من أين نستمد معلوماتنا عن النحو؟
قد يبدو السؤال غريباً كل الغرابة، فكثيرون ينصحوننا أن نتعلمه من أمهات كتب النحو القديمة المتجددة، وأن ننهل منها ونبوبها في أذهاننا تبويباً مناسباً، وأن نحفظ من قواعدها ما نقدر عليه، وإن استطعنا أن نحفظها كلها فلا بأس..
وهذا يعني أن تعلّم النحو يحتاج إلى سنين كثيرة، وأن نؤجل كل فعل لتثقيف أنفسنا حتى (تنضج) معلوماتنا النحوية، وعندها سنجد أنفسنا قد أضعنا كثيراً من أعمارنا، دون جدوى تذكر.
لهؤلاء نقول: النحو وسيلة لا غاية، وأنتم بنصائحكم هذه تحولونه إلى غاية، وبالتالي عندما يسمع أحدنا عبارة فيها خلل نحوي يتجه ذهنه إلى التصويب اللغوي، لا إلى اكتساب القيمة المعرفية مما يسمع.
النحو يؤخذ من تطبيقه في النصوص السليمة، ولعل أهمها القراءة الدائمة والواعية للقرآن الكريم، فقراءة هذا الكتاب العظيم تعني أن نتأمل ونحن نقرأ، لكي نتدبر المعاني، ونقوّم سلوكنا، لأننا قد فهمنا ما قد قرأنا.
وكذلك تكون قراءتنا لكتب الحديث النبوي الشريف، وهي أيضاً مضبوطة ضبطاً شاملاً، ومدققة.
النحو، ببساطة، يؤخذ من كثرة المطالعة للنصوص المضبوطة السليمة التي اشتغل عليها مثقفون ومتخصصون، فحاولوا -جاهدين- تخليصها من الأغلاط، وحاولوا أيضاً ضبط أواخر الحروف في الكلمات.
وهذه النصوص تجدون بعضها في مجلات متقنة، والتي اشتغل على ضبطها وتصويبها أكثر من متخصص، بالإضافة إلى الكاتب أو المبدع الذي قدم نصه.
ثم تأتي القراءة الواعية لما بين أيدينا من نصوص، وحبذا لو كان بعض قراءتنا جهرياً، بما لا يقل عن عشر دقائق يومياً من القراءة الجهرية. ولا بأس أن تبقى بقية قراءاتنا صامتة.
وعلى هذا، فإننا نكون قد اكتسبنا (النحو التطبيقي) بشكل غير مباشر، ودون أن نرهق أدمغتنا بقواعد النحو المتشابكة والمعقدة في بعض الكتب لا في حقيقتها التي اشتغل عليها أكثر علماء النحو.. وفي الوقت ذاته نكون قد استفدنا من وقتنا في التعرف على معلومة جديدة، أو استمتعنا بقراءة نص أدبي شائق.
ثم تأتينا مسألة فهم المصطلح النحوي، فقد اجتهد علماء النحو الأوائل على قضية أن يكون المصطلح دالاً دلالة تامة على الدور الذي يقوم به هذا المصطلح، فمصطلح (الحال) يدل على حالة مؤقتة متغيرة، وكذلك مصطلح (نعت) يدل على صفة ثابتة في الاسم الذي ننعته، وكذلك الأمر بالنسبة (للتمييز)، و(البدل)، وغيرها من المصطلحات التي تعج بها كتب النحو.
ونضيف إلى هذا سلامة الحالة الإعرابية في حركة الحرف الآخر في الكلمة التي تنتظم في جملة مفيدة، وهذه الحالة تخدم فهمنا للجملة وللنص الذي تكون فيه. كل هذا يتم بإعمال العقل وحده، لا التوقع، كما هو حال تعليم النحو في أغلب مدارسنا في بلداننا العربية.
لا بأس من قراءة بعض كتب النحو المبسطة السهلة بين حين وآخر، وأن نبحث عن جواب لسؤال يعترضنا، أو أن نتحاور في موضوع نحوي، ولكن كل هذا ونحن ننتبه إلى ألا نحول النحو من وسيلة إلى غاية.
وصفوة القول: النحو وسيلة من وسائل تمكيننا في اللغة العربية، وهذا أمر مشروع، ولا غبار عليه، ولكن أن نجعل من النحو وتعقيداته سبباً لابتعادنا عن المطالعة بالعربية، فهذا أمر غير مقبول، ولا أبالغ إن قلت: إن الجمال الذي تختزنه النصوص العربية على مدى التاريخ، وإلى الحاضر، يغري القارئ العادي بالقراءة إن هو ابتعد عن جعل النحو غاية في حد ذاته، واكتفى منه بأن يكون وسيلة وحسب.