مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

الأعمال المسرحية الأولى في الجزيرة العربية والخليج

عندما كنت طالباً يافعاً كان للمسرح المدرسي حضوره الكثيف في مدارسنا، وكنت أشارك فيه بحماس وتفاعل في المرحلتين المتوسطة والثانوية، وأذكر ولا أنسى أن المباني المدرسية الحكومية كانت تحوي قاعة مسرح مجهزة بالكامل، وبعد أن تركت السنين خلفي وأصبحت معلماً شهدت نفوق المسرح المدرسي، والآن بدأت أقتنع بأن ما عشته في سنوات مضت كان النهاية وليست البداية للمسرح المدرسي الذي أعلن موته منذ عقود للأسف. وهنا يحق لنا العودة للبدايات المبكرة جداً للمسرح المدرسي وسبر تاريخها وتوثيقها.
كانت نشأة المسرح مرتبطة بشكل وثيق بالنشاط الطلابي المدرسي، فالمسرح السعودي والخليجي ولد في حضن المدرسة، ثم امتد كلون فني مستقل، وإن ظل المسرح المدرسي أحد فروعه وأنواعه، بل هو أحد أهم الروافد التي تمد المسرح الوطني بالكوادر والطاقات الفنية الجديدة والتي تبدأ بالمدرسة وتكتشف على خشبة مسرحها، ولو تتبعت سيرة عمالقة المسرح ستجد في سيرة أحدهم أن طفولته المسرحية ولدت على خشبة مسرح مدرسته. وبالمحصلة فقد أصبح من الثابت أن لا وجود للمسرح خارج المدرسة في فجر تاريخه في جزيرة العرب.
على أن جذور تاريخ المسرح السعودي تمتد تاريخياً في مناطق لم تكن قد دخلت بعد في نطاق حكم الملك عبدالعزيز، ونقصد تحديداً الحجاز، التي نشأ فيها المسرح المدرسي -الذي سنجلي لاحقاً نماذج من بواكيره. فقد كانت هذه المنطقة خارجة عن الحكم السعودي، الذي كان يسمى آنذاك سلطنة نجد وملحقاتها، إلى أوائل العقد الخامس من القرن الثالث عشر الهجري. ولذا جاء عنوان المقال (بواكير المسرح في الجزيرة العربية والخليج)، لأن ما سنعرضه من نماذج مبكرة جداً جرت في حقبة زمنية وتاريخية كان الحجاز فيها خارج الولاية السعودية وتحت ولاية عثمانية وشريفية مزدوجة.
وسنستعرض في هذه المقالة نموذجين لمسرحيتين عرضتا في الحجاز، ومن يمن الطالع أن يكون النموذجان موزعين بالعدل بين أقدس بلاد الله: المدينة المنورة ثم مكة المكرمة.
المسرحية الأولى في المدينة عام 1328هـ 1910م بعنوان (فتاة الدستور)
عثر الباحث سيد علي إسماعيل من مصر بعد جهد مشكور على خبر صحفي نادر يفيد بإقامة مسرحية في المدينة عام 1328هـ الموافق 1910م، وهذا الخبر منشور في صحيفة المؤيد المصرية في العدد (19) بتاريخ 23 ربيع الثاني 1328هـ الموافق 19 مايو 1910م، وهذا نصه:
المدينة المنورة في 1 جمادى الأولى سنة (1328هـ) لمراسلنا الفاضل
التمثيل في المدينة المنورة لأول مرة
أراد فرع جمعية الاتحاد والترقي عندنا إحياء ليلة خيرية في منتداه، وأن يخصص ريعها لمدرسة الاتحاد الصناعي، فاختاروا رواية تمثل حال الدولة على عهد الاستبداد وطرز الحكومة في ذلك الوقت، ثم كيف أعلن الدستور في السلطنة العثمانية، وقد قسموا الدخول إلى ثلاث درجات الدرجة الأولى بجنيه والدرجتين التاليتين بأقل. وقد أجاد الممثلون في إلقاء أدوارهم وإن كانوا لم يسبق لهم معاناة هذا الفن من قبل. وكان في مقدمة المجيدين حضرة طاهر بك رئيس جمعية الاتحاد والترقي والمدرسة الصناعية، الذي سحر الحضور بأمر لم يسبق لأكثرهم مشاهدته من قبل. وكان الناس والأعيان كثيري العدد، يتقدمهم سعادة المحافظ الذي كان السبب لهذا العمل. وبعد ثلاث ساعات ارفضّ الجمع مسرورين شاكرين. وقد كان للمدرسة من هذه الرواية ستون جنيها، جزى الله أهل الخير خير الجزاء (انتهى الخبر).
من خلال الخبر السابق عرفنا أقدمية هذا العرض المسرحي وأنه غير مسبوق البتة، ويتضح هذا بجلاء من عبارات المراسل كقوله عن الممثلين: (وإن كانوا لم يسبق لهم معاناة هذا الفن من قبل)، مما يوحي أن التمثيل تجربة جديدة وغير مسبوقة، وقوله كذلك بعبارة صريحة وواضحة الدلالة: (الذي سحر الحضور بأمر لم يسبق لأكثرهم مشاهدته من قبل). ومن خلال الخبر كذلك عرفنا الجهة التي أقامت تلك المسرحية والغرض من إقامتها، حيث أقامها فرع حزب الاتحاد والترقي بالمدينة النبوية، وهو الحزب الحاكم في الدولة العثمانية، والغرض هو تلميع حكمهم أو ما سمي بعهد الدستور بعد خلع السلطان عبدالحميد، حيث ذكر الخبر الجملة التالية: (فاختاروا رواية تمثل حال الدولة على عهد الاستبداد وطرز الحكومة في ذلك الوقت، ثم كيف أعلن الدستور في السلطنة العثمانية). وهناك هدف آخر لإقامة هذا العرض المسرحي وهو جمع الأموال لصالح مدرسة الصنائع التي لا نستبعد مشاركة طلابها في التمثيل، وإن كان مكان عرض المسرحية في مقر فرع الحزب وليس في مدرسة الصنائع، وكان العرض كما في الخبر(جماهيري) على شرف المحافظ التركي للمدينة والأعيان، ويفيد الخبر أيضاً أن العرض المسرحي استغرق ثلاث ساعات وهي فترة طويلة وملفتة للنظر، إلا إن كان قد صاحب عرض المسرحية كلمات وخطب قبلها وبعدها، وهو أمر لم يتضح في الخبر.
 لكن الأمر المهم الذي أغفله الخبر هو اسم المسرحية وعنوان روايتها المختارة، غير أن الأستاذ سيد علي إسماعيل بذل جهده في البحث عن الرواية التي تم اختيارها للتمثيل فلجأ إلى التخمين والتحليل المنطقي، ووصل في نهاية المطاف إلى أنه ربما تكون الرواية التي مثلت هي رواية (فتاة الدستور) المطبوعة في مصر عام 1908م، والتي مثلت هناك عدة مرات، والمعيار الأهم الذي يرجح أن رواية (فتاة الدستور) هي النص المختار هو أن موضوع الرواية يطابق تماماً موضوع المسرحية ويحقق الغرض السياسي من عرضها الذي صرح به خبر جريدة المؤيد.
المسرحية الثانية في مكة عام 1334هـ/  1916م.. بعنوان (الحق والعدل)
قَدِمَ الشيخ محمد كامل القصاب (1290هـ - 1373هـ) إلى الحجاز أثناء الحرب العالمية الأولى، بعد أن اشتدت وطأة حكومة الاتحاديين الأتراك على الوطنيين الأحرار في الشام وعلى رأسهم الشيخ القصاب، ففر إلى الحجاز بعد أن أعلن الشريف حسين ثورته الشهيرة على الترك صباح يوم 9 شعبان 1334هـ  الموافق 10 يونيو 1916م. والشيخ القصاب من رجال العلم والتعليم في سوريا، وكان قد أسس مدرسته الكاملية في دمشق، وأقام فيها عدة عروض مسرحية طلابية. وعند وصوله إلى مكة المكرمة استقبله الشريف حسين بن علي استقبالاً حسناً في البداية، وعينه مسؤولاً عن التعليم في الحجاز، وأذن له بفتح مدرسة خاصة مستفيداً من خبرته التربوية السابقة، وقد أدار الشيخ القصاب المدرسة بجدارة، مع التركيز على النشاط الطلابي كما كان يفعل في مدرسته الكاملية في دمشق.
وسننقل هنا ما رواه لنا المؤرخ أمين سعيد نقلاً عن الشيخ القصاب الذي حدثه عن المسرحية التي عرضها في مدرسته المكية بحضور الشريف حسين، فكان مما قاله أنه أعد في مدرسته حفلاً طلابياً دعا إليه الشريف حسين ليطلعه على تقدم الدراسة وأنشطة الطلاب، وكان من ضمن الحفل مسرحية يقوم بأدائها الطلاب، وأثناء العرض غضب الشريف مما يعرض أمامه وأمر بقطع التمثيل وإغلاق المدرسة، وخرج قبل نهاية الحفل وهو يتكلم بسوء في وجه الشيخ القصاب. (انتهت رواية أمين سعيد).
وهي كما ترى رواية مقتضبة جداً، بل وناقصة، ويهمنا أن نعرف أمرين حولها: الأول: ما عنوان هذه المسرحية، وما موضوعها؟ والأمر الثاني: ما الذي أغضب الشريف منها؟ وفي نظري أن غضب الشريف أمر يثير الباحث لمعرفة كنهه، وهو في نفس الوقت سيوصلنا لمعرفة موضوع المسرحية التي أغضبت الشريف وجعلته يثور في وجه الشيخ القصاب.
وبما أن المؤرخ أمين سعيد لم يبين لنا هذه التفاصيل، أو أن القصاب هو الذي لم يبسط له القول في هذه الحادثة؛ فقد بحثت كثيراً عن رواية أخرى تعضد هذه الرواية التي بين أيدينا وتفسر الغامض والمسكوت عنه، ولكن دون جدوى، ولذا لجأت إلى الأسلوب التحليلي، معتمداً على قرائن لعلها تغطي النقص في رواية أمين سعيد، وتكشف لنا ما هو الموضوع الذي عالجته تلك المسرحية، وما الذي فيها وأغضب الشريف حسين؟
بالعودة لحياة الشيخ القصاب في سوريا تحدثنا المصادر عن سيرته التربوية أنه أسس في دمشق مدرسة أسماها المدرسة الكاملية عام 1323هـ / 1906م. وفي عهد الاتحاديين ساهمت في مقاومة سياسية التتريك البغيضة على العرب، وبالتالي كان من مناهجها وأنشطتها تعزيز القومية العربية ولغتها في وجدان الناشئة وألسنتهم، وكان من تلك الفعاليات تعويد الطلاب على الإلقاء والنشيد بالأبيات الوطنية العروبية، واستلهام أمجاد التاريخ العربي، إلى جانب محاربة الظلم والقهر الذي مارسه الأتراك ضد العرب في أواخر عهدهم. ومن هنا فقد عرضت مسرحيتان في المدرسة الكاملية: الأولى بعنوان (طارق بن زياد وفتح الأندلس) وترجم نصها عن التركية عارف الشهابي، ومثلت في المدرسة، وكانت حدثاً هزَّ البلد في العهد التركي. والمسرحية الثانية بعنوان (الحق والباطل)، ويبدو أن موضوعها سياسي لأنها أغضبت الوالي التركي لدمشق عارف المارديني، وكان عرضها على شرفه، وغادر قبل نهاية الحفل لأنه استاء مما فيها من عيب للحكام وإثارة للمحكومين (كما يرى)، ورفع تقرير ضد الشيخ القصاب صاحب المدرسة لنظارة المعارف العثمانية لمحاسبته، ولكن نشوب الحرب العالمية الأولى جعلهم في شغل عنه.
وهنا يمكن توقع أن المسرحية التي أغضبت الشريف حسين هي نفسها المسرحية التي أغضبت الوالي التركي بسبب موضوعها السياسي الحساس، والعجيب أن ردة فعلهما واحدة، ولعل هذا من القرائن التي تجعلنا نميل بقوة إلى أن المسرحية التي مثلت أمام الشريف هي نفسها مسرحية (الحق والباطل)، وأن الشيخ القصاب أعاد إخراجها في مكة بعد عرضها الأول في دمشق. وغضب الوالي والشريف يدلان على أن المسرحية تناولت مسائل حساسة في الحكم، استبطنها الشيخ القصاب في مسرحيته فتسببت في ذلك الغضب العارم الذي دفع إلى التفكير الجدي للنيل من حياة الشيخ القصاب بسوء كما كان كل من الوالي التركي في دمشق والشريف في مكة يدبرانه وحال القدر دون تمامه هنا وهناك.
ولعل الشيخ القصاب تفاجأ بموقف الشريف الثائر، فهو عرض مسرحيته التي كان ينتقد فيها سياسة التتريك الظالمة للعرب، وكان يتوقع إعجاب الشريف بها لأنها تتماهى مع سياسة ثورته وأهدافها، ولكن المسرحية وقعت في نفس الشريف موقعاً سيئاً لم يتحسب له الشيخ القصاب.
والخلاصة: أنه وفقاً للمصادر المتاحة حتى الآن، فإن مسرحية مدرسة الصنائع في المدينة المنورة عام 1328هـ / 1910م هي أول مسرحية تعرض في الجزيرة العربية والخليج، أما ثاني مسرحية تم عرضها فهي المسرحية الطلابية التي عرضت في مدرسة الشيخ القصاب في مكة المكرمة عام 1334هـ /1916م أمام الشريف حسين.
وتتمة للفائدة لا بأس أن نذكر على عجالة المسرحيات التي تم عرضها في فترة مبكرة في الجزيرة العربية والخليج العربي بعد التجربة الحجازية، وذلك حسب تواريخها الزمنية:
ففي الكويت قدمت المدرسة الأحمدية (افتتحت عام 1340هـ) عام 1342هـ/ 1924م مسرحية حوارية بعنوان (محاورة إصلاحية) بقلم المؤرخ والأديب الشيخ عبدالعزيز الرشيد، في حفل بهيج. وهي تتحدث عن إصلاح التعليم في الكويت عبر حوار بين عدة طلبة من المدرسة الأحمدية يتضح منه الفرق بين مناهج التعليم القديمة والأفكار السائدة وبين المنهاج الجديد الذي تمثله المدرسة الأحمدية. ثم أعيد تمثيلها مرة أخرى بعد عامين في ديوانية خلف النقيب.
أما البحرين فقد قدمت مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق (افتتحت عام 1338هـ) أول عرض مسرحي في عام 1343هـ / 1925م بعنوان (القاضي بأمر الله)، وفي العام 1345هـ / 1927م قدمت مسرحية أخرى في نفس المدرسة بعنوان (وفود العرب على كسرى).
أما منطقة نجد في المملكة العربية السعودية فقد شهدت أول عرض مسرحي في مدينة عنيزة عام 1348هـ / 1930م والتي قدمها طلاب المدرسة الأهلية (افتتحت عام 1348هـ) ومؤسسها هو الأستاذ صالح بن ناصر الصالح، حيث قدموا أول عمل مسرحي في شعبان عام 1348هـ / 1930م، وكانت المسرحية التي مثلها الطلاب على الأرجح هي مسرحية (وفود العرب على كسرى) التي سبق عرضها في مدرسة الهداية في البحرين، وذلك لأن الأستاذ صالح صاحب المدرسة كان وقت عرضها في البحرين عام 1345هـ مدرساً في مدرسة الهداية الخليفية، فاقتبسها وأعاد إخراجها في مدرسته بعنيزة. وقد تكرر عرض هذه المسرحية لاحقاً، وكان أحد العروض أمام الملك عبدالعزيز في إحدى زياراته لعنيزة.
ذو صلة