مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

صيغ الشوارب.. قداسة ومكانة وغرائب

 
 
يعرف الشارب، بذلك الشعر الذي ينبت فوق الشفة العليا، وهو يظهر لدى الذكور عند بلوغهم. والشوارب تعد علامة من علامات الرجولة لدى العديد من الأمم، فكان -على سبيل المثال-  يضرب بها المثل على الصدق والأمانة عند العرب. كما أنه قد أضفى على البعض لمسات جمالية، فنرى رجال السياسة دوماً يتفاخرون بشواربهم المفتولة، أو في حالة ما إذا انتفض أحدهم، وأمسك بشاربه، ليقطع وعداً ما على نفسه، بقوله: (خذها من هذا الشارب)، ونجد أنه يوفي بوعده مهما كلفه ذلك الوعد من عناء أو مشقة، وإلا لحقه العار والخزي طوال حياته، حيث إن وضع الرجل يده على طرف شاربه، ما هو إلا تأكيد على ما يقوله، أو ما يعد به، وهناك مثل قائل: (قطع الرؤوس ولا حلاقة الشارب).
قداسة وقوة وتسلط
عبر قرون من الزمن وعبر مختلف البلدان والحضارات؛ أطلق الرجال لشواربهم العنان، وأخذوا يتفاخرون بها، وأصبح صاحب الشارب الأكبر هو فارس الفرسان، مثله مثل صاحب السيف والخنجر أو العضلات المفتولة عند بعض الشعوب، كما كانت الشوارب تعد رمزاً وقداسة ومكانة، وهناك من الشوارب ما يعطي انطباعاً بالقوة والتسلط والجبروت، فنرى أحدهم في حالة من الغضب ينتفض قائلاً: (احلق شاربي إذا فلح).
وفي إحدى حالاته المعهودة، كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين، قد حاول أن يستنهض الضمائر فقال: (متى تهتز الشوارب؟). وفي حالة ما إذا أراد شخص ما أن يحرج أو يهين شخصاً آخر، ما كان عليه إلا أن يسب شاربه. وفي روسيا القيصرية ذهب القيصر (بطرس الأكبر) إلى أبعد من ذلك، إذ كان الروس يطلقون العنان لشواربهم ولحاهم، لتصبح أعلى كثافة، مما دعاه أن يفرض ضرائب باهظة على اللحى، لكنه في الوقت نفسه قد أعفى الشوارب من تلك الضرائب.
زيوت اللحوم لتدسيمها وتزيينها
في ستينات القرن الماضي، اشتهر في العراق نوع جديد من الشوارب، أطلق عليه اسم (طيران)، ومنهم من أكد على أن أباءه وأجداده في عصر عز الشوارب كانوا يقومون بتدسيمها وتزيينها، فهم كانوا يستخدمون الشحوم المستخرجة من اللحوم لتزيين شواربهم، حتى إذا حضر أحدهم اجتماعاً ما لشيخ العشيرة أو كبيرها يراه الحاضرون بشواربه لامعة براقة، ومنهم من أكد على أن استعمال الشارب كان ضماناً على شراء كميات من البضائع، ولا يملك المشتري في الوقت الحالي ثمناً للتسديد، كما أكد أحد الضباط القدامى المقيمين في مدينة (بيجي) الواقعة بمحافظة صلاح الدين، على أن الشارب الضخم إنما هو أمر ضروري، حيث أنه يضفي هيبة، ويرهب أرباب السوء والمسجلين خطراً، يقول أحدهم إني قد سمعت أحد الأشخاص يقول لصاحبه بصوت خافت: (أبعد عن ذلك الشرطي، فإن له شارباً كثيفاً.. ربما يؤذينا).
كما يروي أحد الحلاقين حكاية له بقوله: (إن الكثير من الزبائن يطلبون مني تخفيف شواربهم، ولكن كبار السن يطلبون مني تعديله فقط)، بينما يروي حلاق آخر تعرضه للاعتداء ذات مرة، قائلاً: عندما طلب مني أحد الزبائن أن أحف شاربه، أخطأت وأزلته تماماً من موضعه، وما كان من الحاضرين وكبار رجال المنطقة، إلا أن أمروني بدفع (رد اعتبار) للزبون المتضرر قدره مئتان وخمسون ألف درهم، ومن ثم وافقت على الدفع دون تردد.
يمثل رجولة أمام المرأة
في بدايات القرن العشرين، وعملاً بمقولة الناس على دين ملوكهم، ظهرت في مصر موضة تقليد شكل شوارب الملك (فؤاد الأول) ملك مصر والسودان، وذلك من خلال رفع طرفي الشارب المدببين إلى أعلى. وأما عن الشعراء والعلماء والمفكرين والفلاسفة، فقد كانوا لا يهتمون دوماً بأشكال شواربهم، بل كانوا يتركونها طليقة تسرح وتمرح‏ كيفما شاءت ووقتما شاءت، حتى أن أحدهم قد وصف تصرفات شاربه في قصيدة مقتضبة قال فيها صراحة:
 (فإذا أردت الأكل يقتسمان بينهما وبيني
                             وإذا أردت الشرب يمتصان كالإسفنج‏).
وقديماً وفي نظر المرأة العربية، ظهر أنها لم تكن ترى من الرجل سوى شاربه الذي يمثل الرجولة، وكانت تتغزل به وبشاربه، وتذوب أنوثة أمام سحر شاربه، وفي المقابل هو يفتل به ليلفت نظرها، وفي أحوال كثيرة كانت المرأة تنخدع ولا تأخذ أدنى حذر من الرجل صاحب الشارب المفتول، الأمر الذي دعا الكاتب الإيرلندي الشهير (برنارد شو) أن يذكر في إحدى قصصه والتي سميت (الأسلحة والرجل)؛ حكاية ضابط (بلغاري) كان يجتذب النساء بشيء واحد هو (الشارب).
يعبر عن ثقافة الزمان
مثلما الحال بالملابس والأزياء، التي تعبر عن التيارات الفكرية والسياسية السائدة، فإن طريقة قص الشعر أو تشذيب اللحية والشارب، أو الإبقاء على السالفين؛ هي أيضاً تعبير عن ثقافة الزمان ومزاجه، فكلما طال شارب الشخص، كان ذلك كناية عن مكانته وقيمته الاجتماعية ورجولته. وفي استطلاع للرأي في المملكة المتحدة قام به معهد (التجميل والصحة النفسية) عن أهمية الشارب عند الرجل؛ تم حصر أشكال الشوارب في 40 نوعاً، كان من أهمها شارب الزعيم النازي (أدولف هتلر)، وشارب الزعيم الروسي السابق (جوزيف ستالين)، والشارب الإنجليزي والشارب الغجري، وشارب حدوة الفرس، والشارب الهرمي. وكانت النتيجة أن خمساً وسبعين بالمئة من النساء، ممن شملهن الاستطلاع بالسؤال عن حبهن أو بغضهن لشارب الرجل؛ قد أجبن بـ(نعم)، وقد اختلفت إجاباتهن عن أي الأنواع أكثر تفضيلاً، ولكنهن اتفقن على أنهن يفضلن الرجل ذا الشارب الممتلئ.
دفاع عن الأفكار والشخصية
هناك من يرى أن الشارب الطويل علامة على الرجولة والشهامة الجمة، ويسهم في كسر التحفظ، بل يضفي على صاحبه هيبة خاصة تتيح له التدخل لتسوية النزاعات والخلافات الناشئة بين الأقوام، ومنهم من يرى أن الشارب مازال يمثل في الثقافة العربية (قيمة ودلالة) تفوق دوره في الأناقة والشكل، وهي مرحلة مهمة كان الشارب فيها يمثل رمز الرجولة والهيبة. وفي كثير من المجتمعات أصبح الشارب رمزاً سياسياً ودلالة أيديولوجية، واتخذه البعض على اعتباره سلاحاً يقلل به حجم الخصوم، وفي الوقت نفسه يدافع به عما لديه من أفكار وعن شخصيته. فبجانب الدوافع الاجتماعية أضفت النزاعات الأيديولوجية والصراعات السياسية على الشوارب قيمة إضافية، تجسدت في تقليد شوارب القائد أو الزعيم لتصبح سمة عقائدية.
حلاقة أقصى العقوبات
في التراث العربي، كان الشارب له مكانة خاصة، ففي عصر المماليك والعثمانيين كانت أقسى العقوبات التي تصدر بحق أحد السارقين والغشاشين والواشين والمرتشين أن يتم حلق نصف شاربه، ويركب‏ حماراً بالمقلوب، ويطاف به بين الناس، كي يعرف الناس بأن ذلك الشخص مذنب وأخذ حقه من العقاب. وفي مصر أو الشام أو العراق وجد رجال لهم شوارب سجلت أرقاماً قياسية في الطول والعرض.
 كما كان لأمراء الدولة العثمانية تمييز خاص للشوارب، لها مقامات ألغاها مصطفى كمال أتاتورك، ومن ثم صارت مؤسسة الجيش خالية من الشوارب الملتوية. وفي الثقافة الهندية بات الشارب علامة على الرجولة للكثيرين من الرجال، حيث تنتشر الشوارب بين رعاة الأغنام في مدينة (راجستان) بنفس حجم انتشارها بين الموظفين الحكوميين في العاصمة (دلهي)، ومع ظهور الكثير من الشوارب في العديد من الأفلام الهندية، بدأت تروق للشباب الهندي، وأصبح من الشائع أن يطلقوا شارباً.
عن شارب هتلر
في نهاية الثلاثينات وحتى منتصف أربعينات القرن الماضي، وإلى ساعة انتحاره؛ اشتهر زعيم ألمانيا النازية أدولف هتلر بشاربه القصير، الشبيه بثوب قصير منسدل بين أنفه وشفته العليا، كما أصبح شارب هتلر، ويطلق عليه الآن شارب فرشاة الأسنان؛ علامة مميزة له، لأنه في نحوله وتوسطه منطقة أعلى الشفتين يشبه بشدة شكل شعر فرشاة الأسنان، وكان لشارب (الفوهور) حكاية أخرى، هي أبعد ما تكون عن أغراض الأناقة وصيحاتها، ففي فترة شبابه كان هتلر يحمل أعلى شفته شارباً كبيراً من النوع التقليدي، وهي الفترة التي كان فيها جندياً في الحرب العالمية الأولي (1914 - 1918م)، حتى أنه قد اضطر لقصه بالشكل الذي رافقه طوال حياته واشتهر به حتى رحيله، ليستطيع ارتداء قناع الغاز الواقي، حتى يتقي بها هجمات الأسلحة الكيميائية، وبالأخص غاز (الخردل)، والتي كانت تشنها القوات البريطانية خلال فترة الحرب، وقد قيل إنه في إجابته على أحد أصدقائه عن سبب تمسكه بهذا الشكل من الشوارب غير المعروف أجاب قائلاً: (لا أهتم، ولكنه بعد ذلك سيعرف بي)، كما نجد أن هتلر لم يكن الشخص الوحيد في تلك الفترة الذي امتاز بهذا الشارب، إذ نجد أن الممثل الكوميدي الشهير (شارلي شابلن) قد اشتهر أيضاً بشارب فرشاة الأسنان، الأمر الذي اعتبر في وقتها صيحة في عالم الأناقة.

خطف لطول شاربه
في منتصف عام 2013م وبسبب شاربه الضخم الذي كان يصل طوله نحو ثلاثين بوصة؛ جازف رجل أعمال باكستاني كان يقيم في مدينة (بيشاور) يدعى (مالك أمير محمد خان) بحياته وتعرض للاختطاف، وتلقى تهديدات بالقتل من متشددين، كانوا حلفاء وتابعين لحركة طالبان، فما لبث أن أثار شاربه غضب أعضاء تلك الجماعة المتشددة، إذ اعتبروه مخالفاً لعقيدتهم الدينية.
وفي البداية تلقى تهديدات ولم يذعن، إلى أن قامت فرقة خاصة من تلك الجماعة باختطافه واحتجازه في كهف مدة ثلاثين يوماً بالتمام والكمال، وقد أكد مالك أمير بأن المسلحين قد أطلقوا سراحه بعد أن حلق شاربه، لكنه تركه ينمو منذ ذلك الوقت إلى أن وصل إلى حجمه السابق، مضيفاً بأنه قد بات أشد إصراراً على الاحتفاظ بشاربه رغم ما وقع عليه، حيث أنه بات يمثل هويته، وأن كثيراً من الناس ممن يتعامل معهم يكنون له الاحترام بسبب شاربه الطويل، وهو سعيد بذلك، ولم يكن يحصل على هذه الميزة، ويلفت الانتباه حينما كان شاربه قصيراً وتقليدياً.

احتجاجات وثأر ومسابقات
في أحد الأعوام وضعت مجموعة من النساء في تركيا الشوارب على وجوههن، وذلك في تظاهرة احتجاجية للتمثيل الضئيل للمرأة في البرلمان التركي، وقد طالبن بعدد أكبر للمقاعد بالانتخابات البرلمانية، مما يدل على أن الشارب الذي هو رمز الذكورة والرجولة معرض للنقد أو السخرية.
وفي إحدى القرى في صعيد مصر، وقعت عملية ثأر من نوع جديد، حيث قامت عائلة باحتجاز رجل من العائلة الخصم، ثم قام المحتجزون بحلق شاربه قبل إطلاق سراحه، وهو ما تم اعتباره (إهانة لا تغتفر)، وكان لا بد من الأخذ بالثأر، فما كان من عائلة المطلق سراحه إلا أن قامت على وجه السرعة، وما زالت دماؤهم في غليان، باختطاف أحد رجال العائلة الأخرى، ومن ثم فعلت به على شاكلة ما فعل بابنها، ثم اتبع ذلك قيامهم بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء، فرحاً وابتهاجاً بأخذ الثأر وعودة الكرامة، ورفعت لافتة كبيرة كتب عليه ما معناه (احرص على شاربك).
وهناك مسابقات ومهرجانات دولية، تقام سنوياً في كثير من بلدان العالم، وبالأخص في ألمانيا وتركيا والهند، ودخل البعض من أصحاب الشوارب المميزة الموسوعة العالمية للأرقام القياسية المسماة موسوعة (جينيس)، كما تطور الأمر حتى وصل بأن تم تأسيس روابط لأصحاب الشوارب في بعض البلدان العربية، وهم يقدمون خدماتهم كمتطوعين في العمل الاجتماعي الخيري.
 
 
ذو صلة