مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

عبدالله الخليفة 1297 - 1372هـ أول نجدي يعمل في أمريكا قبل 115 عاماً

أحد رجال العقيلات المتاجرين بالمواشي بين الجزيرة العربية وفلسطين ومصر والشام في القرن الماضي، غادر بريدة صغيراً حدود عام 1310هـ (1794م) وسنه لا يزيد على الثالثة عشرة، إذ كان مولده في بريدة بالقصيم عام 1297هـ.
وكان والده خليفة العبدالله قد سبقه إلى دمشق حيث عمل معه بتجارة المواشي، وصار يتنقل بين فلسطين ومصر حتى توفي والده عام 1317هـ فحل محل والده، ولكن تجارته أصيبت بالكساد فأراد أن يغير من موقعه في دمشق إلى فلسطين وقبل مغامرته تلك أراد أن يستخير الله وأن يحج بوالدته التي جاءت من بريدة والتقت بابنها بمكة المكرمة، وبعد نهاية الحج ودّعها، ودعت له بالتوفيق بعد أن استأذنها بالعودة إلى الشام.
اشترى خمسين رأساً من الإبل وسافر بها إلى فلسطين ثم إلى مصر وصادف كساداً في أسواق الماشية، خسر رأس ماله وأصبح مديناً لصاحب الإبل، وكان له صديق من أهل القصيم يدعى حمود المطلق يسكن في قرية (المطرية) إحدى ضواحي القاهرة. وهو يعرف الدائن الذي استدان منه الخليفة، فاتفق معه أن يبحث عن عمل آخر وإذا ما توافر له المال يبعثه لحمود وهو بدوره يبعثه لصاحب الدين.
سافر عبدالله الخليفة من المطرية إلى الإسكندرية، فالتقى بلبنانيين قادمين من أمريكا، وكان يعرف أحدهم فأشار عليه بالسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية فهناك جاليات عربية تساعد العرب القادمين إليها.
وفي رواية أخرى أنه قابل مجموعة في ميناء الإسكندرية تنقل خيولاً بالباخرة إلى مرسيليا بفرنسا ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبحكم خبرته بالتعامل مع الخيل (كسائس) اتفقوا معه أن يرافقهم إلى مرسيليا مقابل مبلغ من المال على أن يؤمّنوا له العودة من هناك، وعلى أمل أن يجدوا من يرافقهم إلى أمريكا ويهتم بالخيل.
وعندما وصلوا إلى مرسيليا لم يجدوا من كانوا يتوقعون وجوده ليحل محل الخليفة في الاهتمام بالخيل، فاتفقوا معه أن يواصل معهم الرحلة بالباخرة إلى أمريكا على أن يضاعفوا أجرته فوافق، فكتب لصاحبه حمود المطلق بالمطرية إنه ذاهب إلى أمريكا وسوف يكتب له من هناك. وفعلاً وصل إلى (سان أنطونيو تكساس) عام 1320هـ / 1802م تقريباً وكان لا يعرف غير اللغة العربية، فوجد من أوصله إلى مساكن العرب وبدورهم عرّفوه على صاحب متجر أمريكي يتاجر بالأقمشة اتفق معه مقابل مبلغ زهيد أن يأخذ مجموعة من أنواع الأقمشة ليتاجر بها بطرق بدائية كأن يحملها فوق رأسه أو يضعها بصندوق، فيمر على المنازل في الأزقة الضيقة ويعرض ما يحمله على من يرغب بالشراء، وكان في بداية أمره يكتفي بلغة الإشارة، ثم بدأ يتكلم ببضع كلمات إنجليزية اكتسبها، وبعد شهر استطاع أن يتفاهم مع الآخرين بشكل أفضل، فكان عندما يُصرِّفُ بضاعته يعود للتاجر لتسديد قيمة ما باعه مما وثّق العلاقة والثقة بينهما، فبدلاً من الصندوق الصغير الذين كان يحمل به بضاعته أصلح له الأمريكي عربة تسير على أربع عجلات، بل وأعطاه مفتاح مستودع ليأكل به وينام ليله، فأصبح موضع الثقة، وبدأ يكسب من تجارته البسيطة بشكل أفضل، وبعد مرور قرابة السنة على عمله هذا استطاع أن يبعث جزءاً من دينه إلى صديقه حمود المطلق ليسلمه للدائن، ثم اشترى حصاناً ليجر عربة بضاعته وصار يتنقل في أنحاء المدينة وضواحيها فاتسع مورد رزقه، وبعد إتمامه السنة الثانية أرسل بقية الدين لدائنه كما أرسل قطعتين من الذهب لوالدته في بريدة بواسطة صديقه المطلق.
بقي هناك لما يقرب من عشر سنوات.. زار فيها نيويورك وشاهد بدايات السيارات والطائرات وناطحات السحاب لأول مرة.
والرواية الأخرى يؤكدها الشيخ محمد الناصر العبودي في كتابه (معجم أسر بريدة) ج5، ط1 - 1421هـ/ 2010م قائلاً: أن عبدالله الخليفة بن عبدالله السعيدان.. (.. بعد أن وصل إلى مصر وهو ليس بذي مال عمل عند أحد تجار الخيل من أهل القصيم المقيمين في مصر للتجارة في الخيل، وحدث أن وصل إلى مصر جماعة من الولايات المتحدة الأمريكية، يريدون شراء خيول عربية لمزارعهم في أمريكا ولغير هذا الغرض لأنهم من تجار الخيل. فلما اشتروها وأكثرها من ذلك التاجر من أهل بريدة الذي يعمل معه أو عنده (عبدالله الخليفة) ذكروا له أنهم يحتاجون إلى من يوصل هذه الخيول معهم إلى الإسكندرية حيث كانوا سيركبون باخرة إلى برشلونة في إسبانيا ومن برشلونة إلى نيويورك عن طريق البحر، وذلك أن البحر كان الوسيلة الوحيدة للسفر إلى أمريكا في ذلك الوقت، وبخاصة لمن كانت معهم خيول فأشار عليهم بأن يأخذوا معهم (عبدالله بن خليفة) لأنه أمين ويعرف كيف يسوس هذه الخيول، واتفق معهم على أن يعطوه أجرته عدداً من الجنيهات الذهبية.. ).
وهكذا استمر العبودي يروى قصته التي سمعها منه مباشرة، وهي أنهم عندما وصلوا الإسكندرية لم يجدوا سفينة تسافر إلى برشلونة إلا بعد أيام وبعد أن عرفوا مدى اهتمام ورعاية ابن خليفة للخيل عرضوا عليه البقاء معهم والسفر معهم إلى برشلونة ويضاعفون أجرته ويؤمنون عودته لمصر.. وهكذا إلى أن وصلوا نيويورك.. ودفعوا له أجره كاملاً وعرفوه بوكيل شركة سفن ضمنوا له أن يدفع لابن خليفة أجرة سفره من نيويورك إلى الإسكندرية، ولكن الباخرة لا تسير إلا بعد أيام، فأعطوه مكاناً يبقى فيه..
وهنا يتحدث ابن خليفة أنه عندما كان في نيويورك في انتظار وجود باخرة يسافر معها راجعاً إلى الاسكندرية سمع رجلين يتكلمان العربية بعد أن كان لا يسمع إلا الإنجليزية التي لم يكن يحسنها ففرح بذلك فكلمهما وعرف أنهما من نصارى لبنان، وكان ابن خليفة ذا شخصية جذابة.
فذهبا به إلى دكان لأحدهما وتغدى معهما وبعد أن عرفاه من خلال الكلام وعرفا أنه سوف يعود إلى مصر.. قالا له يا فلان، الناس يجون من الشرق إلى أمريكا يبحوث عن المال والثروة في أمريكا وأكثرهم يحصلون على ذلك، وأنت تكون في أمريكا وترجع للشرق دون ما تحصل أي شيء.. فالأفضل أن تبقى وتعمل ما يعمل اللبناني والسوري الذي يقدم وليس معه رأس مال، وذلك بأن يأخذ من التجار العرب بضائع يبيعها لهم بعمولة معروفة.
وكل ما يحتاج إليه هو الصبر والأمانة.. وكان أحدهما تاجر ملابس، والثاني صاحب دكان يبيع (السقط) الحبوب والعقاقير الطبية الشعبية والأعشاب..  وذكر لهما أنه يحمل أجرته من الجنيهات، استفضعوا ذلك وقالوا: ربما تسرق منك فأعطاها أحدهما أمانة فقالا له: إن الأفضل لك أن تبيع بها وتشتري.. فعلماه كيف يعمل متجولاً لبيع تلك الملابس. فوثق به تاجر الملابس فجعله يبيع في دكانه.. انتقل بعد ذلك إلى التاجر الثاني الذي يبيع (السِّقط) حتى أتقن العمل ففتح دكاناً خاصاً به وشريكاً ومساعداً للبناني.. إلى أن قال العبودي: (.. لذلك بقي ابن خليفة في أمريكا ست سنين حتى رأى أمه في النوم وهي تبكي وتحرِّج عليه أن يأتي إلى نجد حتى تراه قبل أن تموت). قالوا: وكان هذا هو سبب عودته.. ونجد ابن خليفه يروي للعبودي قصة عودته: (إنه باع كل ما يملك بجنيهات ذهبية حملها معه وسافر من الولايات المتحدة عن طريق المحيط الهادي، لأن هدفه هو الوصول إلى الهند التي كان يعرف أن كثيراً من البضائع التي كان يبيعها في أمريكا تأتي منها وأنها فيها رخيصة.
وفي الهند اشترى البضائع وغيرها بما معه من النقود وحملها على سفينة إلى البحرين، ومن هناك إلى (أبو عينين) وهو الجبيل ثم حملها على الإبل إلى بريدة.
وقد فتح له دكاناً في بريدة صار يبيع فيه من تلك السقوطات كما كانت تسمى).
واستمر العبودي يروي قصته على مدى ثلاث عشرة صفحة، وعما حكي عن رحلته بما يشبه الأساطير، ومنها أن أهل هكا الديار كلهم كفار، وأنه أصبح يصلي سراً وأنه يؤذن في (قرعة) وهي الياقطينة - حتى لا يسمع صوته -.. إلخ.
وقد ورد ذكر عبدالله الخليفة في رحلة الرحالة الإنجليزي الكابتن (وليم شيكسبير) وذكر في رحلته أنه وصل إلى بريدة في 28 مارس 1914م وأنه قابله فيها وذكر شكسبير أن ابن خليفة يتكلم الإنجليزية بلهجة أمريكية لأنه قد عاش في مدينة نيويورك لمدة 6 سنوات.
وفي رواية ثالثة تقول:
إنه عاد من أمريكا عام 1329هـ إلى مصر وزار صديقه حمود المطلق في المطرية ومنها إلى الجزيرة العربية عن طريق البحر فوصل ميناء ينبع ومنها إلى المدينة المنورة ثم إلى مسقط رأسه بريدة، ويقول الأستاذ ناصر السليمان العمري وهو يروي قصته بجريدة اليمامة عدد (206) الصادر في  25 / 7 / 1379هـ أنه تعرض لصعوبات ومتاعب بسبب اختلال الأمن وكثرة قطاع الطرق ما عرضه لغارة مجموعة منهم نهبت بضاعته وأمتعته هو ورفاقه في طريقهم من المدينة للقصيم، وقد وصل لبريدة دون أمتعة فاطمأن على والدته وطمأنها على حياته فبقي لديها ثلاثة أشهر غادر بعدها إلى الكويت ومنها إلى الهند فجلب أنواعاً من البضائع افتتح بها متجراً في بريدة مارس فيه التجارة بحكم خبرته وصبره السابق ذكرهما.
استقر في بلدته، وبنى مسكناً له ولعائلته، وأصبح مهتماً وباراً بوالدته حتى وفاتها عام 1348هـ.
اهتم بالفقراء والغرباء وفتح باب بيته في أوقات محددة يومياً لكل قاصد أوقات الغداء والعشاء وحتى قهوة بعد صلاة الفجر، وكان يكرمهم ويقضي حوائجهم، وبلغ به الأمر أنه إذا أراد دعوة أحد الضيوف من أبناء بريدة وغيرهم لا يدعوهم إلا بعد صلاة العشاء الآخر حتى يفرغ لهم بعد إطعام الفقراء والغرباء.
وفي شهر رمضان أصبحت دعوته للفطور مفتوحة، أما وقت السحور فهو يذهب بنفسه متفقداً مساجد بريدة فإذا وجد فيها غريباً أو فقيراً دعاه إلى بيته وسحَّره. كما تكفل بتأمين غذاء المعتكفين في العشر الأواخر من رمضان في المساجد، وقام بترميم المسجد المجاور لمنزله من عام 1330هـ حتى وفاته - رحمه الله - عام 1372هـ، وأوصى باستمرار صيانته وإنارته بعد ذلك، رغم أن حياته لم تكن مُيسّرة بل كانت تتقلب من عُسر إلى يُسر. وكان يشهد له الجميع بما يتحلى به من أخلاق وسعة صدر ومحبة لقضاء حوائج الناس وكتابة وصاياهم واتفاقاتهم وشهادته عما يعرفه وتطلب منه.
علماً بأن ابنه علياً كان مديراً لمركز التنمية الاجتماعية في بريدة، ومديراً لجمعية الثقافة والفنون قبل عشر سنوات، وأن الدكتور عبدالله بن صالح الوشمي أمين عام مركز الملك عبدالله العالمي لخدمة اللغة العربية سبطه.
ذو صلة