
ابن العربي يصف التعليم بمكة في القرن الخامس الهجري
كما أمدنا ابن العربي بمعلومات مهمة عن نظم التعليم السائدة بمكة في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، فأشاد بالوسائل التي اتبعها المعلمون في تدريب الصغار على التميز بين المفهوم والمسموع، أو بين المعلومات التي تتطلب مراناً في ملكة الحفظ، وتلك التي تستوجب دربة الفهم والاستيعاب، كما أثنى على الطريقة المتبعة في التعليم والتي تقوم على أساس التدرج في اكتساب العلوم، مبيناً أهم المواد الدراسية الشائعة وقتذاك في مكاتب الصبيان، وهي الخط والحساب والعربي (القواعد والنحو) فالقرآن الكريم. فالطالب يؤخذ أولاً بتعليم الخط والحساب والعربية، وذلك أثناء دراسته في مكاتب الصبيان، فإذا حذق هذه العلوم انتقل إلى مواصلة تعليمة في المسجد ولزم شيخاً مقرئاً للقرآن فيحفظ عنده كل يوم ربع حزب أو نصفه، أو حزباً كاملاً، حتى إذا حفظ القرآن الكريم أمكنه مغادرة الحلقة في المسجد، فإما أن يستمر في متابعة تحصيله العلمي العالي، وإما أن ينصرف إلى وجه آخر من وجوه الحياة.
ختام الرحلة
سار ابن العربي من إشبيلية إلى ساحل تونس إلى مصر ثم إلى الحجاز ثم توجه إلى القدس حيث مكث ثلاث سنوات، ثم غادر القدس إلى عسقلان عام 488هـ، ثم إلى بغداد، ثم إلى مكة عام 489هـ، ثم إلى دمشق، فبغداد، فالحجاز، فبغداد مرة أخرى، فمصر أثناء عودته إلى الأندلس.
رجع ابن العربي بعد وفاة أبيه بالإسكندرية إلى الأندلس في 495هـ وولي القضاء بها، ثم حُمل مع من حُمل إلى مدينة مراكش، ثم انصرف منها لفاس فأدركته المنية بها في ربيع الآخر سنة 543هـ.