مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

السيّاب.. ‏ارتجالية في ذكر ذوّاقة عظيم

‏‏في عام 1949 فُصل بدر شاكر السيّاب من عمله، ومُنع من التدريس بعد حملة قادتها الحكومة آنذاك للحد من انتشار الأفكار اليسارية، وكان الشاعر عضواً في الحزب الشيوعي، قبل أن يتلمّس بعد سنوات سبيله إلى توجه قومي، وهما التياران المؤثّران والمتصارعان في تلك الحقبة. عاد من بغداد التي توطّنها وقد عضّته البطالة فترك قريته (أبقيع) في أبي الخصيب التي استبدلها في أشعاره بجيكور لأسباب جمالية، كأي من استبدالاته الشعرية والفكرية الأخرى، بحثاً عن عمل في المدينة، أي عمل، وفي النهاية اضطر للقبول بوظيفة ذوّاقة في شركة التمور العراقية.
‏إشارة صغيرة في مقدمة ديوان أعماله الشعرية ربما لا تلفت انتباه سوى مهتم بإرهافات البراعم الذوقيّة.
في قِصّة الكاتب الأرمني وليم سارويان يتجوّل متذوّق قهوة مع نمر وهمي. كانت القصة التقائي الأول بمتذوّقٍ مرهفٍ وشاحب برفقة نمره الوهمي. ننظر لمتذوّقي العطور والقهوة والأطعمة وقد كستهم هالةٌ ورديّةٌ متوهّجةٌ أو شاحبةٌ صموت، هي هالة تجلّل أيضاً الأعمال الأدبية العميقة التي تمنح ذائقة ونكهة جديدتين، السيّاب بدوره أوجد ذائقةً شعرية انعطفت بالشعر العربي.
‏يحمل تذوّق الأشياء عنصر المفاجأة، بعيداً عن كون تلك الحليمات الحسّاسة تتقادم وتبلى، بإمكان ذاكرة النكهات استعادة طعمٍ ما ينبعث من ثنايا الزمن، سيفقد بعض بريقه كقصيدة شعر، غير أن طيفاً ملمّاً بنكهته الأولى يدوم وتلحقه اكتشافات مستمرّة.
‏وظيفة بسيطة لسد الرمق، الشاعر الريفي الذي ما عاد يرضى بحدوده القديمة، حياتياً وشعرياً. لكن بالإمكان أن نتخيّل الصورة، قسيمة إنتاجه قصائدَ اجتماعية وسياسية صاخبة: يظهر رجلٌ هزيل قصير طويل الوجه وهو يتجوّل بين (جراديق)(1) التمور والبساتين، في العشار -منطقة الصنكر- على ضفة شط العرب أو في أبي الخصيب حيث قريته أبقيع، امتداداً من منطقة السبيليات حتى محلة اليهودي، هو يعرف جيداً موسم (الكصاص) وذيول تشرين، استفاءة نخلة فرعاء احتل جذعها النمل، ملولاً ومتعباً كأي كادح منكود، مفكراً بملّاكي الأراضي ومكابس التمور الأثرياء، لا يدري هل يحبّهم أم يمقتهم كما تفعل أشعاره، فهو يعرف أنهم يصدّرون أجود أنواع التمور بعد جمعه وتبخيره وسلفنته. كان عمله ان يتذوّق التمر ويفصل في جودته فحسب.
‏يسير وسط أفياء دروب ترابية تخفيها باسقات الثمر وتداعبها نسمات الهواء، ربما كان برفقة موظف أو اثنين من مراقبي الجردات الموسمية، أو ربما هام وحده. لم يعد الشاعر يحمل ولهاً مطلقاً بقريته الأولى- تغنّى بالأخرى المستعارة- ولم يعد يحبّ عدّ الخراف، فبغداد المترعة بالجمال والتحدّيات والمعرفة والمجون سرقته ولما ترمه سقيماً مسكوناً بالحنين، سيكون معوزاً ومضطرّاً لارتداء قطعة ثياب واحدة أو زوج جوارب يعيد غسلهما وانتظار جفافهما وهو يضع ما يتبقّى من حبّات الحمّص المسلوق في جيبه متقوتاً في الليالي الحوالك. ينتقل في نهارات خريف يعبق نداه بشذى النخيل والخصب، محيّياً النساء (فاشقات التمر) اللواتي يطبعن التمور بلعابهن أحياناً إذ يعتمدن على حدة أسنانهن بدل السكاكين الصغيرة لتسريع وتيرة ما ينتجن وزيادة مكسبهن، مجاذباً العمال (المصفّفين) التمر، حديثاً عابراً، تحت سقائف البساتين أو في مكابس منطقة الصنكر، يلمح لمعة سكاكينهم الفرنكية وحركة أيديهم الحاذقة، وهو يمسّ النبض الكدود لشقائهم فتتدفق قصائده التحريضية الفائرة إلى جوار أشعاره الرومانسية العِذاب.
لكن بالإمكان أيضاً تخيّله في غرفة ضيّقة وراء نضد تراكمت فوقه عيّنات من التمر. لم تشيّد شركة أندروير بناية لجنة التمور إلا في مستهل خمسينات القرن الماضي عند منحنى الكورنيش، بطوابقها الثلاثة، بدلاً من ذلك بالوسع البحث عن مبنى قديم يقع قريباً من أحد الأنهار، وهو استبدال يتيح أن نتخيّل سيّاباً آخر، متذوّقاً يلوذ في غرفةٍ معتمةٍ أو مستودع، تحيطه أكداس تمور عالية تتكاثف فيها سكرة الطبيعة وتتجلّد بعد عزلها وتبخيرها، وهو يحملق إلى العطاء المفروز، فيختار تمرة من علبة ما أو خيشة أو خصّافة(2) ليتذوّقها ويسجّل ملاحظاته عنها، مميزاً التمر الجيّد عن المتحشّف والخائس، ثمة مئات الأنواع، وهناك ثلاثون مليون نخلة تطبق على روحه بسعفها الثقيل، عليه يومياً تذوّق أصناف من التمر: الديري والزهدي والخستاوي والحلاوي والبرحي والساير والخضراوي، وقراره تتوقف عليه أموال تجّار وملّاكين وعشرات المكابس والسفن المنتظرة، وهذه نظرة فيها مبالغة تناسب أشعاره عن إقطاعيين جشعين يتراؤون في قصائده الثورية، بينما تطبع لسانه الحلاوة وفي بعضها لذوعة، وسيسترق أنفه حموضة أو عطر ثمار دبقة، ستحلق مخيلته إلى القرى البعيدة في مدينته النهريّة الخفيضة التي تعتصره. صورة أقرب لرؤية أدبية، وهي أقرب أيضاً لما توحي به شخصية الشاعر المنزوي في تناقضاته وشجونه ورومانسيته.
‏ليست لحظة تاريخية محدّدة بقدر ما هي صيرورة، حيث التحق السيّاب في لحظة زمنية تائهة بطيوف المتذوّقين، مستبدلاً ذائقته الشعرية بملامسٍ حسيّة، انضم لمن يملكون أنوفاً ومستشعرات مسامية مرهفة لا تُرهق أو تختلط عليها الأنواع والصنوف بسهولة، إذ يلاحقون رائحةً أو طعماً معيناً لا يسع الناس الانتباه لنفحته المختبئة خلف تهويمات وطبقات غير مرئية من قوس قزح النكهات. حساسية تبلغ حد الإرهاف المرضي جديرة به، هو الذي طبع شعره حينها طعم بشرة نساء الليل في مواخير بغداد، لا أعلم ما الإلهام المفارق الذي دفع بأحدهم، ربما كان ملّاكاً إقطاعياً، لإدراك قيمة السيّاب الذوقيّة فألحقه بتلك الوظيفة المستغربة، لعله انتبه ببساطة لتكوّن السيّاب في منطقة يعرفها بالسليقة. فمن يبزّ قروياً مثقفاً بالتقاط أنساغ الأرض وزخمها وطرب ترفها في أشهر القصاص والتفشيق(3) والكبس التي تنطلق عارمة من شهر تموز حتى تشرين الأول، حيث يأفل العطاء فتصمت الأرض، تلمس عقبها، وتلتحف عريها، بعد أن يتفرّق آلاف التعّابة والنساء المغويات ممن سكنوا ظلال البساتين ونهارات الجراديغ، ينقل الذباب سقم التراخوما إلى جفون صغارهم ويطحنهم الدزنتري والملاريا.
تبقى لحظة هاربة لموظف صغير، شاعر هزيل البنيان، وهو يتذوّق حلّانات الدبس، والتمر الجبجاب الذي لم يطبخ بعد، وقبالته علبة تمر معدّة للتصدير تزيّنها صورة فتاة تحتضن عذقاً طرياً -ربما من تمور مارين أو الداود أو أي من الماركات الشهيرة آنذاك- توحي ملامح الفتاة بأنها مسيحية، يحتمل أنها إحدى بنات تاجر أو صاحب مكبس من تلك الأيام، تذوّق السيّاب تموره الحلوة وحلم بجمال الفتاة مصغياً كعادته لهمس النخلات العجائز اللواتي ينذرنه بالثبور.

(1) ‏الجراديق:المكابس
(2) ‏الخصّافة: سلة للتمر تغزل من خوص السعف
(3) ‏التفشيق: شقّ التمر وإخراج نواه
ذو صلة