مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

عودة السحر إلى العالم

لا يمكن قراءة مسلسل (The OA) بدون إدراك أنه جزء من مشروع (بريت مارلينج)، وهو الأمر الذي يبدو غريباً للوهلة الأولى، حيث إن المشاريع الفنية الكبيرة ارتبطت دوماً بالمخرجين، وفي أحيان نادرة بقلة محدودة من المؤلفين اللامعين، ولكن بريت معروفة في المقام الأول كممثلة، وفي المقام الثاني كمشاركة في التأليف والإنتاج، ولكن مع العودة قليلاً إلى الوراء يمكن أن يتضح الأمر أكثر. بريت مارلينج هي ابنة لوالدين يعملان في مجال العقارات، تخرجت من جامعة جورج تاون وحصلت على بكالوريوس في الاقتصاد، حياة نموذجية لفتاة جاءت إلى الحياة لتعمل في مجال الأعمال، ولكنها قررت أن تتبع شغفها وتسافر إلى لوس أنجلوس، وهناك درست صناعة الأفلام بشكل عملي لمدة عامين، وفي تلك الفترة تبلورت في ذهنها فكرة المشروع الذي تريد أن تعمل عليه، فبعد أن وجدت أن أغلب الأدوار التي يتم ترشيحها لها هي أدوار نمطية لفتاة شقراء في أفلام سطحية، قررت أن تصنع هي الأدوار والأفلام التي تريد أن تظهر بها، وكانت تلك هي نقطة البداية.
بريت مارلينج لديها شغف واضح بالعلوم والمعرفة والفكر، وقد صرحت أنها ترى في صنفي الخيال العلمي والفانتازيا ما يجعلها تشعر أنها على قيد الحياة، تلك التركيبة الفنية بما فيها من مزيج متنوع من الروافد المعرفية، جعلتها تبدأ في كتابة سيناريوهين في وقت واحد بمشاركة اثنين من المخرجين اللذين سيكونان شريكيها في مشروعها الفني، الأول هو (زال باتمنجلي) والثاني (مايك كيهيل)، وكلا الفيلمين خرجا إلى النور في عام 2011، وهما (Sound of My Voice) و(Another Earth)، وكلاهما عرض في مهرجان صاندانس السينمائي وهناك حصل الفيلم الأخير على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
Sound of My Voice كان التعاون الثاني بين بريت وزال بعد فيلمها القصير الأول عام 2007 (The Recordist) والذي يدور أيضاً في عالم الخيال العلمي، ثم عادا للعمل بميزانية 135 ألف دولار تمكنا من صناعة فيلم Sound of My Voice الذي يدور حول فتاة غريبة تدعي بأنها قادمة من المستقبل ولديها عدد من الأتباع المخلصين الذين يشكلون معاً ما يشبه الطائفة السرية، وفي وسط هؤلاء يندس زوجين يعملان في إخراج الأفلام الوثائقية ويريدان أن يفضحا تلك الفتاة كي يحقق فيلمها نجاحاً معقولاً ينتشلهما من حالة التخبط في حياتهما العملية والعاطفية، ولكن يظهر عامل يغير من مسار الأحداث وهي شرطية تؤكد أن تلك الفتاة محتالة ومطلوبة في عدة قضايا وتريد الإيقاع بها بمساعدة الزوجة، ولكن زوجها مع توالي الأحداث يجد نفسه وقد قبل ادعاء الفتاة ويريد تصديقه، وفي نهاية الفيلم تحدث مفاجأة كبيرة تؤكد ادعاء الفتاة بأنها قادمة من المستقبل لكن دون دليل علمي يمكن التحقق منه، حقق الفيلم 408 آلاف دولار أي أنه نجح على مقياس أنه فيلم مستقل.
الفيلم الثاني Another Earth ذو الميزانية التي لم تتخطَّ الـ100 ألف دولار حقق أرباحاً تقترب من المليوني دولار وشهرة واسعة إلى حد كبير على مقياس أنه أيضاً فيلم مستقل، هذا الفيلم يدور حول ظهور غريب ومفاجئ لكوكب مطابق تماماً لكوكب الأرض من حيث الشكل والحجم وقابلية الحياة، وتستطيع رؤيته مجاوراً للقمر، ومع محاولة التواصل مع ذلك الكوكب عبر موجات الراديو، تظهر مفاجأة كبرى، وهو أنه ليس مجرد كوكب عشوائي صالح للحياة، ولكنه مطابق تماماً كمرآة لكوكب الأرض بذات التاريخ والشخوص بشكل متزامن، ولكن ذلك التزامن قد انكسر لحظة تمكننا من رؤيته، أي أفراده أصبحوا يملكون مسار حياة يختلف عنا، ومن هنا ينشأ السؤال الافتراضي، هل تحب في هذه الحالة أن تقابل نفسك وأن تتعرف عليها، وهنا تظهر جمالية تعدد المستويات والمعاني في مشروع بريت، فالسؤال في مستواه المباشر يتحدث عن مثيلك في كوكب الأرض 2، ولكن في عمقه يتحدث عن كينونتك الحقيقية التي تأثرت لا شك بالعوامل التربوية والاجتماعية والحياتية التي عايشتها طوال حياتك، فهل تود معرفة ذاتك النقية الخالية من كل ذلك، ينتهي هذا الفيلم أيضاً بمفاجأة كبيرة.
عام 2013 عاد كل من بريت وزال للعمل سوياً بميزانية أكبر تصل إلى 6.5 مليون دولار ولكن بأرباح محبطة للغاية لا تتجاوز 2.4 مليون دولار، وذلك في فيلم (The East) الذي لا ينتمي إلى الخيال العلمي ولكنه يحمل فكرة لامعة، تدور الأحداث حول طائفة سرية تقوم بالانتقام من الشركات العملاقة التي تقوم بإيذاء البشر وتسميم البيئة.. إلخ، وذلك عن طريق إيذاء مالكي تلك الشركات بنفس الطريقة، بينما بريت تقوم بدور جاسوسة حكومية تحاول أن تدمر تلك الطائفة من الداخل، ولكن كما في فيلم Sound of My Voice تجد نفسها قد تورطت عاطفياً وفكرياً مع زعيم المجموعة، مما يغير مجرى الأحداث.
وفي العام التالي جمع فيلم (I Origins) بريت بمايك بميزانية مليون دولار ولكن بعوائد لا تتجاوز نصف هذا المبلغ، هذا الفيلم هو أعذب الأفلام الأربعة رغم أن بريت لم تشارك في كتابته أو إنتاجه واكتفت بالتمثيل في دور ثان بالفيلم، ولكن لا يخفى على العين كثير من العناصر التي ساهمت بريت في صياغتها في المشروع، الفيلم يحكي عن عالم أحياء مهووس بالأعين ويقوم بتصوير حدقات العين منذ طفولته، وعندما يتخرج من الكلية يقرر أن يعمل في ذلك التخصص الدقيق على نطاق الكائنات الحية، إلى أن يكتشف معجزة علمية تتمثل في وجود شخصيتين يمتلكان نفس حدقة العين، لكن إحداهما في الهند فيسافر إلى هناك بحثاً عن صاحبة الحدقة المماثلة لحدقة زوجته الأولى، الفيلم يدور في قالب رومانسي يجعل من الخيال العلمي متعة في مشاهدته وينتهي نهاية صاعقة تجعل ذلك العالم في حيرة من أمره بين الأرقام والمعطيات العلمية الجافة وبين التجربة الروحانية التي مر بها والتي لا يستطيع أن يقيسها بمقاييسه العلمية الواضحة ولكن لا يستطيع أن ينكرها أيضاً كما لو كانت لم تحدث.
بعد فشل الفيلمين الأخيرين بالمقاييس التجارية أصبح من الصعب جداً أن تعود بريت بفيلم جديد، ولذلك اتجهت مع زال إلى شبكة نتفلكس لتقدم معه العمل الأكبر والأهم في المشروع وهو مسلسل The OA، المسلسل يحمل كافة خصائص ولمسات الأفلام الأربعة السابق ذكرها، (قالب الخيال العلمي -الطائفة السرية- النهاية الصاعقة المربكة- عالم يسعى لإنجاز علمي غير مسبوق -تعدد مستويات التلقي والتأويل لذات القصة- الفتاة الغريبة التي لديها حكاية لا تصدق) وغيرها الكثير من التفاصيل التي يسهل ملاحظتها عند مشاهدة الأفلام.
في القرون الثلاثة الأخيرة من عمر البشرية، أصبح العلم المصدر الرئيس للمعرفة الإنسانية، بعدما نال المنهج العلمي الثقة في أنه قادر على إصلاح نفسه بنفسه، وأنه يعمل بالفعل ويحقق النتائج، وأصبح يُنظر إلى مصادر المعرفة الأخرى بكثير من التعالي وقلة التقدير، نتج عن ذلك أيضاً أن الحياة فقدت الكثير من سحرها، فأصبح كل شيء غامضاً وغير مفهوم له أسبابه العلمية، مشروع بريت مارلينج وبالذات مسلسل The OA يبحث في ذلك البرزخ السحري الذي يقف العلم عند عتبته ولا يستطيع أن يتخطاه وأن يقدم له تفسيراً ما، مثل تجربة الاقتراب من الموت التي شهدها العديد من الأشخاص حول العالم ولم يجد العلم طريقة مؤكدة حتى الآن لتفسيرها، حدود العلم وقفت عند محاولة منطقة كل ذلك بوجود خلل في النواقل العصبية وقلة الأوكسجين التي تسبب الهلوسة، ولكن كيف يمكن أن تكون الهلوسة متشابهة إلى هذا الحد بين أناس من ثقافات مختلفة وأزمنة متباينة.
هذا السؤال هو ما يبحث عنه (الدكتور هاب) طبيب التخدير الذي يحتجز لديه عدد من الأشخاص الذين مروا بتجربة الاقتراب من الموت محاولاً أن يعرف ما الذي يحدث على وجه الدقة في تلك اللحظات، وهل يمكن الوصول إلى معرفة ذلك العالم الآخر الذي تذهب إليه الأرواح، ولكن لأن تجربة كهذه لا نعرف متى يمكن أن تحدث ولأي أشخاص يمكن أن يمروا بها، يقرر دكتور هاب أن يقتل هؤلاء الأشخاص الذين يحتجزهم مرة تلو الأخرى ثم يقوم بإنعاشهم في اللحظة الأخيرة، وهي واحدة من أكثر لحظات المسلسل رعباً على الإطلاق عندما يتم الكشف عنها بعد غموض عدة حلقات، يبرر دكتور هاب أفعاله بأن بحثه لا يختلف كثيراً عن أبحاث كوبرنيكوس الذي اكتشف عدم مركزية الأرض في النظام الشمسي، ولكن هل كان ليحقق ذلك الاكتشاف لو أنه يضطر لعمل تجاربه على البشر، يدين المسلسل لا أخلاقية دكتور هاب ويقدمه كوحش كاسر لا يطرف له جفن، وتتمرد عليه بطلة المسلسل المحتجزة لديه OA وهو اسم لا يعني اختصاراً لشيء ما، ولكنه نغمة صوتية تشبه كلمة Away، وأثناء ذلك التمرد يقودها الاكتشاف إلى موضوع آخر تماماً عجز العلم أيضاً عن إثباته وهو الأكوان المتعددة!
الأكوان المتعددة هي فرضية علمية تأتي من خلفية نظرية الأوتار وميكانيكا الكم والعديد من النظريات الفيزيائية المثبتة علمياً، غير أن الأكوان المتعددة يصعب إثبات صحتها بما يتوفر لدينا الآن من أدوات ومعرفة علمية، مما دفع إلى انقسام المجتمع العلمي إلى نصف يراها قابلة للإثبات يوماً ما والنصف الآخر يراها مجرد فكرة فلسفية لا يمكن أن تخضع للمنهج العلمي، بريت مارلينج تدرك أن تلك الفرضية هي أكثر الفرضيات سحراً في العالم الحديث، ولذلك تقرر أن تفرد لها مساحة كبيرة مع نهايات الموسم الأول والموسم الثاني كاملاً.
OA تجد طريقة للدخول إلى تلك الأكوان المتعددة أثناء مرورها بتجربة الاقتراب من الموت التي عرّضها لها دكتور هاب، متمثلة في أداء خمسة حركات عند تأديتها بشكل متزامن من خمسة أشخاص تنقلهم إلى بعد آخر داخل نفس المكان والزمان ولكن في بعد موازٍ، وفي المستوى الإنساني من تلك الفرضية يطرح المسلسل تساؤلاً حول الأحداث التي نمر عليها في عمرنا وكيف يمكن أن تغير من شكل حياتنا 180 درجة، وهل عند ذلك التغيير الكبير نظل نحن نفس الأشخاص؟ وإن كنا نتغير بكل هذا الشكل الشاسع فمن نحن حقاً، OA تحولت من فتاة أمريكية متبناة مسجونة في أحد الأبعاد، إلى سيدة أعمال روسية تمارس أفعالاً مجنونة في بعد ثانٍ، إلى ممثلة تدعى بريت مارلينج في بعد ثالث!
ومن داخل كل ذلك يدخل المسلسل إلى مساحة سحرية ثالثة هي عالم الأحلام، فالأحلام أيضاً لم تخضع لدراسات علمية كافية سوى من علماء النوم والأعصاب وفي حدود معينة، بعدما ذهبوا إلى أن دراسات فرويد للأحلام محض هراء لا يمكن الأخذ به، ففي الموسم الثاني تقوم إحدى المؤسسات بدراسة أحلام عدد لا محدود من الأشخاص في محاولة طموحة لبناء قاعدة بيانات عالمية قد تفتح لهم عالماً معرفياً جديداً، ولكن أثناء البحث يكتشف القائمون على الأمر تكرار ثلاثة أشكال معمارية لدى الكثير من الحالمين، وعند جمع تلك الأشكال اتضح أنه لا يوجد سوى منزل واحد في العالم أجمع يحتوي على تلك الأشكال سوياً، وهو منزل غامض مبني على بئر أثري وبه الكثير من الأسرار ونافذة يقال إنها تنفتح على العالم الآخر، ذلك المزيج من الخيال العلمي والفانتازي والرعب مع سيناريو عبقري في أطروحاته وفي شخوصه وأحداثه هو ما يجعل مسلسل The OA عمل غير قابل للنسيان، عمل يعيد السحر إلى العالم.
المسلسل هو جزء من مشروع بريت مارلينج الفني I Origins هو أكثر الأفلام التي قدمتها، عذوبة المسلسل يحمل كافة خصائص مشروع مارلينج، تنوع الروافد الفكرية جعل الأعمال المطروحة أكثر ثراء، المسلسل يبحث في المساحات السحرية التي لم يتمكن العلم من دخولها، تعدد مستويات التلقي واختلاف التأويلات نابع من عمق الطرح.
ذو صلة