مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

غالية البقمية.. حيث يتباهى التاريخ

 
حقق قيام الدولة السعودية الأولى في الجزيرة العربية أهدافاً سامية وغايات نبيلة، حيث انتشرت بجهود أئمة هذه الدولة الدعوة الإصلاحية التي حددت ما اندرس من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف ووحدت الصفوف التي التف حولها بالحب والولاء والاقتناع الراسخ بالقيم الأصيلة التي أنشئت عليها هذه الدولة والمنافحة عنها والذود عن حياضها بالغالي والنفيس.
ويتميز تاريخ هذه الدولة المباركة بغناه بالأحداث البارزة والمواقف البطولية والشخصيات الثرية التي تحتاج إلى مزيد من إلقاء الضوء والبحث والدراسة المعمقة لإبراز هذه الشخصيات وتسجيل منجزاتها للأجيال القادمة للاطلاع عليها والإفادة منها.
ولم تكن المرأة بعيدة عن التضحيات الشجاعة والمواقف الصامدة حيث تفصح لنا صفحات التاريخ بسرد مواقف مشرفة للمرأة السعودية تنم عن بذل وتضحية وعطاء سخي ورأي سديد إلى جانب شقيقها الرجل، وليس ذلك بغريب على مجتمع يعلي شأن المرأة ويعرف لها حقها أماً معطاء وأختاً ناصحة وزوجة وفية.
وهنا تعريف بإحدى هذه الشخصيات النسائية، وهي (غالية البقمية) التي ولدت في نهاية القرن الثاني عشر الهجري ولها إسهاماتها العسكرية في التصدي لحملة مصطفى بك سنة 1228هـ/ 1813م في تربة غرب المملكة حيث اتخذت من منزلها مقراً للقيادة العامة تعقد فيه الاجتماعات، وأسهم ذلك في هزيمة تلك الحملة، كما تصدت لحملة أحمد طوسون في العام الذي يليه على تلك المدينة إلى أن سقطت (تربة) بعد معركة بسل، وقال محمد علي مقولته المشهورة: (أمست دار غالية خالية).
وتشير المصادر إلى أن الإمام عبدالله بن فيصل آل سعود كان يعرف قدرها ويعلي شأنها وذلك لأثرها البارز في التصدي للحملات العسكرية العثمانية المصرية، وهذا ما يؤكد ما كان للمرأة السعودية من آثار مهمة في دعم الدولة السعودية والدعوة الإصلاحية متمثلاً في الإسهامات المهمة التي بذلتها غالية البقمية والتي جسدت قوة العزيمة وصلابة الرأي.
غالية أسعدت والديها
تاريخ ميلادها لا يعرفه أحد، لكن الأرجح أن ميلادها كان في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، وهناك رواية توضح أنها في عام 1229هـ/ 1814م، حيث تزوجت بخيت بن جينج أمير الهملة من الموركة البقوم، وكانت أرملة كبيرة السن، ولعل هذا الزواج كان قائماً على أساس المصلحة التي تربط بين زعماء العشائر، نتيجة ما كانت تمر به (تربة) من ظروف بسبب الغزو المصري - العثماني، وأنجبت غالية البقمية ابنة اسمها زملة في عام 1799م، تزوجت بدورها من ابن عمها هندى بن محمد بن محيي، وبعد وفاته تزوجت من ابن عم آخر يدعى جاسر بن عبدالله (الملقب والده بدغيم) وكان في العشرين من عمره. وقد جعلها بعض الكتاب من البدارى من الكلبة من وازع أحد قسمي قبيلة البقوم، القبيلة العربية المشهورة التي تتفرع من الأزد من قحطان، وينقسم البدارى إلى خمس عشائر هم: المنافير، الرماثين، آل دخيل الله، آل علي، والحلاوين. وتنتسب غالية إلى أسرة الغرابيط من الرماثين. وعليه فهي: غالية بنت عبدالرحمن بن سلطان الغرابيطي الرماثيني البدري الوازعي البقمي.
وتقطن قبيلة البقوم في منطقة تمتد من جبل حضن وأطرافه إلى تربة والخرمة على امتداد وادي تربة أشهر أودية الحجاز الشرقية التي تخترق قسماً من سراة الحجاز المنحدرة صوب نجد. ويعد الجزء الأوسط من الوادي للبقوم وفيه بلدة تربة التي تنسب إلى البقوم، على الرغم من وجود سكان من قبائل أخرى وأسر من الأشراف، والعصمة، والدواسر والمشايخ، إلا أن البقوم غلبوا على اسم تربة، حتى أن تربة والبقوم اسمان مترادفان، ولعل مرد ذلك أن جزءاً كبيراً من قبيلة البقوم استوطن هذه البلدة، حتى أن الحرة الواقعة شرقي تربة التي كانت تعرف قديماً بحرة بني هلال أصبحت تعرف باسم حرة البقوم. ومن الواضح أن بلدة تربة باستيطان فرع أو جزء من البقوم فيها أصبحت موطناً للتحضر والاستقرار، وكحال مدن وبلدان شبه الجزيرة فقد شيد على أطراف تربة سور لحمايتها من الغزو.
وأتاح موقع تربة على ضفاف الوادي الذي عرف باسمها أن تكون أرضاً خصبة للزراعة فنشط سكانها إلى الزراعة واشتهرت بزراعة النخيل إضافة إلى الفاكهة والخضروات والذرة والشعير، ويملك البقوم معظم مزارع تربة التي تتوزع على ضفتي الوادي الشرقية والغربية، وكان لقبيلة البقوم في تربة مربطان من مرابط الخيل الأصيلة في شبه جزيرة العرب، هما مربطا كروش والكحيلة، ولذا لقب البقوم بـ(معسفين المهارا متيهن البكارا). كذلك مارس جزء كبير من البقوم الرعي وظلوا متمسكين بالماشية وحياة البداوة في حضن. وتعود معظم مباني (شنقل) إلى البدارى، في هذا الحي ولدت غالية لأسرة عرفت بالغنى والجاه، فقد عرف والدها بمركزه الاجتماعي وبامتلاكه عدداً كبيراً من مزارع النخيل. ويوحي اسم غالية بأن والديها سعدا بمقدمها، فتسميتها بهذا الاسم الذي يحمل معاني جميلة يعطي دلالة على سعادة أهلها بمقدمها.
وكان موقع تربة والنشاط الزراعي فيها سبباً لجعلها ممراً للقوافل ووجهة للتجار، فكانت مواسم الثمرة في الصيف خاصة تستقبل أفواجاً من روادها ومرتاديها، وكانت القوافل تأتي لعرض البضائع وحمل التمور. وعرف البقوم بكرمهم، وكانت تثور بين عشائر البقوم نزاعات على الأراضي الزراعية واشتهرت حروب بينهم في هذا المضمار، وفي المدة التي عاشتها غالية شهدت في مرحلة شبابها أحداثاً من ذلك النوع، كما أن تمتع البقوم بخيرات تربة جعلها مطمعاً للقبائل المجاورة الغازية لولا دفاعهم عن بلدتهم بضراوة، كما أنهم قاوموا حملات هادي بن قرملة في عام 1212هـ/ 1797م الذى ورد ذكره عند عثمان بن عبدالله بن بشر الذي قال: (وأغار على البقوم في الحجاز فهزمهم وقتل منهم عدة رجال، ثم بعد شهرين غزاهم فقتل منهم عدة قتلى وأخذ عليهم كثيراً من الإبل والغنم، وعرف عنهم أنهم أولو بأس شديد ولقبتهم القبائل المجاورة بـ(ظهور السواني) رمزاً لتحملهم الحروب الطاحنة من الآخرين).
الحملة على تربة
نجحت قوات محمد علي باشا في المعركة الأولى (حملة مصطفى بك 1228هـ/ 1813م في الاستيلاء على مكة في المحرم ثم الطائف، ثم كانت حملتها على تربة التي اختلف المؤرخون والباحثون في وصفها وتدوين المعلومات عنها، وأشار المهندس بعبارة موجزة إلى وضع الحملة المصرية - العثمانية بعد استيلائها على الحجاز ويبين عنف المقاومة التي جوبهت بها، أما ابن بشر فإنه يذكر استيلاء مصطفى بك على الطائف، ثم يتحدث عن التحرك السعودي إزاء التوسع المصري - العثماني في الأراضي الحجازية مشيراً إلى توجه الإمام سعود بن عبدالعزيز (1218 - 1229هـ/ 1803 - 1814م) إلى الحناكية، ثم يتحدث مباشرة عن حصار مصطفى بك لتربة موضحاً أنه كانت هناك (مرابطة من أهل نجد) مما يعني أنها كانت قاعدة من القواعد السلفية.
ويذكر بوركهارت أن أسباب هذه الحملة تعود إلى أن تربة تعد أحد المراكز الرئيسية التي تصل نجد بالجبال اليمنية، ويتفق معه إدوارد جوان الذي ذهب إلى أن الهجوم على تربة إفساد لخطة السعوديين الذين اتخذوا من تربة قاعدة لهم ينطلقون منها لمهاجمة الحملة المصرية - العثمانية، فكانت بمثابة حلقة وصل بين السلفيين في نجد وإخوانهم في عسير، ويعيد عبدالرحمن الرافعي السبب في توجه هذه الحملة إلى تربة إلى تحولها إلى قاعدة للسعوديين الذين تمركزوا فيها بقيادة فيصل بن سعود يهاجمون منها القوات الغازية، إلى جانب مهاجمتها بقيادة الإمام سعود بن عبدالعزيز في منطقة الحناكية، ومنها بادر أحمد طوسون الذي شعر بحرج الموقف إلى ملاقاة السلفيين وشرع في مهاجمة المراكز التي احتشدوا فيها. ويوضح عبدالرحيم عبدالرحمن أن السعوديين رغبوا في استدراج قوات طوسون إلى الداخل حيث الصحراء والوديان وإبعادها عن مراكز تموينها وقطع خطوط مواصلاتها حتى يسهل إيقاع الهزيمة بها، وموقع تربة يساعد على ذلك لوقوعها في منطقة بعيدة من خطوط الإمدادات.
ويذهب صلاح العقاد إلى أن الحملة المصرية - العثمانية قررت أن تشق طريقها تجاه نجد استكمالاً لفتوحاتها في الحجاز... ومن مجمل الأقوال السابقة يمكننا القول إن من بين أسباب هذه الحملة: العمل على إفساد خطة قادة الدرعية التي كانت تقوم على مهاجمة الحملة المصرية - العثمانية ومنعها من التقدم باستدراجها إلى حرب صحراوية تكون فيها نهايتها، ويتفق مع هذا الرأي ما ذكر من توجه الإمام سعود إلى الحناكية في حين توجه ابنه فيصل بن سعود إلى تربة وجعل منها قاعدة لجنوده تدعم الجهة الجنوبية. نستنتج مما سبق من أقوال أن تربة كانت لها أهمية إستراتيجية مميزة وضحت في أثناء الحروب، فهي بوابة الحجاز إلى نجد، ونقطة اتصال مع الجهات الجنوبية، فخطوط مواصلاتها مفتوحة من الشرق مع نجد، ومع الجنوب باتجاه عسير، كما أنها كانت تتوافر على مميزات عسكرية.. فهي مسورة بسور منذ حروبها مع الشريف غالب بن مساعد (1203 - 1228هـ/ 1789 - 1813م) بعد انضمامها إلى السلفيين، وزاد من حصانتها غابة أشجار النخيل الكثيفة التي تحيط بها، كما أنها محاطة بحفر مملوءة بالمياه وتمتد إلى مسافة فرسخين.
دور غالية في مقاومة حملة محمد علي
وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن فيصل بن سعود عندما وصل إلى تربة على رأس قوة عسكرية من أهل نجد وجد غالية قد أعدت للأمر عدته فأنفقت أموالاً في سبيل دعوة القبائل للانضمام إليها، واتخذت من منزلها مقراً للقيادة العامة تعقد فيه الاجتماعات وتدلي فيه بآراء كان الحاضرون يأخذون بها ويسيرون وفق التدابير التي تضعها لأمور الحرب بصفة عامة، ويبدو أن من هذه التدابير قيام البقوم بإنشاء بعض البروج على سور بلدتهم.. وأرسل محمد علي إلى السلطان العثماني في الخامس من شوال 1228هـ/ 24 يناير 1814م يذكر في سياقه هزيمة مصطفى بك في تربة، وذكر ابن بشر قائلاً: (اجتمعت العساكر المصرية من مكة والطائف، وسار بهم مصطفى بك ومعهم راجح بن عمرو الشريف في جموع من البوادي الذين نقضوا العهد وتابعوا الروم فسارت تلك العساكر والجموع معهم المدافع والقنابل وقصدوا بلد التربة).
ويتضح من النص أن قوة مصطفى بك كانت كبيرة، توجهت الحملة إلى تربة وعندما وصلت إليها ضربت عليها حصاراً استمر ثلاثة أيام، وصمدت قوة السعوديين داخل البلدة، وكان لغالية دور في ذلك، إذ كانت تثير حمية المدافعين، ولم تكتف بالدفاع عنها من داخل الأسوار، بل إنها خرجت على رأس فريق من رجالها بعد أن خطبت فيهم واستشارت نخوتهم.. ومن المرجح لدينا أن خروجها تزامن مع وصول مدد إلى السعوديين الذين استجابوا لنداء تربة فقدموا إليها، ومن المرجح كذلك أن فيصل بن سعود هو الذى طلب هذا المدد في أثناء الحصار، وكان هذا المدد من أهل بيشة ومعهم قبائل كثيرة بقيادة ابن شكبان (هو فهاد بن سالم بن محمد بن شكبان الرمثين، من قبيلة شهران من أهل بيشة من قرية الدحو) ومعه عبدالله بن سعود. التقى الطرفان في وادي السليم ودارت رحى معركة بينهما، وقعت القوة المصرية - العثمانية بين كفي كماشة، وكانت غالية في طليعة الجيش، وقاتلت في المعركة بشجاعة منقطعة النظير، وانتفضت بجيشها على فرقة المدفعية في قوات مصطفى بك، وأجبرتها على الفرار، وانسحب مصطفى بفلوله إلى الطائف مخلفاً وراءه مدافعه وذخيرته التي غنمها السعوديون. وقد أوضح محمد علي في رسالة له إلى السلطان العثماني هزيمة مصطفى بك كما ضمنها الإشارة إلى قتل عدة مئات من رجاله، فكانت هزيمة نكراء، وعلى الفور توجه مصطفى إلى مكة حيث قابل طوسون وهو في وضع سيئ للغاية، وقد أحاط طوسون والده محمد علي بخبر تلك الهزيمة، فغضب محمد علي أشد الغضب على مصطفى بك والقبائل الحجازية المنتصرة.
كانت هزيمة مصطفى بك في تربة أمام غالية ضربة قاصمة لسمعة محمد علي وابنه طوسون لذلك كان حانقاً من أن امرأة استطاعت هزيمة أحد ضباطه وصمم على السفر إلى الحجاز لتدارك الأمر و(محو عار الهزيمة التي ألحقتها بالجيش امرأة).
وللمرة الثانية توجه طوسون ومعه حوالي ثلاثة آلاف جندي وحاصر البلدة ووجه مدافعه وقنابله نحو سور المدينة وتصدى سكان تربة والجند المرابطون فيها لذلك الهجوم في شجاعة نادرة وحافظوا على الأسوار تقودهم غالية التي كانت في المقدمة تقوي من عزيمتهم، أما هم فكانوا مستبشرين بوجودها يقاومون الغزاة بأسهل طريقة، وازداد الموقف صعوبة من جراء ما فعله الشريف راجح الذي انشق عن الحملة وانضم إلى القوات السعودية في تربة انتقاماً من محمد علي، وهنا ارتد طوسون إلى الطائف فرفع الحصار عن البلدة ليلاً وبدأ بالانسحاب الذى تكبد فيه خسائر جسيمة أيضاً، وهجم السعوديون عليه واستولوا على الممرات التي كانت في طريق الجند المصري - العثماني وهاجموهم بعنف لدرجة أن جنود الحملة بدؤوا يهربون تاركين أمتعتهم وخيامهم ومؤنهم ومدافعهم وتعقبوهم إلى الطائف حتى كاد جيش طوسون يفنى هو ومن معه من جيشه المتخاذل المهزوم رغم تشجيع محمد علي وعطاياه الجزيلة، وجهز محمد علي جيشاً رهيباً نجح في الوصول إلى تربة والاستيلاء عليها، وقيل إنها ظلت بمنطقتها وما لديها من آلة حرب وخيل وأسلحة وذهب وفضة وخدمها واختفت عن يديه فحزن واغتم لنجاتها من انتقامه منها لما سببته له من حرج طال سمعته العسكرية، وقيل إنها قضت آخر عمرها في زواد في وادي كراء مع ابنتها زملة في مزرعة وقصر كبير لهما.
 
ذو صلة