مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الثقافة في مواجهة كورونا

بلا شك أن جائحة كورونا ستترك أثرها طويلاً، وقد تكون نقطة للتحول والتغيير في جوانب متعددة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً. مازلنا في وسط الجائحة ونحن والعالم كله يرقب بوادر التغيرات ويتنبأ بها، وربما لا يمكن الحكم عليها إلا في مرحلة ما بعد كورونا إن صحت التسمية. ولكن ما يلفت الانتباه هو اتحاد العالم كله وربما لأول مرة في مواجهة عدو متناهي الصغر ولا يرى، وإن كان هذا الاتحاد والتشابه يبدو جلياً في الإجراءات الصحية إلا أن هناك جانباً ثقافياً من التشابه بين الشعوب ظهر خلال هذه الأزمة.
لطالما ترددت جملة (الشرق شرق والغرب غرب.. ولن يلتقيا) والمنسوبة للشاعر الإنجليزي (روديارد كبلنغ)، مؤكدة الفوارق الثقافية بين الشرق والغرب، ولكن حينما نتأمل التشابه الإنساني والانعكاسات الثقافية في هذه الجائحة نجد تقارباً ثقافياً في تعامل الشعوب وتفاعلها مع جائحة كورونا.
 التفاعل الثقافي في دول كبريطانيا وألمانيا وفرنسا والسعودية بدا متقارباً، فيبدو لمن يقرأ في الصفحات الثقافية باللغة الإنجليزية والألمانية والفرنسية والعربية أنها بدت متشابهة في محتواها، وفي المواضيع التي تطرحها خلال هذه الجائحة. فلقد سعى المثقفون لإحياء هذا الوقت باللقاءات الشعرية، والقراءات السينمائية، والندوات الثقافية باستخدام طرق التواصل عن بعد، وكتبت الكثير من المقالات عن هل ما نمر به الآن هو عزلة أم لا؟ حتى بدت كأنها تقاطعات مترجمة لبعضها البعض.
الكاتب والفنان الفرنسي (إيمانويل ديمارسي-موتا) أطلق مبادرة شعرية أسماها (عند كلمتنا)، وقال: بينما يعيش نصف سكان عالمنا في حالة حجر صحي، نبحث عن عالم مشترك يولد من رغبتنا الجماعية في نشر قوة الفن والشعر، حتى نكون عند كلمتنا. ففي الأصل أسس إيمانويل ديمارسي مع مجموعة من الفنانين فكرة إلقاء القصائد على الآخرين في المكتبات أو المقاهي أو المستشفيات، وحتى تستمر هذه المبادرة في وقت كورونا، غير اسمها إلى (عند كلمتنا) في رمزية لاستمراريتها رغم الظروف، واستمرت عن طريق الهاتف لمن يرغب في محاولة لكسر الانعزال الاجتماعي الذي يعيشه العالم عن طريق الثقافة والفن.
الكاتبة الألمانية دوريس دوري ذكرت في مقال لها أن الفردانية التي يعتز بها الفرد الألماني ويعتني بحدودها من الأفضل أن تخفف كثيراً، ولا تُرى بذلك الإجلال، ففي الجائحة والانعزال الإجباري انكشف بوضوح حاجة الإنسان للآخر، فمشاهدة فيلم في سينما والآخرون يتفاعلون معه سيختلف عما تراه في شاشتك الصغيرة وحيداً.
وفي إحدى مقاومات الانعزال الثقافي الذي تسببت به كورونا انطلقت عدة مقاطع فيديو من دول مختلفة في العالم لعزف الموسيقى بشكل جماعي عن طريق برامج التواصل عن بعد، أو رقص الباليه أو الغناء. كما ظهرت حالة من النستولوجيا لإحياء ماهو قديم والاستمتاع به بشكل مليء بالألفة والحنين، مثل العودة للألعاب القديمة كالكيرم في السعودية، أو حناء الشعر واليدين والتي انتشرت في منطقة الخليج خلال هذه الفترة، كما ظهرت دعوات في أوروبا للعودة إلى القلم والورقة في كتابة الرسائل والمذكرات، وتبادل الخبز بين الجيران. وإن بدا أن هناك بعض الاختلاف في كل أشكال مقاومة الانعزال الثقافي في العالم، إلا أنه يقع في النهاية تحت مظلة واحدة، مظلة يتجلى فيها التقارب الثقافي أكثر من أي وقتٍ آخر، كما يتبين بشكل جلي ارتباط الحياة بالأدب والفن والثقافة، حتى يجعلنا نتساءل من يحيي الآخر؟
ذو صلة